وتأتي هذه الخطوة في سياق تحديات اقتصادية متراكمة، أبرزها تذبذب قيمة الدينار الليبي، واستمرار أزمة السيولة، وارتفاع الطلب على العملة الصعبة لأغراض الاستيراد والسفر.
وبين آمال بتحقيق انفراج تدريجي في السوق، ومخاوف من تداعيات غير محسوبة، يظل التساؤل قائمًا حول مدى قدرة هذه السياسة على إحداث توازن فعلي في الاقتصاد الليبي.
تحركات مشروطة
قال الأكاديمي الليبي، رئيس قسم الاقتصاد بجامعة بنغازي، حلمي القماطي، إن "قرار استئناف بيع الدولار نقدًا عبر المصارف الليبية يمثل تحركا مهما في توقيت حساس"، مشددا على "ضرورة قراءته في إطاره الصحيح كأداة تدخل نقدي مباشر، لكنه لن يشكل حلا جذريا لمشكلة سعر الصرف"، بحسب رأيه.
وأضاف في تصريحات لـ"سبوتنيك"، أن "الدافع الحقيقي وراء هذه الخطوة يتمثل في محاولة استعادة السيطرة على سوق العملة، بعد سنوات من اتساع السوق الموازية، نتيجة ضعف الثقة في القطاع المصرفي، وصعوبة الوصول إلى النقد الأجنبي عبر القنوات الرسمية".
وتابع أن "ارتفاع تكلفة استخدام البطاقات الدولية، ضمن مخصصات أرباب الأسر، ساهم في زيادة الضغط على المواطنين، وأدى إلى تسرب مالي إلى الخارج".
وأشار القماطي إلى أنه "على المدى القصير، قد يسهم ضخ الدولار النقدي في خفض سعر الصرف في السوق الموازية، وتقليص الفجوة مع السعر الرسمي، إلى جانب تهدئة المضاربة وتحسين الحالة النفسية للسوق، إلا أن ذلك يظل مرهونا باستمرار التدفقات النقدية وثبات السياسة النقدية".
وبيّن أن "التحدي الحقيقي على المديين المتوسط والطويل لا يكمن في توفير الدولار، بل في إدارة الطلب عليه"، لافتا إلى أن "الاقتصاد الليبي يعاني من طلب مركب على العملة الأجنبية يتجاوز أغراض الاستيراد، ليشمل الاكتناز والمضاربة وتمويل اقتصاد الظل، ما يجعل أي تحسن في سعر الصرف عرضة للتآكل إذا لم تتم معالجة هذه العوامل".
وفيما يتعلق بأزمة السيولة، قال القماطي إن "هذه الخطوة قد تسهم في تخفيفها جزئيًا عبر إعادة توزيع النقد داخل السوق، لكنها لن تعالج جذورها المرتبطة بالبنية المصرفية وضعف الثقة".
أما بشأن توحيد الميزانية، أكد أنه "في حال تحقق اتفاق فعلي على ميزانية موحدة، وتوحيد الإنفاق التنموي، وإخضاع الإنفاق العام لقاعدة مالية منضبطة، فإن الأثر سيكون جوهريا وليس هامشيا، نظرا لارتباط جزء كبير من الطلب على العملة الأجنبية بإنفاق حكومي مزدوج وغير منضبط".
وأضاف أن "ذلك من شأنه تعزيز مصداقية السياسة الاقتصادية، وهو ما ينعكس مباشرة على توقعات سعر الصرف، ويقلل الحاجة إلى تدخلات نقدية حادة ومتكررة، مثل ضخ الدولار النقدي".
وشدد على أن "توحيد الإنفاق يمثل الأداة الحقيقية لاستقرار سعر الصرف، وليس الاعتماد على الضخ النقدي فقط"، موضحا أن "الاقتصاد الليبي يعتمد على النفط بنسبة تتجاوز 90% من الإيرادات العامة، بمتوسط إيرادات شهرية يتراوح بين 1.5 و2 مليار دولار، في حين يقترب حجم الإنفاق من 3 مليارات دولار شهريا، ما يخلق فجوة تمويلية يتم تغطيتها من الاحتياطي أو عبر إعادة تدوير الأصول".
وأضاف أن "عرض النقود يقترب من 190 مليار دينار، مع توسع نقدي ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يشكل ضغطا مستمرا على سعر الصرف، مهما كانت التدخلات".
كما أشار إلى إشكالية ما وصفه بـ"لوبي الاعتمادات"، معتبرا أنها "من أخطر التشوهات في الاقتصاد الليبي، إذ تحولت الاعتمادات المستندية من أداة تجارية إلى وسيلة لتحقيق الريع، من خلال الحصول على الدولار بالسعر الرسمي وإعادة توجيهه بطرق مباشرة وغير مباشرة لتحقيق أرباح من فارق السعر".
ولفت إلى أن "هذا السلوك يؤدي إلى تضخم الطلب غير الحقيقي على العملة الأجنبية، واستنزاف الاحتياطيات، وتشويه هيكل الاستيراد"، مؤكدا أن "معالجة هذا الملف أكثر أهمية من أي عمليات ضخ نقدي".
وختم الأكاديمي الليبي، حلمي القماطي، تصريحاته بالتأكيد: "في حال التوصل إلى اتفاق حقيقي بشأن توحيد الإنفاق، وضبط الاعتمادات، واستمرار تدفق النقد الأجنبي، يمكن لليبيا أن تنتقل من مرحلة إدارة الأزمة إلى بناء استقرار اقتصادي فعلي، أما في حال استمرار الإنفاق المزدوج والطلب غير المنضبط، فإن أي تحسن في سعر الصرف سيبقى مؤقتا مهما كان حجمه"، مؤكدا أن "الدولار النقدي قد يهدئ السوق، لكن الانضباط المالي هو الذي يثبت استقرارها".
دوافع حقيقية
فيما يرى الأكاديمي الليبي، محمد درميش، أن "الدوافع الحقيقية وراء استئناف بيع الدولار نقدًا في البنوك الليبية، بعد توقفه نتيجة الاعتداء على شحنات موجهة إلى فرع المصرف المركزي في سرت، تعود إلى سعي المصرف المركزي لاعتماد آليات متعددة لتوزيع العملة الأجنبية".
ويشير في تصريحات لـ "سبوتنيك" إلى أن "من بين هذه الآليات إتاحة الحصول على الدولار عبر قنوات مختلفة، مثل شركات التحويل المالي، وبطاقات الأغراض الشخصية، أو الاستلام النقدي المباشر، بما يمنح المواطن حرية اختيار الوسيلة الأنسب له".
ويؤكد درميش أنه "لا يتوقع أن يكون لهذا القرار تأثير ملموس على سعر الصرف إلا بشكل محدود ولفترة زمنية قصيرة"، مرجعا ذلك إلى "ضعف حجم المعروض من النقد الأجنبي وقلة المخصصات"، مضيفا أنه "في حال زيادة هذه المخصصات لتصل إلى ما بين 10 آلاف و15 ألف دولار سنويا للفرد، فمن الممكن أن ينعكس ذلك بانخفاض تدريجي في أسعار السوق الموازية، خاصة إذا تزامن مع مراجعة سعر الصرف الرسمي".
وفي هذا السياق، يرى أن "سعر الدولار في المصارف لا يزال مرتفعا نسبيا، إلى جانب محدودية سقف المخصصات، ما يقلل من فاعلية هذه الإجراءات"، وهنا يقترح "ضرورة إعادة النظر في سعر الصرف ليكون في حدود 5 دنانير كحد أدنى لتخفيف الأثر على المواطن، بالتوازي مع رفع سقف المخصصات، بما يضمن تأثيرا مباشرا على السوق، شريطة الاستمرارية وتحقيق العدالة في التوزيع".
كما ينتقد درميش القيود المفروضة من قبل البنوك على عمليات السحب والإيداع، معتبرا أنها "أحد الأسباب الرئيسية في تفاقم أزمة شح السيولة، إلى جانب عدم استفادة المصارف بشكل كاف من عمليات بيع الدولار والاعتمادات"، ويشير إلى أن "تحديد نسبة صرف نقدي لا تتجاوز ربع القيمة في بعض العمليات يحدّ من قدرة هذه الإجراءات على تخفيف معاناة المواطنين".
وخلص الأكاديمي الليبي، محمد درميش، إلى أن "هذه الخطوة، رغم أهميتها، تبقى حلا مؤقتا، ما لم تُرفق بإصلاحات أوسع تشمل إعادة تقييم سعر الصرف، وزيادة المخصصات، وضمان العدالة في التوزيع"، محذرا من أن "غياب هذه المعالجات قد يؤدي إلى تكرار الأخطاء السابقة، ما لم يبادر المصرف المركزي إلى مراجعة سياساته وإجراء تغييرات جوهرية في نهجه".