وتؤكد ناشطات أن المرأة الليبية، رغم سنوات الصراع والانقسام، ما تزال تسعى إلى انتزاع مساحة أوسع للمشاركة في صناعة القرار والدفاع عن حقوقها، في وقت تتصاعد فيه الدعوات لإقرار تشريعات أكثر دعما للمرأة وتوفير بيئة تضمن مشاركتها الفاعلة في بناء الدولة.
تحديات حقيقية
قالت رئيس المنظمة الليبية لحقوق الإنسان، حنان الشريف، إن "المرأة الليبية ما تزال تواجه تحديات حقيقية ومعقدة في الوصول إلى مواقع صنع القرار، رغم ما تحقق من حضور نسائي خلال السنوات الأخيرة"، مشيرة إلى أن "استمرار الانقسام السياسي وضعف مؤسسات الدولة جعلا مشاركة المرأة أحيانا مرتبطة بالتوازنات السياسية أكثر من ارتباطها بالكفاءة والخبرة".
وأضافت الشريف في تصريحات لـ"سبوتنيك"، من خلال عملها ومتابعتها المباشرة للمشهد الحقوقي والسياسي، أن "بعض المسارات الدولية المتعلقة بالمرأة افتقدت إلى الشفافية والتعددية، خاصة فيما يتعلق بمعايير الاختيار والتمثيل، وهو ما أضعف ثقة العديد من النساء الليبيات في بعض المبادرات المطروحة".
وأوضحت أن "البيان والمذكرة الصادرين عن تجمّع نسائي من مختلف التوجهات والمسارات أكدا أن من أخطر التحديات الحالية محاولة اختزال تمثيل المرأة الليبية في مجموعات محددة أو كيانات يتم تقديمها باعتبارها الصوت الوحيد للنساء، في حين أن الواقع الليبي أكثر تنوعًا واتساعًا".
وأكدت أن "المرأة الليبية تواجه كذلك عدة تحديات أخرى، من بينها ضعف الضمانات القانونية الداعمة للمشاركة السياسية، والتحديات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، ومحدودية الفرص المتكافئة داخل بعض المؤسسات، إضافة إلى محاولات توظيف ملف المرأة ضمن ترتيبات سياسية أو دولية لا تعكس دائمًا الأولويات الوطنية الليبية".
وشددت الشريف على أن "التحدي الحقيقي اليوم لا يتمثل فقط في زيادة عدد النساء في المشهد العام، بل في ضمان مشاركة نسائية مستقلة وحقيقية قادرة على التأثير وصناعة القرار الوطني بعيدًا عن الوصاية أو التوظيف السياسي".
وفيما يتعلق بالمبادرات المحلية والدولية، قالت الشريف إنه "لا يمكن إنكار أن هناك مبادرات ساهمت في رفع مستوى حضور المرأة الليبية عبر برامج التدريب والتمكين وفتح مساحات للنقاش والمشاركة العامة، الأمر الذي ساعد في بروز كفاءات نسائية في مجالات السياسة والإدارة والعمل الحقوقي والأمني والمجتمعي".
إلا أنها أكدت أن "نجاح أي مبادرة يجب أن يُقاس بمدى احترامها للشفافية والسيادة الوطنية والتعددية الحقيقية، وليس فقط بحجم الأنشطة أو التمويل"، لافتة إلى أن "المنظمة الليبية لحقوق الإنسان سجلت ملاحظات جدية على بعض الممارسات المرتبطة "بالحوار المٌهيكل"(منصة وطنية جامعة تتيح لشرائح واسعة من الليبيين الإسهام في صياغة برنامج العمل الوطني ورسم ملامح المرحلة المقبلة)، خاصة فيما يتعلق بمحاولات إنشاء هياكل أو تجمعات قد تستمر خارج إطار التوافق الوطني".
وأضافت أن "المبادرات الحقيقية هي التي تدعم المرأة داخل مؤسسات الدولة الليبية، وتعزز المشاركة العادلة دون إقصاء أو انتقائية، وتحترم استقلالية الحركة النسائية الليبية، وتساهم في بناء الاستقرار الوطني بدل صناعة كيانات موازية".
وأكدت حنان الشريف أن "استدامة الحراك النسائي في ليبيا تتطلب الانتقال من مرحلة "الدعم المؤقت" إلى مرحلة "الشراكة الوطنية الحقيقية"، عبر تعزيز الشفافية داخل جميع المبادرات والمسارات المتعلقة بالمرأة، ووضع معايير واضحة وعادلة للتمثيل والمشاركة، ودعم الكفاءات النسائية الحقيقية في مختلف المناطق الليبية، وربط تمكين المرأة بمشروع الدولة وسيادة القانون والاستقرار الوطني".
كما شددت على "ضرورة منع احتكار تمثيل المرأة الليبية من قبل أي جهة أو مجموعة محددة، وضمان الرقابة المجتمعية والحقوقية على البرامج والمبادرات الدولية المتعلقة بالمرأة"، مؤكدة أن "المرأة الليبية أثبتت قدرتها على الحضور والعمل والقيادة في المؤسسات الرسمية والمجتمع المدني والمجالات الأمنية والحقوقية، إلا أن المطلوب اليوم هو توفير بيئة عادلة وآمنة تضمن تحويل هذا الحضور إلى تأثير حقيقي ومستدام".
وأكدت أن "حماية حقوق المرأة الليبية لا تكون عبر فرض نماذج خارجية أو صناعة هياكل فوقية، بل من خلال دعم مشروع وطني جامع يحترم السيادة الليبية ويؤمن بأن المرأة شريك أساسي في بناء الدولة وصناعة السلام والاستقرار".
صعوبات
اعتبرت رئيس ادارة المنظمة الحقوقية للشفافية والإصلاح، الحقوقية مريم الحوينط، أن "من أبرز التحديات التي تواجه المرأة الليبية استمرار التمييز المجتمعي تجاه النساء في تولي المناصب العليا، إلى جانب ضعف أدوات الحماية داخل بيئة العمل، وانتشار ظاهرة التنمر الإلكتروني، فضلا عن محدودية الحماية الأمنية والاجتماعية للنساء المعنفات، وهو ما يدفع العديد من النساء إلى التراجع عن خوض مواقع صنع القرار أو الاستمرار فيها".
وأضافت في تصريحات لـ"سبوتنيك" أن "المرأة الليبية ما تزال تواجه صعوبات مرتبطة بالنظرة التقليدية لدورها داخل المجتمع، الأمر الذي يحد من فرص مشاركتها الفاعلة في الحياة السياسية والإدارية، رغم ما تمتلكه من كفاءات وخبرات في مختلف المجالات".
وأكدت أن "المبادرات المحلية لعبت دورًا مهما خلال السنوات الماضية، باعتبارها داعمًا أساسيًا لزيادة نسب تمثيل النساء داخل المجالس التشريعية والبلدية وفي الحكومات المتعاقبة، بالإضافة إلى دعم مشاريع ريادة الأعمال النسائية التي ساهمت في تعزيز حضور المرأة داخل سوق العمل وتمكينها اقتصاديا".
وأوضحت أن "الدعم المقدَّم للمبادرات المجتمعية والحقوقية كان له دور فاعل في تعزيز مشاركة المرأة وتوليها للمناصب العامة، إلا أن هذا الدور شهد تراجعًا خلال الفترة الأخيرة، الأمر الذي انعكس بشكل واضح على حجم تواجد النساء في مواقع صنع القرار".
وشددت الحوينط على "ضرورة معالجة التحديات التي ساهمت في خلق بيئة أمنية ومجتمعية غير داعمة للنساء"، مؤكدة "أهمية تعزيز التعاون بين المؤسسات الحكومية المحلية ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات الحقوقية، بهدف إيجاد حلول عملية للمشكلات التي تواجه المرأة الليبية وخلق بيئة أكثر أمانًا ودعمًا لمشاركتها في مختلف المجالات".
كما دعت إلى "تطوير آليات الحماية القانونية والاجتماعية للنساء، وتعزيز برامج التوعية المجتمعية لمواجهة خطاب الكراهية والتنمر والإقصاء، بما يضمن مشاركة نسائية أكثر فاعلية واستدامة في الحياة العامة وصناعة القرار داخل ليبيا".