نزع السلاح في العراق... بين طموح الدولة وتعقيدات الواقع السياسي

يُعدّ ملف نزع السلاح أو حصره بيد الدولة من أكثر القضايا حساسية وتعقيداً في الدول التي شهدت نزاعات أو تعدد في التشكيلات المسلحة، إذ يرتبط بشكل مباشر بمفهوم سيادة القانون واستقرار الدولة، وغالباً ما يُطرح هذا الملف ضمن مشاريع الإصلاح الأمني والسياسي، بهدف إنهاء حالة التعدد في مراكز القوة، وتعزيز دور المؤسسات الرسمية في فرض الأمن.
Sputnik
وفي الوقت الذي ينظر فيه البعض إلى نزع السلاح كخطوة ضرورية لبناء دولة مستقرة وقوية، يرى آخرون أن نجاح هذه العملية يتطلب بيئة سياسية متوازنة وضمانات أمنية شاملة، تحول دون خلق فراغ أمني أو عودة التهديدات. وبين هذا وذاك، يبقى الملف واحداً من أبرز التحديات التي تواجه الحكومات في مراحل إعادة بناء الدولة وترسيخ الاستقرار.

حصر السلاح بيد الدولة بحاجة لخطوات حقيقية

في غضون ذلك، أكد المتابع في الشأن المحلي، خالد والي، أن ملف حصر السلاح بيد الدولة ظل يُطرح كشعار رئيسي مع كل حكومة جديدة، إلا أن التنفيذ العملي بقي محدوداً ولم يتجاوز في كثير من الأحيان إطار التصريحات السياسية.

وقال والي، في حديث لـ "سبوتنيك"، إن الحكومة العراقية الحالية قد تواجه ظروفاً مختلفة عن الدورات السابقة، في ظل وجود متغيرات سياسية وأمنية، إلى جانب دعم بعض القوى والفصائل المسلحة لبرنامج رئيس الوزراء الحالي، أو مشاركتها في العملية السياسية والتصويتية، ما قد يهيئ فرصة أكبر لاتخاذ قرارات "أكثر جدية وفاعلية" بهذا الملف.

وأشار إلى أن نجاح أي خطوة بهذا الاتجاه يتطلب توافقاً سياسياً واسعاً وإجراءات عملية واضحة تضمن فرض سلطة الدولة على جميع التشكيلات المسلحة ضمن الأطر القانونية والدستورية.

دمج فصائل "الحشد" بالمؤسسات الأمنية بات أكثر واقعية

في المقابل، أكد المستشار الحكومي بشير الساعدي، أن المرحلة الحالية قد تكون الأنسب للمضي بخطوات تنظيمية تهدف إلى دمج بعض تشكيلات "الحشد الشعبي" ضمن المؤسسات الأمنية الرسمية، بما يشمل قوات الأمن الداخلي وحرس الحدود والتشكيلات الاتحادية الأخرى.

وأوضح الساعدي، خلال حديثه لـ "سبوتنيك"، أن الفصائل المسلحة كانت تبرر في السابق استمرار وجودها المستقل بالمخاوف من عودة الإرهاب، إلا أن الأوضاع الأمنية شهدت تغيراً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، ما يفتح الباب أمام ترتيبات جديدة بضمانات داخلية وخارجية تمنع تكرار التهديدات السابقة.

تقارير: إسرائيل أنشأت قاعدة سرية بالعراق لدعم حربها على إيران
ووفقاً للمستشار العراقي، فإن معالجة هذا الملف تحتاج إلى تفاهمات سياسية وأمنية دقيقة، فضلاً عن حوارات على مستويات عالية تضمن تحقيق مصلحة العراق والحفاظ على الاستقرار الأمني والسياسي في البلاد.
في حين، تعهد رئيس الوزراء العراقي المكلف علي فالح الزيدي باتخاذ إجراءات تهدف إلى توحيد القرار الأمني وترسيخ سلطة المؤسسات الرسمية.
وخلال تقديمه البرنامج الوزاري إلى رئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي، الأسبوع الماضي، استعرض الزيدي رؤيته للسنوات الأربع المقبلة، والتي تركز على إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية وترسيخ مبدأ احتكار الدولة للسلاح، باعتباره أحد أبرز التحديات التي تواجه البلاد.
ووفقاً للبرنامج الحكومي، فإن حصر السلاح بيد الدولة إلى جانب تطوير قدرات الأجهزة الأمنية والاستخبارية والعسكرية، بما يعزز فرض القانون ويوسّع سلطة الدولة على كامل الأراضي العراقية كان له الأولوية، كما تضمّن التزامات بإعادة تنظيم علاقة الدولة بالفصائل المسلحة عبر تحديد مهام "الحشد الشعبي" ضمن الأطر القانونية والدستورية النافذة.

الفصائل ودور العلاقات الدولية

إلى ذلك، دعا الصحفي العراقي كامل الكعبي، خلال حديثه لـ "سبوتنيك"، إلى إنهاء وجود الفصائل المسلحة خارج إطار الدولة، أو دمجها بشكل كامل ضمن القوات الأمنية الرسمية، مشيراً إلى أن العراق يمر بمرحلة جديدة تتطلب إعادة تنظيم الملف الأمني بما ينسجم مع علاقاته الداخلية والخارجية.
واشنطن في المشهد... اتهامات بتأثير خارجي على تشكيل الحكومة العراقية
وقال الكعبي إن هذا التوجه يحظى بقبول لدى بعض الفصائل، بالتزامن مع ضغوط دولية متزايدة تُمارس على بغداد لمعالجة ملف السلاح خارج الدولة، لافتاً إلى أن الاتفاقات الأمنية، ومنها الاتفاقية الموقعة مع الولايات المتحدة، تفرض نقاشات أوسع بشأن مستقبل التشكيلات المسلحة.
وأشار إلى أن القرار النهائي يبقى عراقياً داخلياً، ويرتبط بقدرة القوى السياسية على الوصول إلى تفاهمات تضمن استقرار البلاد وتعزز هيبة الدولة ومؤسساتها الرسمية.
وجاءت تعهدات الزيدي، وسط استمرار الإدارة الأمريكية ممارسة ضغوط سياسية ودبلوماسية لدفع المشهد العراقي نحو تشكيل حكومة أكثر قدرة على بسط سلطة الدولة وتعزيز احتكار المؤسسات الرسمية للقرار الأمني.
وترى واشنطن، وفقاً للمراقبين، أن بقاء التشكيلات المسلحة خارج الأطر القانونية يكرّس حالة عدم الاستقرار، ويجعل العراق عرضة للتأثيرات والصراعات الإقليمية، الأمر الذي ينعكس سلباً على مسارات التنمية والاستقرارين السياسي والاقتصادي.
مناقشة