من الانقلابات الداخلية والإستدارات الإقليمية لجهة التعامل مع الدولة السورية ومع الحالة السورية كحالة جمعت كل التقاطعات الإقليمية والدولية ، وكان الحامل الأساس لكل مايجري هو الإنسحاب الأمريكي الذي تلته الكثير من الأحداث المتعاقبة جلها في الظاهر لصالح الدولة السورية وعلى طريق التسوية من عدة بوابات أكثرها إتساعاً الإنفتاح العربي على سورية وعودة الدول العربية عن موقفها تجاه مقاطعة سورية والبدء بشكل متسلسل بالتصريح عن عودة سفاراتها للعمل في دمشق.
الأكثر من ذلك هي حالة التمترس التركي الجديد خلف بعض التصريحات التي تعتبره جهة من جهات محاربة الإرهاب ، والملفت للنظر التحرك الأمريكي المغاير تماماً لكل سلوكيات وإستراتيجيات الولايات المتحدة طوال فترة الحرب على سورية، الغوص في عمق الأحداث يطول جداً وقد لا يصل إلى نهاية يمكن أن يفهم من كنهها شيء، المهم هنا البحث عن إجابات لتساؤلات كثيرة فرضت نفسها بقوة على الواقع السوري والمتغيرات الحاصلة حالياً وأهمها:
ما هي حقيقة هذا التسارع الحاصل وكيف يمكن أن يفهم جيوساسياً وحتى عسكرياً؟
لماذا عاد العرب الى دمشق بهذه السرعة وبشكل شبه مفاجئ بالرغم من عمليات التحضير إعلاميا في وقت قريب مضى؟
ما هي أهمية دخول الجيش الى منبج وهل يمكن أن تعتبر صفقة ومن هي أطرافها في حال صح التخمين؟
صيغة أستانا ومخرجاتها إلى أي حد تعتبر ناجعة في المرحلة القادمة أم أنها بحاجة إلى تعديل أو حتى إنقلاب ما يعاكس المتغيرات بالمعنى الإيجابي لا السلبي ؟
المتغيرات الحالية رغم هدوءها الميداني العام تنبىء بحدث ما فهل من وادر إشتباك تركي سوري وهل تم التحضير له فعلياً، وإن حصل كيف ستتعامل جميع الأطراف معه ؟
مالذي فعله الأمريكي بإنسحابه من سورية هل هرب فعلاً أم أن هناك مناورة أمريكية ماكرة تعتمد على إستراتيجية إعادة الانتشار والهجوم بأدوات وأساليب جديدة، من هي هذه الأدوات وماهو الأسلوب الأمريكي المتوقع لجهة التعامل مع ما طرأ؟
حول حقيقة التسارع الحاصل وكيف يمكن أن يفهم جيوساسياً وحتى عسكرياً يقول الباحث في القضايا الجيوسياسية الدكتور سومر صالح
"سلسلة من المتغيرات والأحداث شهدتها الساحة السورية بدءاً من زيارة الرئيس السوداني عمر البشير (16/12) إلى دمشق، والقرار الأمريكي بالإنسحاب من سورية (19/12) ومن ثم زيارة السيد اللواء علي المملوك إلى مصر (22/12) ومن ثم فتح السفارات (الإماراتية والبحرينية…) (27/12) وعودة العرب تدريجيا إلى دمشق لنصل إلى المتغير الأهم وهو دخول طلائع الجيش السوري منطقة منبج (28/12)، ومن الواضح أن هذه الأحداث هي مترابطة بصيغة ما، ولفهم هذا الترابط يجب أن نفهم خلفيات ودوافع الإنسحاب الأمريكي من سورية وبأي طريقة تم اتخاذ القرار؟ وهل هو نهائيّ؟
فمن المؤكد أن قرار الإنسحاب الأمريكي من سورية كان منسقاً بشكل كامل مع تركيا في الاتصال بين الرئيسين أردوغان وترامب (14/12/2018).
ولكن السؤال المطروح هل كان هذا الإنسحاب منسقاً بين واشنطن وحلفائها العرب أيضاً ؟
الجواب على هذا التساؤل يدخلنا في إفتراضين للتحليل ولكن مختلفين في النتائج في محاولة فهم ما جرى:
الإفتراض الأول: أنّ الإنسحاب الأمريكي كما كان منسقا بين واشنطن وتركيا هو منسق أيضا مع حلفاء واشنطن من العرب، في محاولة إحتواء أمريكي (إستباقي) لجموح تركيا في سعيها لملئ الفراغ الأمريكي، عبر إيجاد واشنطن داعمين إقليميين (للكرد)..، وفي ذات الوقت إحتواء ردة الفعل السورية وحلفاءها في سعيهم لإستعادة كامل منطقة شرق النهر، وبالتالي التنسيق الأميركي مع تركيا من جهة وحلفاء واشنطن من العرب من جهة مقابلة (سيحول واشنطن من طرف في الصراع بين حلفائها إلى طرف يدير الصراع بين حلفائها) وسيخرج الأميركي من معضلته شرق سورية بأقل الخسائر ولو كلفه ذلك "إعلان هزيمته" في سورية، وعندها لا تركيا قادرة على الهجوم لأنها ستواجه سورية وحلفاؤها في محور مكافحة الإرهاب إضافة إلى داعميها الجدد في وجه تركيا وهم الإمارات ومحورها، ولا الكرد سيكونون عرضة لحرب شرسة من تركيا، وبذات الوقت لن يكون الخيار العسكري مطروحا —راهناً- لدى محور مكافحة الإرهاب في تعاطيه مع مسألة شرق النهر، طالما هنالك أفق لتسوية سياسية على ما يبدو أنها ستكون برعاية إقليمية وروسية تضمن وحدة أراضي الدولة السورية وسيادتها ضمن (صيغ سياسية سيتفق عليها)..، ودائما ما كانت دمشق تسعى إليها (الحلول السياسية والمصالحة الوطنية) بإعتبارها أولوية دمشق وتعتبر الحل العسكري آخر الحلول على الإطلاق.
الإفتراض الثاني: أنّ الإنسحاب الأمريكي هو منسق مع تركيا وغير منسق مع حلفائها العرب، لأنّ الأولوية الأميركية تقتضي إستعادة تركيا إلى المشروع الأمريكي بأيّ ثمن، فمسألة تنامي الشراكة الروسية التركية تعد مسألة أمن قومي أميركي، فسارعت واشنطن إلى مشروع بيع (120) مقاتلة حديثة إلى تركيا وتوقيع عقد بقيمة(3.5) مليار دولار لبيع واشنطن منظومات باتريوت محدثة إلى تركيا، وإنسحبت من سورية لصالح أردوغان (ضمن صيغة متفق عليها بينهما)..، هذا الأمر يعني ضرباً للأمن القومي العربي لأنه يعيد الذاكرة الشرق أوسطية إلى مشروع أوباما / أردوغان في العام 2011 للإسلام السياسي، وقرار ترامب الأخير يفهم منه تبني للمشروع التركي الجديد (العثمانية-الطورانية) والذي حكما سيصل عروش الخليج سيما بعد دعم الأطراف العربية لمحاولة الإنقلاب التركية (2016) وخلافات أخرى، وهذا الإفتراض يتطلب دعما سريعاً من العرب لدمشق في مواجهة تركيا (خيار الضرورة القصوى العربي) لأن هزيمة الأتراك في سورية ستمنع وصول المشروع التركي اليهم، فتُفهم سلسلة المتغيرات الأخيرة التي جرت ضمن هذا الافتراض.
وبالتتابع في الإجابة على هذه التساؤلات المتلاحقة والمترابطة أردف الدكتور صالح:
حتى الآن حسم أحد هذين الإفتراضين يحتاج إلى مزيد من المعطيات في التحليل، ولكن جملة من المعطيات تشير مؤقتا إلى غلبة الافتراض الأول على الثاني في التحليل، معززة بما يلي:
أولاً: • إعطاء واشنطن مهلة مبدئية (60-120) يوما للإنسحاب، وهي مهلة طويلة لإنسحاب (2130) عنصرا أميركيا من سورية، وإحتمال أن تتراجع الإدارة عن مهلتها الزمنية وألا تحدد جدول زمني واضح بما يعني إستمرار الحال على ما هو. إضافة إلى كون الانسحاب تدرجي وبطيء.
ثانياً:عدم إنسحاب ما يسمى التحالف الدولي من منطقة الشرق السوري وبقائه إلى الآن، بما فيها المقاتلات الأميركية.
ثالثاً: كلام جيمس جيفري (4/12/2018) وهو منسق الساسة الأمريكية تجاه سورية بعد إجتماع ما يسمى "المجموعة المصغرة حول سورية" عن خيارات ترامب بتطبيق نموذج (المراقبة الشمالية) الذي طبق في العراق (1997-2003) بمعنى عدم تواجد بري والإحتفاظ بالتواجد الجوي فقط وهو أحد مظاهر عمليات "حظر الطيران".
رابعاً: زيارة الرئيس ترامب إلى قاعدة عين الأسد في محافظة الأنبار العراقية على حدود سورية وإطلاقه تصريحات استفزازية باستخدام هذه القاعدة وغيرها لضرب أهداف في سورية.
لجهة الإشارات التي تدل عليها هذه المعطيات وإحتمال وقوع تشابكات يقول الخبير صالح:
"تشير هذه المعطيات إلى منطقية الأفتراض الأول في التحليل وهو تنسيق ترامب لقرار الإنسحاب بين تركيا وحلفائه العرب كل على حدا بما يخدم المخطط الأميركي، وحال فشل هذا التنسيق الأمريكي المزدوج سيكون سيناريو (جيفري) على رأس خيارات ترامب.
القادم من المتغيرات سيحمل إضاءة لما جرى ورسماً لما هو قادم، فلا شيء ثابت في ظل تسارع المتغيرات وطالما أننا دخلنا مرحلة الفعل ورد الفعل في سلسلة طويلة من المتغيرات بين محاور، فكل الإحتمالات واردة، ولكن الثابت في كل ما يجري هو ثقة الشعب السوري بجيشه ورئيسه وحلفاؤهم في محور مكافحة الإرهاب".
التفاصيل في التسجيل الصوتي المرفق…
إعداد وتقديم نواف إبراهيم



