عبر بوابة الاقتصاد… هل تستأنف القاهرة علاقاتها مع دمشق رغم التباينات السياسية؟

© Photo / Spokesman for the Egyptian Presidency
تابعنا عبر
حصري
طرح توقيع مصر وسوريا مذكرتي تفاهم للتعاون في قطاع الطاقة، بهدف دعم احتياجات سوريا من الغاز والمنتجات البترولية، تساؤلات هامة حول إمكانية إعادة العلاقات لمسارها التاريخي.
ويهدف التعاون المرتقب إلى الاستثمار في البنية التحتية والخبرات الفنية المصرية في تطوير قطاع الطاقة السوري، بعد أن أصبحت القاهرة مركزا لوجيستيا إقليميا للطاقة، وكذلك توريد الغاز إلى سوريا لتوليد الكهرباء عبر استغلال شبكات نقل الغاز وسفن التغييز، وتلبية احتياجات سوريا من المنتجات البترولية،
من ناحيته قال الدكتور زياد أيوب عريش، الخبير الاقتصادي السوري: إن "توقيع مذكرتي التفاهم بين مصر وسورية لتوريد الغاز والمنتجات البترولية يعتبر خطوة اقتصادية مهمة تتجاوز البعد الفني إلى رسائل سياسية وإقليمية أوسع".
وأضاف في حديثه مع "سبوتنيك"، أن الخطوة تمهّد فعلاً لانفتاح تدريجي في حال استُكملت بإجراءات أخرى واستقرت البيئة السياسية في سورية. خاصة أن هذه الخطوة تفتح مجالا حقيقيا لاستعادة وزن العلاقات الاقتصادية بين البلدين (والذي كان السبّاقين في تسريع نفاذ اتفاقية منطقة التجارة العربية الحرة الغافتا)، حيث تمنح البلدين معاً ورقة إضافية في مشهد الطاقة الإقليمي العربي.
وتابع " من خلال المذكرتين (بين وزارتي النفط/الطاقة في البلدين) ستتزود سورية (بالمذكرة الاولى) بالغاز الطبيعي المخصّص أساساً لتوليد الكهرباء، من خلال بنية النقل المصرية بما فيها وحدات التسييل وشبكات النقل".
بينما تغطي المذكرة الثانية تزويد سورية بالمشتقات النفطية، إلى جانب تعاون فني لإعادة تأهيل جزء من البنية التحتية السورية في النفط والغاز بالاستفادة من الخبرة المصرية المتراكمة في هذا المجال.
ويرى عريش، أن الخطوة بداية انفتاح اقتصادي من القاهرة على دمشق، من خلال التوقيت والسياق، بما يوحي بأن الأمر ليس صفقة تجارية معزولة، بل جزء من توسيع منظومة التعاون الطاقوي الإقليمي بعد رفع القيود على التعامل مع سورية، كما ظهر سابقا في مسار خط الغاز العربي وصفقات الغاز إلى لبنان عبر الأراضي السورية.
وأشار إلى أن تحويل هذه الخطوة إلى "انفتاح اقتصادي" واسع يتوقف على ثلاثة عوامل أساسية:
استقرار المسار السياسي السوري، وضوح الإطار القانوني عمليا وتنفيذيا تجاه العقوبات الغربية.
قدرة البلدين على تحويل التفاهمات الطاقوية إلى شراكات أوسع في التجارة، النقل، والخدمات اللوجستية.
توسيع آفاق قوة العلاقات الاقتصادية بين مصر وسورية، حيث كما ذكرنا هناك أساس تاريخي قوي: قبل الحرب كانت سورية سوقاً مهمة للسلع المصرية وممراً لمشروعات الغاز والكهرباء (الخط العربي، الربط الكهربائي)، ومصر اليوم تطرح نفسها كمركز إقليمي لتسييل وتجارة الغاز يمكن أن يخدم احتياجات سورية ويستفيد من موقعها لعبور الطاقة نحو لبنان والعراق وربما تركيا لاحقاً.
وفي حال استقرار الإمدادات وبدأت مشاريع إعادة تأهيل البنية التحتية السورية بمساهمة فنية مصرية، يمكن أن تتوسع العلاقة إلى:
عقود مقاولات مصرية في محطات الكهرباء وخطوط النقل.
تعاون في تدريب الكوادر السورية في شركات ومؤسسات مصرية للطاقة.
إعادة تفعيل دور سورية كمعبر ضمن منظومة الغاز والكهرباء العربية، بما يعزز مصالح مصر نفسها كمركز تجميع وتوزيع للغاز شرق المتوسط.
وشدد على أن الأبعاد الإقليمية تمثّل جزءاً من إعادة هندسة خريطة الطاقة في المشرق العربي، من خلال ربط مصر (مركز تسييل وتجارة الغاز في شرق المتوسط) بسورية (ممر بري ولوجستي) مع تشابك ملفات لبنان والأردن والعراق في إمدادات الغاز والكهرباء.
وأشار إلى أن هذا النوع من الاتفاقيات يدعم منطق "التكامل العربي في الطاقة" بدلاً من الاعتماد الأحادي على أطراف خارجية، ويمنح القاهرة ودمشق هامشاً أفضل في التفاوض مع شركاء دوليين في ملفات الغاز والاستثمار.
كمل يرسل إشارة سياسية بأن ملف سورية يُعاد إدخاله تدريجياً في المنظومة الاقتصادية العربية عبر مشاريع عملية (غاز، مشتقات، بنية تحتية) لا عبر الشعارات، مما يشجع ربما دولاً عربية أخرى على توقيع ترتيبات مشابهة في الطاقة، النقل، والاستثمار، وفق عريش.
فيما أكد الخبير الاقتصادي المصري الدكتور هاني أبو الفتوح، أن تدفق الغاز من القاهرة إلى دمشق هو "ترميم لإنسانية المنطقة، وتحويل للطاقة من مجرد سلعة اقتصادية إلى جسر لاستعادة الاستقرار العربي".
وأضاف أبو الفتوح في حديثه مع "سبوتنيك"، أن المشهد في دمشق يتجاوز فكرة العجز الخدماتي؛ خاصة أن الكهرباء هناك لم تعد رفاهية، بل بحثاً عن استعادة دورة الحياة اليومية، خاصة في ظل بلوغ عجز الطاقة نسبة تقارب الـ 80%.
ووصف أبو الفتوح الاتفاقيات بأنها "شريان حياة" يتخطى الحواجز الاقتصادية التقليدية ليعيد ربط المصالح المشتركة ببعدها الإنساني العميق.
وأشار إلى أن إعادة إحياء "خط الغاز العربي" تمثل عودة حقيقية لمنطق الأمن القومي المشترك، حيث تتحول البنية التحتية للطاقة إلى أداة فاعلة لتمكين الأسر السورية من استعادة أمنها الغذائي والمعيشي.
ويرى أن تحويل هذه المذكرات إلى واقع ملموس يعد واجبا استراتيجيا وأخلاقيا، لافتاً إلى أن الاستقرار الذي ينشده صناع القرار، والفرص التي يتطلع إليها القطاع الخاص، تجد معناها الحقيقي والقيمي في تلك اللحظة التي يُضاء فيها منزل في دمشق بفضل تعاون انطلق من القاهرة.
وتراجعت صادرات مصر إلى سوريا بنهاية العام 2023 إلى 304 ملايين دولار، مقابل 362 مليون دولار في العام السابق له، بحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر، والتي أظهرت أيضا تراجع الواردات المصرية من سوريا إلى النصف خلال عام 2023، لتسجل 35 مليون دولار، مقابل 70 مليون دولار في 2022.
وفي النصف الأول من العام 2024، نمت الصادرات المصرية إلى سوريا 4% إلى 191 مليون دولار، مقابل 183 مليون دولار في الفترة نفسها من 2023، كما ارتفعت الواردات إلى 24 مليون دولار في الفترة المذكورة، مقارنة بنحو 18 مليون دولار في الفترة نفسها من 2023.

