على إيقاع "يناير".. الجنوب التونسي يحتفي بالسنة الأمازيغية الجديدة.. صور

© Sputnik . Mariam.Gadera
تابعنا عبر
حصري
في أقصى الجنوب الشرقي التونسي، حيث تتشابك الجبال الجرداء مع ذاكرة ضاربة في القدم، تعيش قرى تمزرط وتاوجوت وزراوة، التابعة لمعتمدية مطماطة من محافظة قابس، على وقع احتفالات رأس السنة الأمازيغية، أو ما يعرف بين الأهالي بـ"يناير".
هذه التظاهرة الثقافية تحولت من احتفال محلي بسيط إلى موعد سنوي يختزل علاقة الإنسان بالأرض، ويعيد الاعتبار لهوية ظلت طويلا حبيسة الجغرافيا والتهميش.
هناك حيث البيوت المحفورة في الصخر، ووجبة "الكسكسي" التي يتم إعدادها على مهل، وحيث تحفظ النساء الأغاني والحكايات كما تحفظ الحبوب في المخازن الطينية، لا يكون الاحتفال مجرد فرجة، بل فعل ذاكرة ومقاومة ناعمة للنسيان.

على إيقاع يناير ..الجنوب التونسي يحتفي بالسنة الأمازيغية الجديدة
© Sputnik . Mariam.Gadera
رأس السنة الأمازيغية، يوافق 13 يناير/ كانون الثاني من كل عام، ويتواصل الاحتفال به على مدار أيام، يمثل لدى سكان هذه القرى أكثر من تقويم فلاحي قديم، فهو مناسبة لاستحضار تاريخ جماعي سبق قيام الدول الحديثة، وتأكيد انتماء ثقافي تشكل عبر قرون من التفاعل مع الطبيعة القاسية للجبال والصحراء.
في هذه المناطق، لم تكن الأمازيغية مجرد لغة، بل نمط عيش كامل، من طريقة بناء المساكن، إلى أنماط الزراعة، واللباس التقليدي، والاحتفالات المرتبطة بدورة الفصول.
ورغم تعاقب الحضارات، من رومانية وعربية وعثمانية، حافظت هذه القرى على خصوصيتها، وإن كان ذلك بثمن العزلة والتهميش التنموي.

على إيقاع يناير ..الجنوب التونسي يحتفي بالسنة الأمازيغية الجديدة
© Sputnik . Mariam.Gadera
وفي السنوات الأخيرة، بدأت هذه الخصوصية تتحول من عبء إلى فرصة. فقد صار التراث المادي واللامادي للجنوب التونسي، وخاصة الأمازيغي منه، محورا لتظاهرات ثقافية تسعى إلى التعريف بالمنطقة وتنشيط السياحة البديلة، القائمة على التجربة والعيش المشترك لا على الاستهلاك السريع.
وتأتي احتفالات "يناير" هذا العام في سياق بحث الجهات المحلية والجمعيات الثقافية عن سبل جديدة لإنعاش الاقتصاد المحلي، واستقطاب الزوار، في ظل أزمة سياحية وطنية وتراجع الخيارات التقليدية.

على إيقاع يناير ..الجنوب التونسي يحتفي بالسنة الأمازيغية الجديدة
© Sputnik . Mariam.Gadera
احتفال ينعش ذاكرة الأمازيغ
إلى وقت قريب، كان إحياء رأس السنة الأمازيغية محظورا على التونسيين، غير أنه بعد الثورة كسرت المكونات الأمازيغية هذا الصمت وخرجت إلى الفضاء العام، محتفية برأس سنتها بكل حرية ودون رهبة، بعدما ظل الاحتفال به محصورا لسنوات داخل البيوت وبعيدا عن الأنظار.
وفي حديثه لـ "سبوتنيك"، قال رئيس جمعية إحياء قرية تاوجوت الأمازيغية أحمد القويرح: إن "الاحتفالات برأس السنة الأمازيغية انطلقت منذ الثاني عشر من جانفي واستمرت بنشاطات متعددة تجمع بين الموسيقى والرقصات التقليدية، ولقاءات حول التاريخ الأمازيغي، وعروض للحرف اليدوية والمأكولات المحلية".
ولفت إلى أن أسبوع "يناير" هذا العام في تاوجوت لم يكن مجرد احتفال رمزي، بل "برنامجا ثقافيا واجتماعيا متكاملا جذب العائلات المحلية والزوار من مناطق أخرى".
وأضاف القويرح أن تظاهرات هذا العام شهدت "إقبالا لافتا للشباب الذين شاركوا بفرق غنائية ورقصات تقليدية، ما يعكس أن الهوية الأمازيغية حاضرة في الوجدان الجماعي لأبناء المنطقة"، مشيرا إلى أن الفعاليات المصاحبة لم تقتصر على البيوت فقط بل امتدت إلى الساحات العامة ومسارح مفتوحة.

على إيقاع يناير ..الجنوب التونسي يحتفي بالسنة الأمازيغية الجديدة
© Sputnik . Mariam.Gadera
وأوضح لـ"سبوتنيك"، أن الاحتفالات هذا العام تميزت أيضا بـ"جلسات حوار ومناقشة حول دور الفولكلور في التنمية السياحية"، حيث تم تنظيم ورشات صغيرة تهدف إلى ربط الذاكرة الثقافية بإمكانات التنمية المحلية، خاصة في ظل تراجع السياحة التقليدية في تونس.
وقال القويرح: "نحن نعتبر يناير ليس مجرد مناسبة سنوية بل فرصة لنقل معرفتنا إلى الأجيال الشابة، وتعريف الزائر بما تبقى من لغتنا وتراثنا، من الأغاني إلى الأطباق التي تعدها العائلات بمناسبة هذا الموسم".
وتابع: "الاحتفال الممتد لأسبوع كامل سمح لنا بإشراك الحرفيين المحليين، وتنظيم معارض صغيرة للمنتوجات التقليدية التي تستحضر تاريخ القرية وتساهم في تثمينه".
وأضاف: "رؤية الجمعية كانت منذ البداية هي أن يكون يناير حدثا جامعا يؤكد وجودنا، ويؤدي إلى تعزيز الوعي بهويتنا الأمازيغية في قلب المجتمع التونسي".
بهذا الأسلوب الجمعي والاحتفالي، يرى القويرح أن الفعل الثقافي في تاوجوت مثل هذا العام "ردا عمليا على كل ما هو نسيان أو تهميش"، مؤكدا أن الاستمرار في هذه الممارسات "يعزز حضور الأمازيغية في المشهد الثقافي الوطني، ويمنح أهل القرية منصة للتعبير عن تراثهم بكل فخر".
من هم الأمازيغ؟
يعرف الباحث التونسي فتحي بن معمر، الأمازيغ بأنهم شعب قديم وعريق استقر في منطقة شمال أفريقيا منذ آلاف السنين، ويُنظر إليهم اليوم على أنهم السكان الأصليون لهذه البقعة الجغرافية، قبل وصول الفينيقيين والرومان والعرب.
هذه الرؤية تتقاطع مع التقديرات العلمية التي تجعل من شمال إفريقيا أرضا لأقدم مجموعات بشرية في المنطقة، ولها تأثيرات تاريخية ممتدة في الثقافة واللغة والهوية.

على إيقاع يناير ..الجنوب التونسي يحتفي بالسنة الأمازيغية الجديدة
© Sputnik . Mariam.Gadera
ويؤكد بن معمر في حديث لـ"سبوتنيك"، أن الهوية الأمازيغية في تونس ليست مجرد قصة لغة أو تقليد محلي، بل هي منظومة ثقافية كاملة تشمل التاريخ الجماعي، واللغة، والعادات، والممارسات الاجتماعية التي تشكلت عبر قرون طويلة من التفاعل مع محيط شمال إفريقيا.
وأضاف أن الحفاظ على هذه الهوية لا يعني رفض التعدد، بل الاعتراف بخصوصية تاريخية تسهم في ثراء المشهد الثقافي الوطني، خصوصا في مناطق مثل الجنوب التونسي حيث تبقى الممارسات التقليدية حية إلى اليوم.
من الجانب التاريخي، يشير ابن معمر، إلى أن الأمازيغ لعبوا أدوارا محورية في تاريخ المنطقة، فقد عرفوا قيام ممالك وحضارات قبل الفتح الإسلامي، وكان لهم تنظيمات اجتماعية قائمة على القيم الجماعية والزراعية، كما شاركوا في التفاعلات الكبرى عبر العصور، سواء مع الرومان أو خلال الفتوحات الإسلامية التي أدخلت عناصر جديدة من الثقافة والدين إلى المنطقة.
على المستوى اللغوي، يقول ابن معمر، على أن اللغة الأمازيغية ليست مجرد لهجة محلية، بل نظام لغوي متكامل يمتد عبر شمال أفريقيا وله جذور متأصلة في قبائل متعددة مثل الزنات والنفاسة وغيرهم، ولها نصوص وحكايات محكية تُظهر عمق الحضارة والموروث.
في نظرة إحصائية عامة، يشير الباحثون إلى أن الأمازيغ يتوزعون اليوم في عدة دول شمال إفريقية مثل المغرب والجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا، ويشكلون جزءا من النسيج الديموغرافي والثقافي لهذه المجتمعات، رغم أن مستويات استخدام اللغة والاعتراف الرسمي بها تختلف من بلد لآخر.
أين يتمركز أمازيغ تونس؟
لا توجد أرقام رسمية دقيقة حول عدد الأمازيغ في تونس حتى الآن، لكن تقديرات غير رسمية تشير إلى أن عددهم يناهز 500 ألف شخص، أي ما يعادل حوالي 5 في المئة من سكان البلاد، فيما تشير تقديرات أخرى إلى نحو مليون متحدث أو معرف بالأمازيغية، أي ما يقارب 10 في المئة من إجمالي السكان، وذلك استنادا إلى دراسات لغوية وثقافية محلية غير رسمية.
ويشير رئيس جمعية إحياء قرية تاوجوت الأمازيغية، أحمد القويرح، في تصريح لـ "سبوتنيك"، إلى أن العدد الرسمي للناطقين باللغة الأمازيغية في تونس محدود نسبيا، وذلك نتيجة عمليات تعريب واستيعاب ثقافي طويلة امتدت لقرون، لكن عدد الذين يعتبرون أنفسهم أمازيغ ثقافيا أو تاريخيا أكبر من ذلك، خاصة في المناطق التي حافظت على عاداتها ولغتها.
ويتوزع أمازيغ تونس في مناطق متعددة من البلاد، لكن التركيز الأكبر لهم في الجنوب الشرقي، وتحديدا في قرى تمزرط وتاوجوت وزراوة، إضافة إلى قرى جبلية وتاريخية مثل الدويرات وشنني ومناطق من جزيرة جربة، حيث لا تزال اللغة والتقاليد تُمارَس بشكل قوي.
وعلى الرغم من أن اللغة الأمازيغية لا تحتل مكانة رسمية في النظام التعليمي أو المؤسسات الحكومية في تونس، يؤكد القويرح أن الحركات الثقافية ومنظمات المجتمع المدني تدفع باتجاه تعزيز الاعتراف بها كلغة وتراث لفئة من السكان الأصليين، معتبرا أن ذلك يعكس التنوع الثقافي داخل المجتمع التونسي وعمق جذور الأمازيغ في تاريخ البلاد.
في المحصلة، يرى القويرح أن الحديث عن الأمازيغ في تونس اليوم لا يقتصر فقط على إحصاءات عددية، بل يتعلق بوجود ثقافي متفاعل ومتعدد الأبعاد، يشمل اللغة والتاريخ والممارسات الاجتماعية، ويظهر بوضوح في المناطق التي تعزز فعاليات مثل احتفالات رأس السنة الأمازيغية التراثية، ما يجعل من هذا التراث جزءا لا يتجزأ من المشهد الثقافي الوطني.

