في ظل ارتفاع الأسعار.. دعوات في تونس إلى مقاطعة شراء الأضاحي

© Sputnik . Mariam.Gadera
تابعنا عبر
حصري
تبدو أجواء الاستعداد لعيد الأضحى لعام 2026 مختلفة في تونس، في ظل الارتفاع الكبير لأسعار الأضاحي وتراجع القدرة الشرائية لفئات واسعة من المواطنين، ما جعل أسواق الدواب أقل حركية مقارنة بالسنوات الماضية، وفتح الباب أمام دعوات متزايدة لمقاطعة شراء الأضاحي، بعدما تجاوزت أسعار بعضها حاجز الألفي دينار.
وعادة ما يشكل عيد الأضحى مناسبة اجتماعية ودينية ذات رمزية خاصة لدى العائلات التونسية، إذ تترافق التحضيرات مع أجواء احتفالية يشارك فيها الأطفال والكبار، من شراء الأضحية إلى شراء مستلزمات العيد. غير أن الأزمة الاقتصادية المتواصلة، وارتفاع نسب التضخم، وتزايد الأعباء المعيشية، دفعت عددا متزايدا من الأسر إلى إعادة النظر في أولوياتها الاستهلاكية، وسط مخاوف من أن يتحول اقتناء الأضحية إلى عبء يفوق قدرة الطبقة المتوسطة والضعيفة.
وفي محاولة للتخفيف من الضغط الاجتماعي، أعلنت السلطات التونسية خلال الفترة الماضية عن زيادات في أجور موظفي القطاع الحكومي تراوحت بين 90 و120 دينارا، إلى جانب زيادة بنسبة 5% في أجور القطاع الخاص، فضلا عن تعديلات في الحد الأدنى للأجور ومعاشات المتقاعدين، إلا أن هذه الزيادات، وفق متابعين، لم تكن كافية لمجاراة الارتفاع المتواصل للأسعار.

أغنام في تونس مع قرب حلول عيد الأضحى، 21 مايو/ أيار 2026
© Sputnik . Mariam.Gadera
"العيد فقد بهجته".. مواطنون بين الرغبة والعجز
يقول العم سالم، وهو أب لستة أطفال، في تصريحات لـ"سبوتنيك"، إن عيد الأضحى هذا العام "ليس ككل السنوات"، بسبب الارتفاع الكبير لأسعار الأضاحي في الأسواق.
ويضيف: "كنت كل عام أشتري الأضحية بمساعدة زوجتي، لكنها أصبحت تعاني من مرض مزمن، وبالكاد نوفر اليوم كلفة الأدوية والعلاج".
ويتابع بحسرة: "أطفالي اعتادوا كل عام مرافقتنا لاختيار الخروف، وما زالوا إلى اليوم يسألونني متى سنجلب الأضحية إلى المنزل، عيد الأضحى يحتل مكانة خاصة في ثقافتنا، ومن الصعب علينا التخلي عن هذه الشعيرة".
ويؤكد العم سالم، أنه قد يضطر هذا العام إلى الانتظار حتى الساعات الأخيرة قبل العيد على أمل انخفاض الأسعار، قائلا: "إذا بقيت الأسعار على حالها فلن أتمكن من شراء الأضحية. سأنتظر الليلة الأخيرة في السوق، لعل الأسعار تنخفض قليلا وأتمكن من إدخال الفرحة إلى البيت".
ومع تصاعد الغلاء، انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي دعوات لمقاطعة شراء الأضاحي هذا العام، معتبرة أن الأسعار الحالية "غير منطقية" مقارنة بمداخيل التونسيين.
وكان النائب في البرلمان التونسي، محمد أمين الورغي، دعا بدوره إلى التفكير في مقاطعة عيد الأضحى لهذه السنة، قائلا في تصريح لـ"سبوتنيك": "المواطن لم يعد قادرا حتى على شراء الخضر، فكيف له أن يشتري أضحية في ظل هذا الارتفاع الكبير للأسعار؟".
كما دعا الحكومة إلى التعامل مع المقاطعة باعتبارها "خطوة استثنائية تراعي الوضع الاجتماعي وتحفظ كرامة التونسيين".
وباتت أسعار الأضاحي في تونس تعكس، وفق مراقبين، عمق الأزمة المعيشية التي تمر بها البلاد، خاصة مع تجاوز أسعار الخرفان المتوسطة مستوى الألفي دينار، في حين لا يتجاوز متوسط الأجور في عدد كبير من القطاعات 1500 دينار شهريا.

أغنام في تونس مع قرب حلول عيد الأضحى، 21 مايو/ أيار 2026
© Sputnik . Mariam.Gadera
الأسواق الموازية جزء من الأزمة
من جانبه، أكد رئيس النقابة الوطنية للفلاحين، الميداني الضاوي، في تصريحات لـ"سبوتنيك"، أن "القدرة الشرائية للتونسيين لم تعد تسمح باقتناء الأضاحي بالأسعار الحالية".
وأوضح أن "ارتفاع الأسعار يعود أساسا إلى النقص المسجل في أعداد الخرفان، والذي يتراوح بين 20 و25%"، على حد تقديره.
وأشار الضاوي إلى أن "الأسواق الموازية ساهمت بدورها في مزيد رفع الأسعار"، داعيا المواطنين إلى :شراء الأضاحي من الأسواق الأسبوعية المنظمة فقط".
وقال موضحا: "في الأسواق غير المنظمة يصبح المواطن فريسة لعمليات بيع فردية، يتحكم فيها أشخاص على دراية بخفايا السوق، في مقابل مستهلك لا يملك الخبرة الكافية في البيع والشراء".
وشدد رئيس نقابة الفلاحين التونسيين، على أن زيادة الأسعار مقارنة بالسنة الماضية بنحو 100 أو 150 دينارا يمكن اعتبارها "منطقية" بالنظر إلى ارتفاع كلفة الإنتاج، لكنه اعتبر أن بلوغ الزيادة حدود 500 دينار في الخروف الواحد "أمر غير مقبول".
ودعا الضاوي العائلات التونسية إلى "تحكيم العقل" والتوجه نحو شراء أضاحي في حدود الإمكانيات المتاحة، بأسعار تتراوح بين 900 و1500 دينار.

أغنام في تونس مع قرب حلول عيد الأضحى، 21 مايو/ أيار 2026
© Sputnik . Mariam.Gadera
غياب المعطيات الرسمية يربك التحكم في السوق
بدوره، اعتبر رئيس منظمة إرشاد المستهلك لطفي الرياحي، في تصريحات لـ"سبوتنيك"، أن الأسعار الحالية في مختلف نقاط البيع "مرتفعة بشكل مبالغ فيه"، رغم أن الحد الأدنى للأسعار لا يقل عن 900 دينار.
وأشار الرياحي، إلى أن "غياب الإحصائيات الرسمية الدقيقة حول أعداد القطيع الوطني يعقد عملية وضع إستراتيجية واضحة للتحكم في الأسعار وضبط السوق".
وطالب وزارة الفلاحة بـ"التدخل لتحديد الكلفة الحقيقية لإنتاج الخرفان لدى الفلاحين ومربي الأغنام، بما يسمح بتحديد هامش ربح معقول ومراقبة الأسعار بشكل أفضل".
كما دعا إلى "تشديد الرقابة على مسالك التوزيع والبيع، خاصة في الفضاءات العشوائية وغير المنظمة التي تشهد، وفق قوله، تجاوزات كبيرة في الأسعار".

أغنام في تونس مع قرب حلول عيد الأضحى، 21 مايو/ أيار 2026
© Sputnik . Mariam.Gadera
كلفة التربية تثقل المنتجين
وخلال جولة في أحد الأسواق الأسبوعية، يقول صابر، وهو فلاح من محافظة سليانة شمال غربي البلاد، إن الجميع يتحدث عن غلاء الأسعار، "لكن قليلين فقط من يدركون حجم الصعوبات التي يعيشها الفلاح منذ ولادة الخروف وحتى بيعه"، وفق قوله.
ويضيف: "نعاني من الارتفاع الكبير لأسعار الأعلاف، إضافة إلى تكاليف التلقيح والعناية البيطرية، وهي مصاريف تثقل كاهل المربي طوال العام".
ويرى صابر أن الفلاح التونسي بدوره "بحاجة إلى دعم حقيقي" حتى يتمكن من مواصلة الإنتاج والمحافظة على القطيع، محذرا من أن "استمرار ارتفاع كلفة التربية قد يؤدي مستقبلا إلى مزيد تراجع أعداد الأغنام وارتفاع الأسعار".
وتأتي أزمة أسعار الأضاحي في سياق اقتصادي صعب تعيشه تونس منذ سنوات، مع تواصل ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.

أغنام في تونس مع قرب حلول عيد الأضحى، 21 مايو/ أيار 2026
© Sputnik . Mariam.Gadera
وبحسب بيانات المعهد الوطني للإحصاء، بلغت نسبة التضخم عند الاستهلاك العائلي خلال شهر نيسان/ أبريل 2026 نحو 5.5%، مقابل 5.6% خلال الفترة نفسها من عام 2025.
كما كانت نسبة التضخم قد بلغت 4.8% خلال شهر يناير/ كانون الثاني 2026، قبل أن تستقر عند حدود 5% خلال شهري مارس/ آذار وأبريل.
ويرى متابعون أن استمرار الضغوط الاقتصادية قد يدفع مزيدا من العائلات التونسية هذا العام إلى الاكتفاء بالحد الأدنى من مستلزمات العيد، أو حتى التخلي عن شراء الأضحية لأول مرة، في مشهد يعكس حجم التحولات الاجتماعية التي فرضتها الأزمة الاقتصادية على تفاصيل الحياة اليومية للتونسيين.

