هل يكشف صوتك حالة دماغك؟... ذكاء اصطناعي روسي يرصد الإجابة

© Sputnik . Евгений Шиманович
تابعنا عبر
طور علماء في جامعة إيمانويل كانط البلطيقية الفيدرالية في كالينينغراد نظام ذكاء اصطناعي يحلل كلام الشخص لتحديد العلامات المرتبطة بالضعف الإدراكي، تفحص هذه التقنية ما يقوله الشخص وكيف يقوله، ما قد يوفر للأطباء أداة أسرع وأسهل استخدامًا للفحص الأولي.
لماذا يصعب اكتشاف التدهور الإدراكي المبكر؟
يشير الضعف الإدراكي إلى تراجع في الذاكرة، أو الانتباه، أو التفكير، أو الأداء الذهني، أو غيرها من القدرات الفكرية مقارنةً بالمستوى المعتاد للشخص.
في البداية، قد تشبه هذه التغيرات التعب العادي، أو الإجهاد، أو النسيان المرتبط بالتقدم في السن، ولكن في بعض الحالات، قد تكون علامات مبكرة للخرف أو اضطرابات أخرى تصيب الدماغ والجهاز العصبي.
لذا، يُعدّ الكشف المبكر عن التدهور المعرفي أمرًا بالغ الأهمية، إلا أن إجراءات التشخيص الحالية قد تتطلب فحوصات متخصصة، ووقتًا طويلًا، وموارد طبية باهظة،وقد يكون الوصول إلى هذه الخدمات محدودًا، لا سيما في المناطق التي تعاني من نقص في أطباء الأعصاب، أو الأطباء النفسيين، أو أخصائيي علم النفس العصبي، وبناءً على ذلك، يدرس الباحثون ما إذا كانت التغيرات الطفيفة في الكلام تُوفّر إشارة تحذيرية مبكرة وأكثر ملاءمة.
ما يكشفه الكلام عن الدماغ
يُعدّ الكلام نشاطًا بالغ التعقيد، إذ يتعيّن على الدماغ اختيار الكلمات المناسبة، وتنظيمها في جمل ذات معنى، والتحكم في التنفس وعضلات الصوت، والحفاظ على إيقاع ونبرة ومستوى صوت مناسبين.
عندما تبدأ الوظائف المعرفية بالتراجع، قد يتغير هذا التنسيق، فقد يتحدث الشخص ببطء أكبر، ويتوقف أكثر، ويجد صعوبة في تنظيم أفكاره، ويكرر العبارات، ويفقد البنية المنطقية للوصف، أو تظهر عليه تغيرات في النطق وثبات الصوت.
قد تكون بعض هذه الاختلافات دقيقة جدًا بحيث يصعب على المستمع تقييمها بدقة، ولكن يمكن للشبكة العصبية قياسها إحصائيًا ومقارنتها بالأنماط الموجودة لدى الأشخاص الذين سبق تقييمهم من قبل متخصصين طبيين.
كيف يعمل نموذج الذكاء الاصطناعي الجديد
ابتكر باحثو جامعة كالينينغراد شبكة عصبية متعددة الوسائط، ما يعني أن النظام يفحص أكثر من نوع من المعلومات في الوقت نفسه. يحلل جزء من النموذج المحتوى الدلالي للكلام - ما يقوله الشخص وكيفية تنظيم أفكاره. بينما يقيم جزء آخر الخصائص الصوتية، بما في ذلك النطق، والفواصل، وارتعاش الصوت، وتغيرات شدة الصوت، وسرعة الكلام، وغيرها من السمات الصوتية.
ووفقًا لجليب أوسادشي، الباحث المساعد في مركز البلطيق لتقنيات الأعصاب والذكاء الاصطناعي بالجامعة، يقيم النظام 88 خاصية صوتية مختلفة لصوت الشخص، ثم يقارن النموذج هذه القياسات بتسجيلات كلامية لمجموعتين: أشخاص يعانون من اضطرابات إدراكية مشخصة، ومشاركين أصحاء في مجموعة ضابطة.
وبناءً على الفروق ذات الدلالة الإحصائية، يُقدّر النموذج احتمالية ظهور علامات مرتبطة بالتدهور الإدراكي لدى المتحدث، وتُعرض النتيجة على مقياس من صفر إلى 100٪، ما يُمثل تقييم النموذج للمخاطر وليس تشخيصًا طبيًا مؤكدًا.
الذكاء الاصطناعي يُحلل ما هو أبعد من الإجابة المنطوقة
يطلب التقييم السريري الشائع من المريض النظر إلى صورة ووصف ما يراه، ثم يُقيّم الطبيب الاستجابة، مُركزًا على عوامل مثل المفردات، وبنية الجملة، والترابط، والذاكرة، والقدرة على تحديد العلاقات بين الأشياء.
يتبع نموذج الذكاء الاصطناعي مبدأً مشابهًا، لكنه يُضيف تحليلًا صوتيًا مُفصلًا يصعب إجراؤه يدويًا.
على سبيل المثال، قد يصف شخصان الصورة نفسها بكلمات مُتشابهة، لكن أحدهما قد يتوقف لفترات أطول، أو يتحدث بنبرة صوت غير ثابتة، أو يُعيد صياغة الجمل بشكل مُتكرر، أو يُظهر تغيرات غير عادية في الإيقاع وشدة الصوت. قد تُقدم هذه الأنماط أدلة إضافية حول كيفية معالجة الدماغ للكلام وإنتاجه.
والأهم من ذلك، أن الباحثين طوروا النظام دون استخدام نتائج الاختبارات المعرفية المُتخصصة التي يستخدمها الأطباء عادةً. بدلًا من ذلك، تم تدريب النموذج على التعرف على الأنماط داخل تسجيلات الكلام نفسها.
لماذا قد تكشف الشبكات العصبية عن التغيرات الطفيفة؟
قد يلاحظ البعض أحيانًا أن أحد الأقارب أو الزملاء "لا يتحدث كالمعتاد"، لكن هذه الانطباعات ذاتية ويصعب قياسها. تستطيع الشبكة العصبية تحليل مئات التغيرات الطفيفة باستمرار عبر العديد من التسجيلات. كما يمكنها حساب مدة التوقف، وتحديد تقلبات النبرة والجهارة، وتقييم انتظام الكلام، وتحديد أي التوليفات تتكرر بشكل أكبر لدى الأشخاص الذين يعانون من ضعف إدراكي.
لا يعني هذا أن الذكاء الاصطناعي يفهم المرض بنفس طريقة الطبيب، فهو يحدد الأنماط الإحصائية المرتبطة بالحالات التي تم تشخيصها سابقًا، ولذلك، تعتمد دقته بشكل كبير على جودة البيانات المستخدمة في التدريب وتنوعها وحجمها.
قد تؤثر الاختلافات في العمر، والتعليم، واللغة، واللهجة، والحالة النفسية، والسمع، والإرهاق، والحالات الطبية الموجودة مسبقًا على الكلام. يجب مراعاة هذه العوامل قبل استخدام هذه التقنية بأمان في البيئات السريرية.
أداة فحص وليست تشخيصًا آليًا
يؤكد الباحثون أن نظامهم ليس مصممًا لتشخيص الخرف، أو إصابات الدماغ، أو أي حالة مرضية أخرى بشكل مستقل. بدلًا من ذلك، يمكن أن يعمل كأداة فحص أولية ضمن نظام دعم القرار السريري،حيث يمكن للمريض تقديم تسجيل صوتي قصير، وبعد ذلك يُشير البرنامج إلى ما إذا كان من المستحسن إجراء فحص عصبي أو إدراكي إضافي.
ويمكن أن يساعد هذا النظام الأطباء في تحديد أولويات المرضى الذين يحتاجون إلى تقييم أكثر تفصيلًا، لكن القرار النهائي يبقى للمختصين الطبيين المؤهلين.
لا يُثبت ارتفاع مستوى الخطورة إصابة الشخص باضطراب عصبي، كما لا ينفي انخفاضه الإصابة به تمامًا. فالكلام قد يتأثر بالاكتئاب، والقلق، وقلة النوم، والأدوية، والسكتة الدماغية، وفقدان السمع، والعديد من الحالات الأخرى غير المرتبطة بالخرف.
ما الذي يجب فعله قبل الاستخدام السريري؟
تتمثل الخطوة الرئيسية التالية في جمع عدد أكبر بكثير من تسجيلات الكلام من المرضى في بيئات طبية حقيقية، يتطلب ذلك تعاونًا مباشرًا مع المستشفيات والعيادات، حيث يمكن للباحثين مقارنة تنبؤات النموذج بالفحوصات العصبية الرسمية والاختبارات المعرفية المعتمدة، كما ستساعد مجموعات البيانات الأكبر حجمًا في تحديد مدى موثوقية أداء النظام عبر مختلف الأعمار واللهجات والخلفيات التعليمية والحالات الطبية.
يأمل الباحثون في تطوير النموذج الحالي ليصبح منتجًا نهائيًا مناسبًا للاستخدام التشخيصي. ومع ذلك، سيتطلب ذلك التحقق السريري، وإجراءات تسجيل موحدة، وحماية بيانات الصوت الحساسة، وقواعد واضحة تحكم كيفية تفسير الأطباء للنتائج.
يُظهر هذا المشروع كيف يمكن أن يصبح الكلام العادي مؤشرًا حيويًا رقميًا مفيدًا لصحة الدماغ، وبدلاً من أن تحل هذه التقنية محل المتخصصين، فإنها قد تمنحهم طريقة إضافية وغير جراحية لتحديد المرضى الذين قد يستفيدون من فحص مبكر وأكثر تفصيلاً.



