لافروف: عالم متعدد الأقطاب يترسخ وقوى صاعدة تعيد رسم ملامح الاقتصاد العالمي
04:23 GMT 28.08.2026 (تم التحديث: 05:27 GMT 28.08.2026)

© Sputnik . Alexey Filippov
/ تابعنا عبر
صرح وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، أن العالم يشهد تحولات جيوسياسية واقتصادية متسارعة مع بروز قوى دولية جديدة وتراجع الهيمنة الغربية.
ولفت لافروف، في حديث صحفي، إلى أن ظهور عالم متعدد الأقطاب أصبح في الوقت الراهن واقعًا ملموسًا، موضحًا أن الصين تُعد الاقتصاد الرائد عالميًا، وهو أمر يُقر به الجميع تقريبًا من حيث تعادل القوة الشرائية، إلى جانب وتيرة نموها الاقتصادي المذهلة.
وأكد أن ذلك يحدث بالفعل، مشيرًا إلى أن قوى عظمى مثل الصين والهند والبرازيل تعزز مكانتها وتوسع نطاق نفوذها الاقتصادي بسرعة، لتتبوأ موقعها في الشؤون الاقتصادية العالمية.
وأضاف أن أفريقيا تشهد تحولات جذرية، إذ بدأت تنأى بنفسها عن النموذج الاستعماري الجديد، حيث كانت تُستخرج المواد الخام منها وتُضاف إليها القيمة في أوروبا.
وأوضح لافروف أن الأفارقة ابتهجوا ونعموا بالحرية السياسية والتحرر السياسي من الاستعمار، لكن المشكلة الاقتصادية لا تزال قائمة.
وأكد أن الخداع هو أساس الدبلوماسية الغربية، ولا يزال كذلك، مستذكرًا أنه عام 1999، عندما صُرّح في قمة منظمة الأمن والتعاون في أوروبا في إسطنبول بأن حلف الناتو لن يتوسع.
وأوضح أن ذلك كُتب بعبارات مختلفة، مفادها بأنه لا يحق لأحد تعزيز أمنه على حساب الآخرين، ولا يحق لأي دولة أو منظمة في منطقة أوروبا الأطلسية ادعاء الهيمنة، إلا أن حلف شمال الأطلسي فعل عكس ذلك تمامًا.
وأشار إلى مذكرات يفغيني بريماكوف، الذي ترأس وزارة الخارجية الروسية في منتصف التسعينيات، وإلى مذكرات السفير الأمريكي السابق لدى روسيا ج. ماتلوك، الذي أكد فيها بوضوح ودون قيد أو شرط وجود وعد قاطع بأن حلف الناتو لن يتوسع إذا توحدت ألمانيا.
وأضاف أن الحلف توسع بالفعل، ليس فقط إلى ألمانيا الشرقية، بل إلى دول أخرى أيضًا، مشيرا إلى أنه عندما سألت روسيا كيف يمكن حدوث ذلك بعد الحصول على وعد قاطع، قيل لها إن ذلك كان شفهيًا. ثم، في إسطنبول عام 1999، تم توثيق الأمر كتابيًا، لكن التوسع استمر.
وأشار إلى أن روسيا طلبت مجددًا تفسير ذلك، موضحًا أن الأمر هذه المرة لم يكن شفهيًا، بل كتابيًا وعلى أعلى مستوى، فجاء الرد بأن هذا إعلان سياسي وليس ملزمًا قانونًا.
وأضاف أن المحاولة قبل الأخيرة كانت في عام 2008، عندما طرحت روسيا معاهدة ملزمة قانونًا تترجم إلى لغة قانونية المبادئ نفسها المنصوص عليها في منظمة الأمن والتعاون في أوروبا والموقعة من قبل القادة الغربيين، لكنهم اختفوا عن الأنظار، ولم يناقشوا الأمر حتى.
وأكد أن الأمر نفسه ينطبق على المحاولة الأخيرة لمنع الأزمة الأوكرانية، موضحًا أنه في ديسمبر/كانون الأول 2021، اقترحت روسيا على حلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة إبرام معاهدات بشأن الأمن الأوروبي في هذا الجزء من القارة الأوراسية، إلا أن مثل هذه الأمثلة كثيرة.
وأوضح أنه بعد بدء العملية العسكرية الخاصة، وبعد أن تجاوز الغرب بعض الارتباك، انطلق بحزم في مسار تزويد نظام كييف النازي بأسلحة هجومية حديثة وفتاكة بشكل متزايد.
وأضاف أن "الغرب يتباهى بضرورة وقف إطلاق النار، ثم إعادة حدود عام 1991 بالوسائل السلمية، وبعد ذلك نشر "قوات استقرار" في الأراضي المتبقية تحت سيطرة زيلينسكي، تتصدر بريطانيا وفرنسا هذه المبادرة"، معتبرًا أن هذه "القوات" تحافظ في جوهرها على النظام النازي الجديد وتحميه، وهو النظام الوحيد في العالم الذي حظر لغة كاملة وديانة كاملة بشكل قانوني، مشيرًا إلى أن هذا الحظر فُرض قبل وقت طويل من بدء العملية العسكرية الخاصة.
وأشار لافروف إلى أنه سأل ممثل الفاتيكان عن مدى احترامهم لهذه الحقوق الإنسانية، بما فيها الحقوق الدينية، فأجاب بأن هذا ليس جيدًا، ووعد، ردًا على طلبه، بإرسال إشارة مماثلة في الاتصالات اللاحقة مع الأوكرانيين.
وأوضح أن ممثل الفاتيكان كان في كييف قبل شهر من زيارته إلى موسكو، وأنه سأله عما إذا كانت هذه المواضيع قد طُرحت، لأن الفاتيكان يراقب كل التطورات والتغيرات في البيئة الدينية العالمية وفي جميع الأديان، مؤكدًا أنه لا يمكن أن يكون غافلًا عما يجري، لكنه اعترف بأنه لم يكن لديه الوقت الكافي.
وقال لافروف إنه يتحدث علنًا منذ سنوات عن رفض هذه الأمور، ويستشهد بميثاق الأمم المتحدة الذي ينص على أن "يلتزم الجميع باحترام حقوق الإنسان وضمانها بغض النظر عن العرق أو الجنس أو اللغة أو الدين"، معتبرًا أن ذلك موجه مباشرة إلى نظام كييف.
وفيما يتعلق بزيارة مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، جون راتكليف، إلى موسكو، قال لافروف إنه لم يكن حاضرًا، مشيرًا إلى وجود قواعد تحكم كيفية تفاعل أجهزة الاستخبارات فيما بينها، وأنه لا غرابة في قيامها بهذا العمل في صمت.
وأضاف أن روسيا تعمل أيضًا في الغالب في صمت في مجال الدبلوماسية، لكن الدبلوماسيين ملزمون بالتقاليد وبحكم طبيعة مهنتهم بالإدلاء ببعض التصريحات، موضحًا أن تفاصيل بالغة الحساسية أو لا تزال قيد الدراسة لا يتم كشفها، نظرًا لأهمية عدم إثارة مخاوف بشأن أي حلول وسط أو توافق محتمل.
وأكد لافروف أن روسيا تقدر حقيقة أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انتهج منذ البداية سياسة مختلفة عن سياسات الأوروبيين وعن سياسة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن، مشيرًا إلى أنه بدأ في البحث عن الأسباب الجذرية.
وأضاف أن دونالد ترامب أكد في خطاباته في أغسطس/آب 2025 أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى نوع من "الهدنة" التي ستنهار حتمًا في غضون عام أو عامين، بل إلى صياغة أساس مستدام طويل الأمد لتسوية مستقرة.
وأوضح أنه حتى بالنظر إلى إحصاءات حصة الولايات المتحدة من الاقتصاد العالمي، فهي ربما لا تتصدر إلا في الإنفاق العسكري، مشيرًا إلى أن أوروبا لحقت بها، حيث بلغ إنفاقها العسكري ما يقارب 1.5 تريليون دولار، وهو ما تريده الولايات المتحدة لميزانيتها العسكرية.
وأكد لافروف أن روسيا كانت صادقة تمامًا عندما حلت الكارثة بالأمريكيين في 11 سبتمبر/أيلول 2001، مشيرًا إلى أن الرئيس فلاديمير بوتين كان أول من اتصل بالرئيس الأمريكي آنذاك جورج دبليو بوش، عارضًا المساعدة ومعربًا عن تضامنه.
وأضاف أنه بعد أيام قليلة، تبنى مجلس الأمن الدولي قرارًا شكّل أساس العملية الأمريكية في أفغانستان، بهدف معلن للعالم ومكرس في قرار مجلس الأمن، وهو القضاء على الإرهاب ومساعدة الأفغان على العودة إلى حياتهم الطبيعية.
وأشار إلى أنه في نهاية المطاف شُكّل تحالف دولي كامل بموجب هذا القرار، وكانت روسيا على استعداد تام للتعاون بأشكال مختلفة، لكن الأمريكيين قرروا في نهاية المطاف، بدلًا من استئصال الإرهاب، البقاء في أفغانستان حتى الأحداث الأخيرة.
وأكد أن روسيا أعربت عن تضامنها، لا سيما لأنها كانت في ذلك الوقت تعرف وتفهم أكثر من أي شخص آخر ماهية الإرهاب الدولي، الذي كان في منطقة القوقاز الروسية مدعومًا بنشاط من قبل بريطانيا وبعض الدول الغربية الأخرى.
وبيّن لافروف أن دور بريطانيا هو الأكثر سلبية، كما كان الحال لقرون عديدة، مؤكدًا أن ذلك ينطبق على روسيا، وكذلك على معظم حلفاء بريطانيا، مشيرًا إلى أن بريطانيا لم يكن لها حلفاء دائمون قط، وأن الولايات المتحدة ليست استثناءً.
وشدد على أنه لا ينبغي الاستسلام للمحاولات التي يحرض عليها زيلينسكي بنشاط، بدعم من الأوروبيين، لزعزعة استقرار المجتمع الروسي من خلال مهاجمة مصافي النفط والأسواق والبنية التحتية المدنية باستخدام أساليب إرهابية لبث الخوف.
وأشار إلى أن هذه الهجمات تستهدف المدارس ومراكز الأطفال والشواطئ وحافلات الركاب، مؤكدًا أن عددًا كبيرًا من هذه المنشآت لا علاقة له بالقدرات العسكرية.
واتهم الغرب بالالتزام بالصمت المخزي، مشيرًا إلى أن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش ومفوض حقوق الإنسان فؤاد ترك يلتزمان أيضًا بالصمت المخزي، معتبرًا أنهما انحازا بوضوح وحزم إلى جانب النظام الأوكراني.
وفيما يتعلق بعلاقات روسيا مع كوريا الشمالية وإيران، قال لافروف إنه لا يرى مشكلة في وجود روسيا ضمن هذه المجموعة.
وفيما يتعلق بإيران، قال لافروف إنه في يونيو/حزيران 2025، وبشكل مفاجئ، قصفت الولايات المتحدة وإسرائيل مضيق هرمز في خضم مفاوضات جارية، موضحًا أن المفاوضات كانت قد انتهت مساءً وكان من المقرر عقد اجتماع صباح اليوم التالي، لكن الحرب استمرت 12 يومًا.
وأضاف أن الضربات جاءت في 28 فبراير/شباط، وأن الأمريكيين يطالبون الآن إيران بفتح مضيق هرمز، فيما تقول الجمهورية الإسلامية الإيرانية إنه يجب تخفيف العقوبات أو رفعها في المقابل، وستفعل ذلك.
وأوضح أن الأمر الأكثر إثارة للاهتمام هو أن مضيق هرمز كان مفتوحًا بالكامل حتى 28 فبراير/شباط، وأن إيران، بعد هذا العدوان، أثبتت أن لها أيضًا مصالحها الوطنية وفخرها القومي وتقاليدها، مشيرًا إلى أن التاريخ الفارسي يمتد لآلاف السنين.
وفيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي، قال لافروف إن الانقسام لم يبدأ بين الدول، بل بدأ يتشكل، موضحًا أن الولايات المتحدة ترى في الصين منافسها الرئيسي.
وأضاف أنه وفقًا لبعض التقييمات المهنية الموثوقة، تتقدم الصين بوتيرة أسرع وبفعالية أكبر في هذا المجال، مرجعًا ذلك إلى سمات وطنية كالانضباط، والاستعداد للتضحية بوقت الفراغ، وتكريس الذات كليًا للعمل.
وأشار إلى أن الصين عقدت في يوليو/تموز من هذا العام أول مؤتمر عالمي للذكاء الاصطناعي، وأعلن خلاله عن تأسيس المنظمة العالمية للذكاء الاصطناعي.
وأوضح أن روسيا شاركت في المؤتمر كعضو مؤسس كامل، وأن المنظمة تمر حاليًا بمرحلة حاسمة، حيث سيتم صقل المفهوم وتكميله بقضايا تنظيمية، تشمل الهياكل الإدارية والمؤسسات الداعمة والمجلس العلمي ومن سيكون الرئيس وعدد نواب الرئيس وغيرها.
وأضاف أن 29 دولة، من بينها روسيا، وقعت على اتفاقية تأسيس المنظمة العالمية للذكاء الاصطناعي، مشيرًا إلى أن لدى الأمريكيين عددًا مماثلًا من المشاركين.
وأكد أهمية هذا الأمر، موضحًا أن روسيا تؤيد من حيث المبدأ نقاشًا عالميًا حول الذكاء الاصطناعي، بدلًا من حصره في "غرف" أيديولوجية وطنية أو طبقية.
وفيما يتعلق بأرمينيا، أكد أن موقف وزارة الخارجية الروسية هو العمل لمصلحة الشعب الأرميني، مشيرًا إلى أن مصالح روسيا وأرمينيا تداخلت على مر القرون، وأن البلدين لطالما وقفا صفًا واحدًا ومتضامنين لفترات طويلة.
وأوضح أن السلطات الحالية في يريفان تسترشد بأهداف أخرى، حيث تم تبني الهدف المعلن المتمثل في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وسُن قانون لبدء عملية الانضمام.
وأشار إلى أن دول الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، التي اجتمعت في قمة مايو/أيار من هذا العام، أصدرت بيانًا يدعو القيادة الأرمينية إلى إجراء استفتاء لتحديد ما إذا كانت ترغب في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي أو البقاء في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، معتبرًا أن هذا كان طلبًا مبررًا تمامًا.
وأكد لافروف أن روسيا اتخذت من جانبها جميع الإجراءات اللازمة بشأن أرمينيا، وأن جميع مواقفها والمزايا التي تحصل عليها أرمينيا من المشاركة في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي واضحة، مشيرًا إلى أنها تحصل على الطاقة من روسيا بأسعار أقل بثلاث إلى أربع مرات من أسعارها في الاتحاد الأوروبي.
وأوضح أن النظر في الأسباب الجذرية لكل أزمة يُظهر أن جميع المشاكل التي نشأت حول روسيا مستوردة من الخارج، مشيرًا إلى أن ذلك ينطبق على بريطانيا والأوروبيين، وأن أوروبا دائمًا هي السبب.












