ظاهرة نسيان الأمهات "مومنيزيا" حقيقية.. علماء يكشفون الدائرة العصبية الكامنة وراء "دماغ الحمل"

© Photo / unsplash/ Jernej Graj
تابعنا عبر
تكشف دراسة حديثة أن التعرض المستمر لمستويات عالية من هرمون الإستروجين يعيد تشكيل مراكز الذاكرة في الدماغ مؤقتا، مما يقدم أول تفسير بيولوجي لظاهرة تعاني منها ملايين النساء.
لعقود من الزمن، تشاركت الأمهات الحوامل في تجربة محبطة: الدخول إلى غرفة ثم نسيان سبب الدخول، أو وضع المفاتيح في غير مكانها، أو فقدان تسلسل الحديث. وغالباً ما كان يُنظر إلى هذه الحالة -التي توصف بـ "دماغ الحمل" أو "نسيان الأمهات"- باستخفاف، وتُعزى أسبابها إلى التعب أو التوتر أو الحرمان من النوم.
والآن، أثبتت الدراسة أن "نسيان الأمهات" ليس مجرد خرافة أو حكايات متناقلة، بل هو ظاهرة عصبية قابلة للقياس ولها سبب بيولوجي واضح وقابل للانعكاس.
"الماس الكهربائي" العصبي
باستخدام نماذج حيوانية، اكتشف فريق البحث أن المستويات العالية والمستمرة من الإستروجين، التي تميز فترة الحمل- تستهدف مستقبلات الإستروجين من النوع "ألفا" (alpha-estrogen receptors) الموجودة في منطقة ما تحت المهاد (الهايبوثالاموس) الجانبية. وتزخر هذه المنطقة من الدماغ بخلايا عصبية من نوع "غابا" (GABAergic neurons)؛ وهي خلايا تعمل عادةً بمثابة "مكابح" للدماغ، حيث ترسل إشارات مهدئة ومثبطة لمناطق أخرى.
ومع ذلك، كشفت الدراسة أن المستويات العالية من الإستروجين تثبط عمل هذه الخلايا العصبية، مما يدفعها للعمل بفرط نشاط. والأهم من ذلك، أن هذه الخلايا العصبية مفرطة النشاط في منطقة ما تحت المهاد تتصل مباشرة بالحُصين (hippocampus)، وهو المركز الرئيسي في الدماغ لتكوين الذاكرة. ويؤدي هذا النشاط المفرط فعلياً إلى تشويش الإشارات اللازمة لتشفير الذكريات واسترجاعها.
وأشار الدكتور تشنغ صن، المؤلف المشارك والأستاذ المشارك في كلية بايلور للطب، قائلاً: "عندما أزلنا جينياً مستقبلات الإستروجين من الخلايا العصبية (من نوع غابا) في منطقة ما تحت المهاد، اختفت تماماً مشاكل الذاكرة الناجمة عن كل من الإستروجين والحمل".
علاوة على ذلك، أدى استخدام تقنية "الكيموجينتيكس" (chemogenetics) لتحفيز هذا المسار المحدد الرابط بين ما تحت المهاد والحُصين بشكل اصطناعي إلى فقدان الذاكرة حتى لدى الكائنات التي تمتلك مستويات طبيعية من الإستروجين، مما يثبت أن هذه الدائرة المحددة هي المسؤول المباشر عن هذه الظاهرة.
حل لغز الإستروجين
كما تحل هذه النتائج لغزا طبيا استمر لعقود يتعلق بالعلاقة بين الإستروجين والوظائف الإدراكية. تاريخياً، اتسمت البيانات السريرية بالتناقض الشديد؛ ففي حين أن العلاج التعويضي بالهرمونات (HRT) بعد انقطاع الطمث غالباً ما يحسّن الوظائف الإدراكية، نجد أن المستويات المرتفعة من الإستروجين -سواء أثناء الحمل أو عند استخدام موانع الحمل الفموية- كثيراً ما تضعف الذاكرة، ويرى الباحثون أن الاختلاف يكمن في نمط التعرض للهرمون ومناطق الدماغ المحددة التي تتأثر به.
يوضح الدكتور يانلين هي، وهو باحث رئيسي وأستاذ مشارك في مركز "بنينغتون" للأبحاث الطبية الحيوية" (Pennington Biomedical Research Center)، قائلاً: "تدعم المستويات المنخفضة والدورية من الإستروجين الوظائف الإدراكية، وهذا أحد الأسباب التي تجعل العلاج الهرموني مفيداً للنساء بعد انقطاع الطمث".
لكن التعرض المطول لجرعات عالية يُفعّل آلية مختلفة تماماً تتمحور حول منطقة "المهاد" (تحت المهاد) في الدماغ، بدلاً من التأثير المباشر على "الحصين" (hippocampus). ويساعد هذا التمييز في التوفيق بين العديد من البيانات المتضاربة في هذا المجال".
التحقق من التجربة البشرية
لضمان أن تتجاوز النتائج حدود المختبر، قيّم فريق البحث أداء الذاكرة لدى نساء حوامل في مراحل مختلفة من الحمل؛ حيث رصدوا حالات محددة من ضعف الذاكرة المرتبط بمهام معينة، والتي ظهرت في المراحل المتأخرة من الحمل.
والأهم من ذلك، أن هذا التراجع الإدراكي كان مرتبطاً بشكل مباشر بمستويات الإستروجين في دم النساء، حتى عند أخذ عوامل أخرى في الاعتبار، مثل جودة النوم والصحة العامة.
وتؤكد البيانات البشرية بقوة أن الشبكة العصبية الهرمونية -التي تم تحديدها في النماذج الحيوانية- هي بالفعل المحرك لما يُعرف بـ "نسيان الأمومة" (momnesia) لدى البشر. كما تشير الدراسة، وهذه نقطة هامة، إلى أن هذه التغيرات لا تؤثر على المزاج أو الدافعية، مما يدل على تأثير إدراكي محدد للغاية وليس تراجعاً عاماً في الحالة الصحية أو النفسية.
حالة مؤقتة وحقيقية
بالنسبة لملايين النساء اللواتي ساورهن القلق من أن التغيرات التي تطرأ على أدمغتهن قد تكون علامة على تراجع إدراكي دائم، يقدم هذا البحث تأكيداً وطمأنة كبيرة؛ فهفوات الذاكرة هذه ليست خللاً، بل هي تكيف بيولوجي مؤقت.
وتختتم الدكتورة شيانغ هوا تشوانغ، وهي باحثة رئيسية في الدراسة، قائلة: "إن ظاهرة 'نسيان الأمومة' حقيقية، ولها أساس بيولوجي محدد، وهي حالة مؤقتة. ونأمل أن يساعد هذا العمل في إثبات صحة ما أبلغت عنه الكثير من النساء لسنوات، وأن يمنح العلماء هدفاً ملموساً للأبحاث المستقبلية".
من خلال تحديد نقطة الالتقاء الدقيقة بين علم الغدد الصماء وعلم الأعصاب، لا يكتفي هذا البحث بتأكيد صحة التجارب الواقعية للنساء الحوامل فحسب، بل يفتح أيضاً آفاقاً جديدة لفهم كيفية تأثير العلاجات والتقلبات الهرمونية على الدماغ البشري طوال مراحل الحياة.
المصدر: | بوابة روسيا العلمية |


