"ميتم تبنين" جنوبي لبنان... 50 فتاة بين الدمار والخوف والتمسك بالتعليم
09:27 GMT 12.10.2026 (تم التحديث: 11:47 GMT 12.10.2026)

© Sputnik . Abdul kader Al Bay
تابعنا عبر
حصري
على بعد مئات الأمتار من بلدة عيتا الجبل الواقعة ضمن نطاق "الخط الأصفر" جنوبي لبنان، يواصل ميتم تبنين رعاية نحو 40 إلى 50 فتاة، رغم تضرر مبناه بنسبة 75% جراء غارة إسرائيلية استهدفت مبنى مجاورا في الأول من تشرين الثاني/نوفمبر 2024، وفقاً لإدارة الميتم.
وبعد أن فرّقت الحرب الفتيات، أعادت الجمعية العاملية لرعاية اليتيم لمّ شملهن، فيما تحاول تأمين احتياجاتهن الأساسية ومواصلة تعليمهن في ظروف أمنية ومعيشية صعبة.
في أروقة المبنى المتضرر، تتجول شيرين سعد، التي نشأت في الميتم على مدى 14 عاماً، قبل أن تتابع دراستها الجامعية، تصعد إلى الطابق العلوي، حيث كانت غرف النوم، وتشير إلى الغرفة والسرير اللذين كانا جزءا من حياتها اليومية.
وتقول سعد لـ"سبوتنيك": "هذا كان طابق المنامة، حيث كنا ننام، وهذه الغرف جميعها كانت تنام فيها الفتيات، وهذه هي الغرفة التي كنت أنام فيها، لكن للأسف، كما ترى، تدمّر كل شيء، وهذا هو السرير الذي كنت أنام عليه، قُصف المبنى المقابل لنا، وتضرر الميتم بسبب الدمار، وحالياً انتقلنا إلى الطابق السفلي، حيث كانت غرف الجلوس".
وتضيف: "كل تفصيل هنا يحمل ذكريات جميلة، عندما نتجول بين الجدران والأبواب والأسرة، يذكرنا كل شيء بأمور جميلة عشناها منذ أن كنا أطفالاً وحتى ما قبل الحرب".

ميتم تبنين جنوبي لبنان... 50 فتاة بين الدمار والخوف والتمسك بالتعليم
© Sputnik . Abdul kader Al Bay
في الطابق السفلي، الذي تحوّل من غرف للجلوس إلى مساحة للنوم، تعيش قمر حسين حمد، التي أمضت في الميتم 16 عاما، وتدرس التمريض حاليا. وتقول حمد لـ"سبوتنيك": "مكثت هنا أكثر مما مكثت في منزلي مع أهلي وأقربائي، حاليا أصبحنا متأقلمات مع الوضع الذي نعيش فيه، لكنه يزعجنا أيضا، وخصوصا عندما نتذكر كيف كان الميتم، وكيف تغير كل شيء علينا، أصبحنا في طابق واحد لكل شيء".

ميتم تبنين جنوبي لبنان... 50 فتاة بين الدمار والخوف والتمسك بالتعليم
© Sputnik . Abdul kader Al Bay
وعن الخوف من استمرار العمليات العسكرية قرب المنطقة، تضيف: "نسمع الكثير من التفجيرات، والخوف موجود طبعا، هناك بعض الفتيات اللواتي يشعرن بالخوف، أما أنا فلا أخاف، لكن صوت الطائرة يرعبني، فأبتعد فورا عن النافذة، لقد اعتدنا أن تقع ضربة في أي لحظة".
وتختصر حمد أمنيتها، بالقول: "أتمنى لو يعود المكان كما كان سابقا، عندما كنت صغيرة، وكان عمري ثلاث سنوات، أما الآن فعمري 18 عاماً".

ميتم تبنين جنوبي لبنان... 50 فتاة بين الدمار والخوف والتمسك بالتعليم
© Sputnik . Abdul kader Al Bay
أضرار المبنى واستمرار الدراسة
بدوره، قال رئيس الجمعية العاملية لرعاية اليتيم في ميتم تبنين، علي سعد لـ"سبوتنيك"، إن "الميتم يضم بين 40 و50 فتاة يتيمة وفقيرة شرعا، ويوفر لهن الرعاية والتعليم من دون تحميلهن أو أولياء أمورهن أي كلفة".
ويضيف: "نؤمن لهن المساحة والتربية والتعليم، ليصبحن أمهات صالحات في المستقبل، ويتمكنّ من بناء أسرة كريمة، ونزودهن بالثقافة والعلم والمعرفة، بدأت قصتنا مع هذا الميتم عام 1978، واستمرت عبر أجيال من مجالس الإدارة".
ويوضح سعد أن "المبنى تضرر جراء غارة إسرائيلية استهدفت مبنى قريبا جدا منه في الأول من نوفمبر 2024، ما أدى، بحسب تقديره، إلى تدمير نحو 75% منه وجعله غير صالح للسكن".

ميتم تبنين جنوبي لبنان... 50 فتاة بين الدمار والخوف والتمسك بالتعليم
© Sputnik . Abdul kader Al Bay
ويتابع: "نعيش في ظروف صعبة، واستطعنا تأمين أربع غرف للفتيات، لكنها لا تحتوي على نوافذ، لذلك وضعنا ألواحاً خشبية ونايلونا لحمايتهن من البرد، ونحن لا نبعد سوى نحو 100 إلى 200 متر عن الخط الأصفر في عيتا الجبل، ونعيش الظروف نفسها التي يواجهها المواطنون في المناطق المحيطة". ورغم الأضرار، قررت إدارة الميتم مواصلة رعاية الفتيات للحفاظ على عامهن الدراسي، كما فعلت خلال عام 2024.
ويتابع سعد: "أصررنا على الاستمرار حتى لا يضيع العام الدراسي على الفتيات، بناتنا مجتهدات ومتفوقات، والعديد منهن أُعفين من الامتحانات الرسمية، ولدينا اليوم فتاتان في الجامعة، إحداهما في سنة التخرج والأخرى في السنة الأولى".
ويؤكد أن "الرعاية تشمل الطعام والشراب والتعليم والطبابة، من دون أي كلفة على الفتيات أو أولياء أمورهن"، مضيفاً: "نرعاهن بكل معنى الكلمة، ونحن الميتم الوحيد في لبنان الذي لا يتقاضى أي كلفة من أولياء الأمور أو من الجهات المسؤولة عن هؤلاء الأطفال".

ميتم تبنين جنوبي لبنان... 50 فتاة بين الدمار والخوف والتمسك بالتعليم
© Sputnik . Abdul kader Al Bay
مخاوف من تداعيات خروج "اليونيفيل"
إلى جانب الأضرار التي لحقت بالمبنى، يحذر سعد من "تداعيات خروج قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان "اليونيفيل"، مشيرًا إلى "دورها في دعم المؤسسات المحلية وتنفيذ مشاريع البنى التحتية في المنطقة".
ويقول: "نواجه مشكلة حتماً مع خروج اليونيفيل من لبنان، وليس نحن وحدنا، بل جزء كبير من السكان والأهالي الذين كانوا يعتمدون عليها لتأمين قوتهم اليومي أو تنفيذ مشاريعهم، كان لليونيفيل أثر بالغ في هذا المبنى منذ عام 1978 وحتى اليوم، من خلال المساهمة في مشاريع البنى التحتية، وهذا الأمر سيزيد الطين بلة، وستصبح الظروف أصعب".
في ميتم تبنين، لا يبدو الدمار مجرّد جدران متصدعة أو غرف فقدت وظائفها، بل واقعا يهدد تفاصيل الحياة اليومية لفتيات يحاولن مواصلة تعليمهن والتمسك بمستقبلهن وبين ذكريات الطفولة التي تستعيدها شيرين، ومخاوف قمر من أصوات الطائرات، وإصرار الإدارة على إبقاء أبواب التعليم مفتوحة، تستمر الحياة في المكان، رغم أن الحرب غيرت ملامحه وتركت أسئلتها معلقة فوق رؤوس من يعيشون فيه.
