كيفية الحصول على أسماك مستزرعة أكثر صحة؟

© Photo / pixabay/PIRO4D
تابعنا عبر
طور علماء في روسيا مزيجاً من البكتيريا النافعة التي يُقال إنها ترفع معدلات بقاء الأسماك سليمة بنسبة تتراوح بين 20% و25%، وتسرع من نموها، وتساعدها على الاستفادة من غذائها بكفاءة أكبر، وقد يُحدث هذا الابتكار تغييراً جذرياً في كيفية إدارة مزارع الأسماك؛ وذلك من خلال الاستعانة بالكائنات الدقيقة بدلاً من الاعتماد حصرياً على تركيبات الأعلاف التقليدية.
في قاع نهر "دون" بجنوب روسيا، تزدهر كائنات دقيقة داخل الطمي، ومع أن معظمها لا يُرى بالعين المجردة، إلا أن بعضها يتمتع بقدرات بيولوجية مذهلة؛ مثل تفكيك العناصر الغذائية، وإنتاج مركبات وقائية، والتفاعل مع كائنات دقيقة أخرى.
تساءل باحثون في جامعة "دون" التقنية الحكومية في مدينة روستوف-على-الدون عما إذا كانت هذه القدرات الطبيعية يمكن أن تساهم في حل مشكلة متزايدة في قطاع الاستزراع المائي، فبينما يُعد الاستزراع السمكي مصدراً مهماً للغذاء، إلا أن تربية أعداد كبيرة من الأسماك تفرض تحديات عديدة؛ إذ يمكن أن تنتشر الأمراض، كما أن تكاليف الأعلاف مرتفعة، فضلاً عن أن بعض العناصر الغذائية تمر عبر الجهاز الهضمي للأسماك دون أن تُمتص بالكامل.
وبقيادة البروفيسور ديمتري رودوي، بدأ الفريق البحث عن بكتيريا نافعة قادرة على تعزيز صحة الأسماك من الداخل، وقد أسفر عملهم -الذي نشرته "بوابةروسيا العلمية" في 22 أكتوبر 2026- عن تطوير 27 تركيبة تجريبية تُضاف إلى الأعلاف، جرى اختبارها على أنواع مختلفة من الأسماك المستزرعة.
تكوين فريق من البكتيريا النافعة
جمع الباحثون أكثر من 100 سلالة بكتيرية من بيئات طبيعية، بما في ذلك رواسب نهر "دون"،ومن خلال التحليل الجيني والاختبارات المعملية، اختاروا 13 سلالة واعدة تمتلك خصائص تتعلق بتحسين الهضم، والحماية من الكائنات الدقيقة الضارة، ومقاومة الإجهاد الخلوي.
وبدلاً من الاعتماد على نوع واحد من البكتيريا، قام الباحثون بدمج سلالات متوافقة معاً في مجموعات مختارة بعناية، ويُطلق على هذه التركيبات اسم "سينبيوتيكس" (synbiotics)؛ وهي مزيج يجمع بين "البروبيوتيك" (probiotics) -أي الكائنات الحية الدقيقة النافعة- و"البريبايوتيك" (prebiotics)، وهي مواد تدعم نمو هذه الكائنات الدقيقة أو تعزز نشاطها.
وتُستمد بعض مكونات "البريبايوتيك" هذه من نباتات مألوفة، مثل جذور الهندباء (الشيكوريا) وبروتين عباد الشمس،وعند إضافتها إلى أعلاف الأسماك، تهدف هذه المكونات إلى تعزيز النشاط الحيوي المفيد في الأمعاء، حيث يمكن للبكتيريا إنتاج إنزيمات تساعد في هضم العناصر الغذائية، ويشبه هذا النهج تزويد الأسماك بـ "فريق متخصص" لدعم عملية الهضم، يتم اختياره بناءً على نوع الأسماك وعمرها وظروف تربيتها.
نتائج تتجاوز مجرد تسريع النمو
اختبر الباحثون تركيباتهم في المختبرات وفي مزارع أسماك فعلية، شملت منشآت لتربية أسماك التروت، والحفش، والكارب، والقرموط (السلور)، والبلطي.
ووفقاً لرودوي، أظهرت المجموعات التجريبية نمواً أسرع بنسبة تتراوح بين 10% و15% تقريباً، مع تحسن في معدلات البقاء على قيد الحياة بنسبة تراوحت بين 20% و25%،كما سجل الفريق انخفاضاً بنسبة 15% إلى 20% في "معامل التحويل الغذائي"، وصلت في بعض الاختبارات إلى 30%.
ويقيس معامل التحويل الغذائي كمية العلف المطلوبة لإنتاج كيلوغرام واحد من نمو الأسماك؛ فكلما انخفض هذا الرقم، دلّ ذلك على كفاءة أعلى في استخدام العناصر الغذائية.
وتقدم تجربة أخرى -نُشرت نتائجها واستمرت لمدة 30 يوماً على يرقات سمك التروت قزحي اللون- مثالاً ملموساً؛ إذ حققت الأسماك التي تغذت على أعلاف مدعمة بالبروبيوتيك (البكتيريا النافعة) متوسط وزن جسم أعلى بنسبة 12.68% مقارنة بمجموعة المراقبة، بينما انخفض معامل التحويل الغذائي لديها من 1.69 إلى 1.04 كيلوغرام من العلف لكل كيلوغرام من النمو.
كما بحث العلماء في تغيرات بيولوجية أعمق؛ حيث كشفت التحليلات الجينية لأنسجة سمك "ستيرليت" (نوع من الحفش) عن تغير في نشاط أكثر من 200 جين مرتبطة بعمليات حيوية، مثل المناعة، والتمثيل الغذائي، والاستجابة للضغوط، وأشارت تجارب أولية أيضاً إلى امتلاك سلالات بكتيرية مختارة لخصائص مضادة للأكسدة وقادرة على حماية الحمض النووي (DNA).
نحو تربية أسماك قائمة على الأسس البيولوجية
ومن التطبيقات الواعدة في هذا المجال استبدال جزء من مسحوق السمك في الأعلاف التجارية ببروتينات نباتية، ورغم أن مثل هذه الاستبدالات قد تقلل الاعتماد على المكونات البحرية، إلا أن الأسماك لا تهضم البروتينات البديلة دائماً بنفس الكفاءة؛ وهنا يمكن للإضافات الميكروبية المختارة بعناية أن تساعد في تحسين الاستفادة من العناصر الغذائية.
ويستكشف الباحثون حالياً نهجاً أكثر تخصيصاً، يعتمد على تحليل نوع الأسماك، والميكروبيوم المعوي (المجتمع البكتيري في الأمعاء)، وظروف التربية، ومخاطر الأمراض، وذلك قبل اختيار المزيج البكتيري المناسب، ويُظهر المشروع إمكانيةً واعدةً لإنتاج الغذاء في المستقبل: فبدلاً من مجرد زيادة كمية العلف المُقدّم للأسماك، قد يتمكن المزارعون من مساعدتها على استخلاص قيمة أكبر من الغذاء الذي تحصل عليه بالفعل.
المصدر : | بوابة روسيا العلمية |


