الدماغ لا يكتفي بإدراك الجسد... بل يسهم في تشكيل ما تشعر به

© Photo / CC0
تابعنا عبر
لماذا يكون الألم أحيانًا شديدًا للغاية، بينما بالكاد تجذبنا أحاسيس أخرى؟ ولماذا قد يُسبب القلق انقباضًا في المعدة أو شعورًا بعدم الراحة في الصدر؟ ابتكر العلماء إحدى أكثر الخرائط تفصيلًا حتى الآن لمنطقة دماغية خفية مسؤولة عن الألم والغثيان ودرجة الحرارة والإدراك الجسدي.
يكشف هذا الاكتشاف عن أمرٍ مذهل: فالدماغ لا يكتفي باستقبال الإشارات من الجسم، بل يُساهم أيضًا في تشكيل كيفية إدراك هذه الإشارات.
تخيل أنك لمست شيئًا ساخنًا عن طريق الخطأ، ستشعر على الفور بعدم الراحة وستسحب يدك، والآن تخيل الشعور بعدم الارتياح في معدتك قبل امتحان مهم، أو الشعور المفاجئ بالضغط في صدرك خلال لحظة مُرعبة. تبدو هذه التجارب مختلفة، لكنها تشترك في سمة أساسية: يجب على دماغك تفسير الإشارات من جسمك وتحويلها إلى مشاعر يمكنك إدراكها بوعي.
وقد كشف العلماء الآن عن تفاصيل جديدة حول كيفية حدوث ذلك، ففي دراسة نُشرت في 21 أكتوبر 2026 في مجلة "نيتشر"، قام باحثون بقيادة جوزيف بارفيزي من جامعة ستانفورد برسم خريطة لمنطقة دماغية عميقة تُسمى الفص الجزيري، كاشفين كيف تُسهم أجزاء مختلفة منها في الأحاسيس الجسدية، والشعور بعدم الراحة الداخلية، والتفاعل بين المشاعر والوعي الجسدي.
المنطقة الدماغية الخفية التي تُساعدنا على الشعور بأجسادنا
يقع الفص الجزيري أسفل السطح الخارجي المُطوي للدماغK ويلعب دورًا هامًا في الاستقبال الداخلي، أي القدرة على استشعار ما يحدث داخل أجسامنا، بما في ذلك الجوع، وعدم الراحة، ودرجة الحرارة، والتغيرات المرتبطة بالأعضاء الداخلية.
لسنوات، اشتبه الباحثون في أن الفص الجزيري يُساعد في تحويل الإشارات الجسدية الواردة إلى أحاسيس واعية، إلا أن موقعه العميق جعل إجراء دراسة مُفصلة أمرًا صعبًا.
فحص البحث الجديد 87 شخصًا سبق أن زُرعت في أدمغتهم أقطاب كهربائية لأسباب طبية، وعلى مدار أكثر من عقد، طبّق العلماء تحفيزًا كهربائيًا مُتحكمًا به بدقة على مواقع مختلفة داخل الفص الجزيري، وسجلوا نشاط الدماغ، وسألوا المشاركين عما شعروا به.
كشفت النتائج عن أربع مناطق متميزة وظيفيًا:
فقد كانت إحدى هذه المناطق، الواقعة في الجزء الخلفي من الدماغ، مسؤولة عن استشعار الألم والحرارة في أجزاء محددة من الجسم، وقد يُؤدي تحفيزها إلى الشعور بالحرارة أو الألم في الذراع أو الساق.
أما المنطقة المجاورة، فكانت مرتبطة بشكل أوثق بأحاسيس مثل التنميل والخدر والضغط في مختلف أنحاء الجسم.
وكانت المنطقة الثالثة، الواقعة في الجزء الأمامي من الدماغ، مرتبطة بالأحاسيس الناشئة من الأعضاء الداخلية، وقد يُؤدي تحفيزها أحيانًا إلى الشعور بالغثيان أو ضغط الصدر أو الامتلاء أو القلق.
ساعدت هذه الاستجابات الباحثين على ربط دوائر دماغية محددة بتجارب جسدية مختلفة بشكل ملحوظ.
الاكتشاف الأكثر إثارة للدهشة كان في منطقة هادئة
أما المنطقة الرابعة، الواقعة في الجزء الأمامي من الفص الجزيري، فقد كان سلوكها غير متوقع، فعندما قام العلماء بتحفيزها مباشرة، لم يُبلغ المشاركون عادةً عن أي إحساس ملحوظ. للوهلة الأولى، قد يُوحي هذا بأن هذه المنطقة أقل أهمية.
لكن التجارب اللاحقة كشفت عن شيء مختلف، أصبحت هذه المنطقة نشطة عندما احتاج المشاركون إلى رصد معلومات مهمة وتعديل استجاباتهم،كما أنها تتواصل بقوة مع شبكات الدماغ المسؤولة عن الانتباه واتخاذ القرارات ومعالجة المشاعر.
والأمر الأكثر إثارة للاهتمام هو أن الإشارات الكهربائية الصادرة من هذه المنطقة الأمامية بدت وكأنها تؤثر على أجزاء أخرى من الفص الجزيري بشكل أقوى من الإشارات التي تنتقل في الاتجاه المعاكس.
يشير هذا إلى مسار بيولوجي محتمل يمكن من خلاله أن تؤثر عمليات الدماغ العليا على كيفية تفسير الأحاسيس الجسدية، وتساعد هذه النتيجة في تفسير سبب تزايد نظرة الباحثين إلى الإدراك الجسدي باعتباره عملية نشطة، وليس مجرد تدفق بسيط للمعلومات ينتقل من الأعصاب إلى الدماغ.
دلالات هذا على الألم والقلق والصحة
يقدم هذا الاكتشاف رؤية قيّمة للعلاقة بين الأحاسيس الجسدية والحالات النفسية، فالألم والغثيان والقلق تجارب حقيقية تنطوي على تفاعلات معقدة بين الجسم والجهاز العصبي. إن قدرة نشاط الدماغ على التأثير في كيفية الشعور بهذه الأحاسيس لا تعني أنها وهمية أو خاضعة للتحكم الإرادي.
قد يصبح هذا التمييز مهمًا لفهم الألم المزمن، والأعراض الجسدية المرتبطة بالقلق، والحالات التي تتضمن اضطرابًا في إدراك الأحاسيس الداخلية، فما نُدركه ليس مجرد تقرير مباشر من أعصابنا، بل هو نتاج تفاعل معقد بين الإشارات الجسدية والانتباه وأنظمة الدماغ التي تُفسّرها.
المصدر: | مجلة نيتشر العلمية |


