تقنية روسية جديدة لكشف الحرائق مبكرا تعتمد على الصوت

© Sputnik . Evgueniy Epanchintsev
/ تابعنا عبر
يمكن لطبقةٍ من الفحم أن تبدأ بالاحتراق في أعماق الأرض، قبل وقتٍ طويلٍ من ظهور ألسنة اللهب أو الدخان التي تكشف عن موقعها، وبحلول الوقت الذي يصبح فيه الخطر جلياً، قد يكون العمال والمعدات الثمينة بالفعل في دائرة الخطر، وقد اختبر علماء روس حلاً غير تقليدي؛ ألا وهو الاستماع إلى الأصوات الدقيقة التي يُصدرها الفحم أثناء احتراقه، وذلك لتحديد مصدر الحريق.
تخيل حريقاً يشتعل خلف أمتارٍ عدة من الصخور الصلبة؛ فأنت لا تستطيع رؤية اللهب، والوصول إلى المنطقة المتضررة قد ينطوي على مخاطر كبيرة. ومع ذلك، فإن هذا الحريق يُنتج شيئاً قادراً على الانتقال عبر المواد المحيطة به، ألا وهو "الصوت".
يعلم كل من جلس يوماً بجوار نارٍ مشتعلةٍ من الخشب أن احتراق الخشب يُصدر أصوات طقطقة وفرقعة، والأمر نفسه ينطبق على الفحم؛ فمع ارتفاع درجة حرارته، تتولد ضغوطٌ داخلية وتتشكل شقوقٌ دقيقة، تهتز أسطحها لتُطلق إشاراتٍ صوتية.
ويعمل علماء من الجامعة الوطنية للعلوم والتكنولوجيا (MISIS) في روسيا، بالتعاون مع معهد كورتشاتوف، على دراسة ما إذا كانت هذه الإشارات قادرةً على الكشف عن اتجاه الحرائق الخفية داخل مكامن الفحم، وتقدم نتائج أبحاثهم، التي سلطت "بوابة روسيا العلمية" الضوء عليها، نهجاً جديداً وواعداً للتعامل مع هه المشكلة.
لماذا يصعب العثور على الحرائق تحت الأرض؟
يمكن للفحم أحياناً أن يشتعل ذاتياً دون الحاجة إلى مصدر لهبٍ خارجي؛ فعند تعرضه للأكسجين، يخضع لتفاعلاتٍ كيميائية تُطلق حرارة، وإذا تراكمت هذه الحرارة بمعدلٍ أسرع من قدرتها على التبدد، ترتفع درجة الحرارة حتى يبدأ الاحتراق.
تُعرف هذه العملية بـ "الاحتراق الذاتي"، ويمكن أن تحدث داخل طبقات الفحم أو في مناطق التعدين المهجورة، حيث يظل الموقع الدقيق للحريق مجهولاً، ولا يقتصر الخطر على ألسنة اللهب فحسب؛ إذ يمكن للغازات السامة الناتجة عن الاحتراق أن تنتشر عبر ممرات المنجم، بينما تشكل درجات الحرارة المرتفعة وتضرر الصخور تهديداً مباشراً للعمال والمعدات واحتياطيات الفحم.
تعتمد طرق المراقبة التقليدية على قياساتٍ مثل تركيزات الغاز ودرجات الحرارة، لكن تحديد موقع حريقٍ خفيٍّ داخل تكوينٍ صخريٍّ ضخمٍ ويصعب الوصول إليه يظل تحدياً كبيراً، وهنا يأتي دور الصوت كمصدرٍ إضافيٍّ للمعلومات.
كيف يمكن لمستشعرين اثنين الكشف عن حريق خفي؟
درس الباحثون الروس ثلاثة مناهج صوتية: المراقبة السلبية، التي تعتمد على رصد الأصوات الناتجة طبيعيًا؛ والمراقبة النشطة، التي ترسل إشارات عبر الصخور وتدرس استجابتها؛ بالإضافة إلى مناهج هجينة تجمع بين الصوت وقياسات أخرى، ويستند المنهج الأكثر إثارة للاهتمام لديهم إلى فرضية طرحها خبير التعدين "نيكولاي كوسوف" في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.
فبدلاً من وضع عدد كبير من المستشعرات حول موقع يُشتبه بوجود حريق فيه، يتم استخدام عنصرين استشعاريين مرتبين بطريقة خاصة في محطة قياس واحدة، حيث يقومان بمقارنة الإشارات التي تصل عبر الصخور، ويمكن للفروق بين هذه الإشارات أن تكشف عن الاتجاه الذي صدرت منه الاهتزازات الصوتية. يمكن تشبيه ذلك بكيفية مساعدة أذنيك لك في تحديد ما إذا كان الصوت قادمًا من جهة اليمين أو اليسار، ورغم اختلاف التفاصيل الفيزيائية، إلا أن المبدأ الأساسي متشابه: فالمعلومات المستمدة من الإشارة الواردة تساعد في تحديد اتجاه مصدرها.
وقد اختبر الباحثون هذا النهج باستخدام مصادر صوتية مضبوطة على عينات من الصخور الرملية في المختبر، كما أجروا تجارب تضمنت إشعال حريق متعمد في منجم فحم مفتوح قيد التشغيل. وأفاد الفريق أيضًا بإجراء اختبارات في ظروف مناجم تحت الأرض، ووفقًا للباحث "ديمتري بوريسينكو"، جاءت الخصائص الصوتية المرصودة مطابقة للتوقعات النظرية، كما وجد الفريق أن سمات معينة في الطيف الصوتي للفحم المحترق ظلت ثابتة بغض النظر عن طريقة الاشتعال المستخدمة.
أداة واعدة، لكنها لا تشكل نظامًا متكاملاً للكشف عن الحرائق
ينطوي هذا الإنجاز على قيدٍ مهم؛ إذ إن تحديد اتجاه الحريق لا يعني بالضرورة تحديد موقعه بدقة، فقد تشير الإشارة إلى وجود احتراق في اتجاه معين، لكن يلزم توفر معلومات إضافية لمعرفة مدى بُعد هذا الحريق.
وتفرض المناجم الواقعية تحديات إضافية؛ فالمعدات تُحدث ضجيجًا في الخلفية، بينما يمكن للشقوق، وتغير خصائص الصخور، والحدود الجيولوجية أن تؤدي إلى تشويه الموجات الصوتية. لذا، يحتاج العلماء إلى إجراء المزيد من عمليات التحقق الميدانية قبل أن تتحول هذه الطريقة إلى نظام تشغيلي موثوق.
كما يستكشف الباحثون إمكانية أخرى، وهي ما إذا كان الرصد الصوتي يمكن أن يساعد في تحديد مناطق الفحم المحترق التي تتركز فيها العناصر المشعة الطبيعية بشكل أكبر ضمن المواد المعدنية المتبقية.
وبالنسبة للقائمين على المناجم، قد تكمن الفائدة الكبرى مستقبلاً في دمج المعلومات الصوتية مع أنظمة مراقبة درجات الحرارة والغازات الحالية؛ مما يتيح رصد المناطق المشبوهة في وقت أبكر، ويوفر توجيهات أدق لاتخاذ قرارات تتعلق بالسلامة.


