لونه أنقذ حياته.. باحثون يكشفون لغز ظهور الثعابين الملونة

© AP Photo / Kin Cheung
تابعنا عبر
في أحد المصانع في بنغلاديش، نجا ثعبان كوبرا ذو لون غير مألوف من القتل؛ إذ أثار مظهره الوردي الشاحب دهشة العمال الذين اكتشفوه، وفي غضون ثمانية أيام فقط، تم إنقاذ ثلاثة ثعابين ذات ألوان لافتة، تراوحت بين الوردي والأبيض والأصفر، في مناطق مختلفة من البلاد.
ويرجح العلماء وجود تغيرات جينية نادرة تؤثر على تصبغ الجلد، مما يطرح تساؤلات مثيرة حول كيفية اكتساب هذه الحيوانات لألوانها، وكيف يمكنها البقاء على قيد الحياة في البرية.
عندما واجه عمال في أحد المصانع بمدينة دكا في بنغلاديش مجموعة من الثعابين، كان رد فعلهم الأول هو الخوف؛ فقُتل اثنان منها، لكن الثعبان الثالث بدا مختلفاً للغاية، مما دفع العمال للتوقف؛ فبدلاً من الألوان المألوفة لثعبان الكوبرا، كان جسده يكتسي بلون وردي رقيق.
هذا الاكتشاف غير المتوقع أنقذ حياة الثعبان؛ إذ تم التواصل مع فريق لإنقاذ الحياة البرية، وجرى نقل الثعبان الصغير -وهو من نوع الكوبرا أحادية العلامة (Naja kaouthia) ويبلغ طوله حوالي 30 سنتيمتراً- إلى مكان آمن.
لم تكن هذه الحادثة فريدة من نوعها؛ ففي غضون ثمانية أيام، تم إنقاذ ثعبانين مائيين آخرين يتميزان بلون شاحب غير عادي في منطقتي "بانشاغاره" و"تشاتوغرام"، مما أثار اهتماماً واسعاً بعد تداول صورهما عبر الإنترنت، وقد دفعت هذه المشاهدات العلماء إلى البحث في مسألة بيولوجية مثيرة: ما الذي يجعل حيواناً -يكون في العادة داكن اللون أو ذا أنماط محددة- يكتسب مثل هذه الألوان الاستثنائية؟
لماذا قد يتحول لون الكوبرا إلى الوردي؟
أحد التفسيرات المحتملة هو المهق (albinism)، وهي حالة وراثية تؤدي إلى تقليل أو منع إنتاج "الميلانين"، وهي الصبغة المسؤولة عن معظم الألوان الداكنة لدى الحيوانات، ومع ذلك، لا يمثل الميلانين القصة بأكملها؛ فجلد الزواحف يحتوي على أنواع متعددة من الخلايا الصبغية التي تتفاعل معاً لتنتج الألوان والأنماط التي نراها
وعندما يغيب الميلانين أو ينخفض بشكل كبير، تصبح ألوان أخرى أكثر بروزاً، فقد تظهر بعض الثعابين بلون أصفر أو أبيض كريمي، بينما تكتسب أخرى درجات وردية؛ وذلك لأن الأوعية الدموية الموجودة تحت الجلد تصبح مرئية من خلال الأنسجة ذات التصبغ الخفيف.
وتكون النتيجة مذهلة؛ فالثعبان الذي كان من المفترض أن يندمج في بيئته الطبيعية -بين النباتات أو على الأرض- يظهر بدلاً من ذلك بلون أبيض تقريباً، أو ذهبي، أو وردي. يعتقد الباحثون في مركز أبحاث السموم التابع لكلية "تشاتوجرام" الطبية أن حالة "المهق" (albinism) قد تفسر المظهر الذي بدا عليه ثعبان الكوبرا الذي تم إنقاذه، كما أن هذا المظهر غير المعتاد لا يعني أن الحيوان ينتمي إلى نوع جديد؛ فثعبان الكوبرا أحادي العلامة يظل كما هو بغض النظر عن لونه، ويظل أيضاً ثعباناً ساماً.
لون جميل قد يتحول إلى عائق
بالنسبة للثعابين، لا يعد اللون مجرد زينة، بل هو أداة بالغة الأهمية للبقاء، وتمتلك العديد من الأنواع أنماطاً لونية تساعدها على الاندماج في بيئتها، سواء بين الأوراق أو التربة أو الصخور أو في الماء، وهذا التمويه يجعل رصدها أمراً صعباً على المفترسات، كما يساعدها على الاقتراب من فرائسها دون أن تُلاحظ.
أما الثعبان الذي يتميز بلون باهت غير معتاد، فقد يفقد جزءاً من هذه الحماية. ففي بيئة ذات أرضية داكنة أو غطاء نباتي كثيف، يصبح الجسم الأبيض أو الوردي ظاهراً للعيان، مما قد يجعل الحيوان أكثر عرضة لخطر الافتراس، وهذا يفسر لماذا تُعد التشوهات الطبيعية في التصبغ -رغم كونها مثيرة للاهتمام- أمراً نادراً نسبياً بين الثعابين التي تعيش في البرية.
ولا تعني المشاهدات الأخيرة بالضرورة أن هناك تزايداً في أعداد الثعابين التي تظهر عليها هذه السمات؛ إذ يشير علماء الحيوان في جامعة "تشاتوجرام" إلى أن انتشار الهواتف المحمولة، ووسائل التواصل الاجتماعي، وتوسع جهود إنقاذ الحياة البرية، قد جعل احتمالية تصوير هذه الحيوانات غير المعتادة والإبلاغ عنها أكبر بكثير مما كانت عليه في السابق، وبعبارة أخرى، قد يكون السبب هو أننا أصبحنا نلاحظ هذه الثعابين بشكل متكرر أكثر، وليس أن أعدادها قد شهدت زيادة مفاجئة.
ماذا يمكن للعلماء أن يتعلموا من هذه الثعابين؟
توفر الحيوانات التي تم إنقاذها فرصة لدراسة كيفية تأثير التباين الجيني على التصبغ لدى الزواحف، ويأمل الباحثون في فحص الخصائص الجسدية للكوبرا ذات اللون الوردي، وتحديد ما إذا كان هذا اللون ناتجاً عن المهق أم عن حالة أخرى تتعلق بالتصبغ.
كما جرت مناقشات حول نقل الحيوان إلى مركز أبحاث السموم، حيث يمكن أن يحظى بالرعاية البيطرية اللازمة مع إخضاعه لمزيد من المراقبة والدراسة، وقد يشمل البحث دراسة سموم هذا الثعبان، وتُعد هذه المشاهدات تذكيراً بأن التباين الجيني يمكن أن يؤدي إلى اختلافات لافتة، حتى بين أفراد النوع الواحد، وثمة مفارقة مدهشة في قصة الكوبرا الوردية؛ فذلك اللون ذاته الذي قد يجعلها أكثر عرضة للخطر في البرية، هو السبب الذي دفع الناس إلى الإبقاء على حياتها.


