وبرزت الصناعة الصيدلانية كأحد أهم محاور الشراكة الجديدة بين البلدين، إذ تسعى الجزائر إلى تثمين تجربتها في مجال تصنيع الأدوية وتوسيع قدراتها الإنتاجية، بينما تراهن سلطنة عُمان على بيئتها الاستثمارية المستقرة وإطارها التنظيمي المرن لجذب المشاريع الصناعية النوعية.
وفي الآونة الأخيرة، عقد لقاء عبر تقنية "الفيديو كونفرنس" بين إطارات من وزارة الصناعة الصيدلانية في الجزائر ونظرائهم من وزارة الصحة وهيئات الاستثمار العمانية، خصص لدراسة ومناقشة فرص الاستثمار المشترك بين المتعاملين الاقتصاديين في البلدين بما يعزز الشراكة الثنائية في هذا القطاع الحيوي.
ويأتي هذا الاجتماع تجسيدا لمخرجات الزيارة الأخيرة لوزير الصناعة الصيدلانية الجزائري إلى سلطنة عمان، التي شكّلت محطة مهمة لتباحث سبل توطيد التعاون والاستثمار المشترك، لا سيما في مجالات تطوير الصناعة الصيدلانية، وتبادل الخبرات والتجارب التقنية، ودعم البحث والتطوير ونقل التكنولوجيا. إضافة إلى تسهيل ولوج المنتجات الصيدلانية الجزائرية إلى الأسواق العُمانية والأسواق المجاورة.
وفي ختام اللقاء، اتفق الطرفان على أهمية مواصلة التنسيق والعمل المشترك من أجل ترجمة الإرادة السياسية المشتركة إلى برامج عملية وشراكات فعّالة، تعود بالفائدة على قطاع الصناعة الصيدلانية في كلا البلدين، مع التأكيد على تبادل الزيارات بين الإطارات المختصة، واعتماد جدول زمني واضح لمختلف العمليات المزمع تنفيذها، في إطار ورقة الطريق المتفق عليها لتعزيز التعاون في هذا المجال حسب ما أعلنت عنه وزارة الصناعة الصيدلانية في الجزائر.
الشراكة بين البلدين
أكد الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي لـ "سبوتنيك"، أن الشراكة الجزائرية العُمانية في مجال الصناعة الصيدلانية تحمل أبعاداً اقتصادية واستراتيجية عميقة، وتتجاوز مجرد استثمار ثنائي إلى بناء نموذج تعاون عربي–عربي في الصناعات ذات القيمة المضافة العالية، ويمكن تفكيك دلالاتها على عدة مستويات.
أولها، بحسب قوله، تشمل الأبعاد الاقتصادية للشراكة من خلال توطين صناعة دوائية ذات قيمة مضافة حيث قطعت الجزائر أشواطاً معتبرة في تغطية السوق الوطنية دوائيا بنسب إدماج مرتفعة في عدة أصناف، بينما تمتلك سلطنة عمان خبرة متقدمة في التصنيع الدوائي بمعايير دولية، والتسيير الصناعي والجودة، مع سهولة النفاذ إلى أسواق الخليج وشرق آسيا.
وأضاف تيغرسي أن الشراكة تسمح بنقل التكنولوجيا والخبرة، ورفع جودة الإنتاج المحلي، مع توسيع سلّة الأدوية المنتجة محليا خاصة الأدوية المتخصصة والبيوتكنولوجية مستقبلاً، مع تعزيز الاستثمار الأجنبي المنتج علما أن الاستثمار العُماني يندرج ضمن الاستثمار المنتج غير الريعي، الذي يخلق مناصب شغل نوعية،
و يرفع القيمة المضافة المحلية، كما يسهم في تقليص فاتورة استيراد الأدوية التي كانت تاريخيا مرتفعة.
وهذا يتقاطع، بحسب قوله، مع توجه الجزائر نحو جذب استثمارات صناعية حقيقية موجهة للتصدير، وبناء منصة تصدير إقليمية، مضيفا أن الجزائر يمكن أن تتحول عبر هذه الشراكة إلى منصة إنتاج دوائي موجهة لأسواق أفريقيا منطقة التجارة الحرة القارية، المغرب العربي، الساحل والصحراء، بينما تشكل عمان بوابة طبيعية نحو الخليج، وآسيا الجنوبية والشرقية، أي أننا أمام تكامل جغرافي وتسويقي ذكي.
وقال الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي إن الأبعاد الاستراتيجية والسيادية تبرز في تعزيز الأمن الصحي والسيادة الدوائية خاصة بعد جائحة كوفيد، التي كشفت هشاشة سلاسل الإمداد العالمية.
واعتبر تيغرسي أن الاستثمار في صناعة دوائية محلية قوية يعني تقليص التبعية للاستيراد، وضمان استمرارية التموين الدوائي، مع التحكم في الأسعار وجودة الأدوية وهذا يندرج ضمن مفهوم الأمن القومي الصحي.
وشدد المتحدث على أن ترقية التعاون العربي–العربي في الصناعات المتقدمة وأن هذه الشراكة تعكس تحوّلاً من تبادل تجاري تقليدي إلى شراكة إنتاج ومعرفة وهو نموذج مطلوب عربيا للخروج من الاقتصادات الريعية نحو اقتصاد صناعي معرفي، يسهم في تحسين صورة الجزائر كمركز صناعي إقليمي، ونجاح مشاريع دوائية مشتركة بمعايير دولية يرسل رسالة قوية للمستثمرين أن البيئة الاستثمارية في الجزائر أصبحت أكثر جاذبية، لإطار التنظيمي أكثر استقرارا، والقدرة على التصدير أصبحت واقعية.
واختتم بالقول أن الشراكة الجزائرية العُمانية في الصناعة الصيدلانية ليست مجرد اتفاق استثماري، بل تمثل خطوة استراتيجية لبناء سيادة دوائية، وتعزيز تنويع الاقتصاد الوطني، وخلق منصة تصدير إقليمية ذات قيمة مضافة عالية، و نجاح هذه التجربة قد يحول الجزائر إلى قطب دوائي أفريقي–عربي، ويؤسس لنموذج تكامل اقتصادي عربي قائم على الإنتاج والمعرفة بدل الريع والاستهلاك.
التنسيق الهادئ بين البلدين
أكد المحلل السياسي نبيل كحلوش لـ "سبوتنيك"، أن التعاون الجزائري–العُماني يعكس توجها مشتركا لبناء علاقات خارج منطق المحاور الحادة، بما يسمح للطرفين بلعب أدوار مهدِّئة تحفظ الاستقرار الإقليمي دون الانخراط في صراعات الآخرين.. وفيما يخص الجانب الصيدلاني فهذا لتعزيز الأمن الصحي للطرفين وصياغة سلسلة إمداد ثنائية لتنويع المصادر.
وقال كحلوش: "الخروج من الاستقطاب من أهم الدلالات في هذا التقارب، الذي عبر عن إرادة سياسية مستقلة ترفض الاصطفاف القسري، وتُبقي القرار الوطني خارج الضغوط الإقليمية والدولية ، مع ترسيخ الدولة الرشيدة حيث يعكس التعاون نموذج دولة تُدار بالحكمة وطول النفس، حيث تقدم السيادة والاستقرار على المغامرة والصدام.
ويشكل هذا التعاون جسر توازن بين جناحي العالم العربي، قائم على التنسيق الهادئ لا على التنافس أو الهيمنة.