وفي هذا السياق، قال الخبير الاقتصادي إدريس الشريف، في تصريحات خاصة لوكالة "سبوتنيك"، إن استمرار تشغيل محطات الكهرباء في ليبيا بالديزل والوقود الثقيل يمثل أحد أخطر أوجه الهدر المالي، وأكد أن هذا النهج يستمر رغم توفر حلول فنية واقتصادية واضحة، في مقدمتها ربط المحطات بالغاز الطبيعي المحلي، ومن المعلوم أن ليبيا تتوفر على احتياطيات من الغاز، كما أنها من أكثر الدول حرقاً للغاز المصاحب في العالم.
وأوضح الشريف أنه علم أن الدولة سبق أن قامت بدراسات لتنفيذ خطوط غاز قادرة على تزويد مدن ومحطات كاملة بالطاقة، مشيراً إلى أن هذه الدراسات لم تجد طريقها للتنفيذ دون مبررات فنية حقيقية.
وأضاف أن هذا التعطيل أدى إلى إهدار فرصة الاستفادة من الغاز المتاح محليًا والاستمرار في استيراد وقود عالي التكلفة.
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أنه طرح هذا الملف للنقاش العلني منذ سنوات عبر وسائل الإعلام، ولفت إلى أن إثارة القضية آنذاك قوبلت بردود فعل حادة، قبل أن تعود مجدداً إلى الواجهة بعد تحرك الجهات الرقابية ودخول النيابة العامة على خط التحقيق، مؤكداً أن ذلك كشف حجم التعقيدات والمصالح المرتبطة بملف استيراد الوقود.
وأكد الشريف أن استخدام الغاز الطبيعي في تشغيل محطات الكهرباء ينعكس إيجاباً على الأداء الفني للمحطات وعلى عمرها الإنتاجي، وأنه يقلل من الأعطال ويسهم في خفض كلفة الإنتاج مقارنة بالديزل، مشيراً إلى أن الديزل يتسبب في أضرار فنية وبيئية ويستهلك موارد مالية ضخمة بشكل يومي ومستمر.
وتطرق الشريف إلى بعض المحطات التي أنشئت في مناطق لا تتوفر فيها مصادر قريبة للغاز، وأنه جرى تشغيلها بوقود ثقيل أو ديزل مستورد نتيجة قرارات وصفها بأنها سياسية وغير اقتصادية.
وأكد أن هذا التوجه أدى إلى إنفاق شهري كبير كان يمكن تفاديه عبر إنشاء خط غاز ينفذ مرة واحدة ويخدم المحطة طوال عمرها التشغيلي.
وأضاف أن استمرار الاعتماد على الديزل خلق بيئة خصبة للفساد، وأوضح أن عمليات التوريد ارتبطت بعقود مشبوهة وعمليات تهريب ومبالغات في الأسعار، واعتبر أن هذا الملف يمثل واحدة من أكبر عمليات الهدر والنهب المنظم للمال العام، كما كشفت عنه التحقيقات الرسمية.
وشدد الخبير الاقتصادي على أنه لا يمكن تبرئة أي جهة من المسؤولية، وأكد أن ما حدث هو نتيجة منظومة متكاملة من القرارات الخاطئة والتقصير والفساد.
وأضاف أن وقف هذا النزيف يجب أن يبدأ فوراً حتى في حال تعذر مساءلة جميع المتسببين في الهدر خلال السنوات الماضية.
وأوضح الشريف أن كل الدول تستخدم الغاز لتوليد الكهرباء مع التوسع في الاستفادة من مصادر الطاقة البديلة، وأشار إلى أن الاستمرار في الدفاع عن خيار الديزل في ليبيا رغم كلفته المرتفعة وأضراره الكبيرة يثير تساؤلات جدية حول إدارة قطاع الطاقة.
كما أشار إلى وجود بدائل أخرى أقل كلفة مثل استيراد الكهرباء من دول الجوار أو استخدام الغاز المسال عبر منصات عائمة، وأكد أن هذه الخيارات تبقى أقل عبئاً على الخزينة العامة من الاستمرار في تشغيل المحطات بالديزل.
وختم الشريف حديثه بالتأكيد على أن الإصلاح الحقيقي لا يقتصر على خفض وترشيد الإنفاق فقط، وأوضح أنه يتطلب تغيير آليات التعاقد ووقف الصفقات المشبوهة واعتماد الغاز كخيار استراتيجي لتشغيل محطات الكهرباء الغازية القائمة، مع البدء والتوسع التدريجي في مشروعات الطاقة الشمسية لتعويض النقص القائم، وشدد على أن الالتزام بهذه السياسات كفيل بتوفير موارد ضخمة وتحقيق استقرار أفضل في قطاع الكهرباء وحماية المال العام.