تونس تواجه تحديات العنف الرقمي واستغلال الأطفال على منصات التواصل الاجتماعي

في ظلّ تصاعد المخاطر المرتبطة بالفضاء الرقمي، تحوّل حضور الأطفال على مواقع التواصل الاجتماعي في تونس إلى مصدر قلق متزايد لدى الأسر والخبراء، خاصة مع ارتفاع مؤشرات التعرض للعنف السيبراني وأشكال الاستغلال الجنسي الإلكتروني.
Sputnik
وتشير بيانات رسمية صادرة عن وزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن التونسية إلى أن "نحو 90 بالمئة من الإشعارات المرتبطة بالعنف الرقمي ضد الأطفال تتعلّق بحالات استغلال جنسي أو انتهاكات عبر الإنترنت، وهو ما يعكس خطورة الظاهرة واتساعها".
"الأمن الرقمي حق لا امتياز".. مؤتمر بنغازي يدعو لحماية المرأة الليبية من العنف الإلكتروني
كما تكشف أرقام صندوق الأمم المتحدة للسكان في تونس، أن "حوالي ثلاثة أرباع التلاميذ، الذين تتراوح أعمارهم بين 13 و17 عامًا يقضون أكثر من أربع ساعات يوميًا على منصات التواصل الاجتماعي، فيما تتجاوز المدة 6 ساعات يوميًا لدى أكثر من نصفهم خلال أيام العطل، ما يضاعف من فرص تعرضهم لمخاطر متعددة، من بينها الاستدراج والابتزاز الإلكتروني، والتواصل مع غرباء أو الاطلاع على مضامين لا تتلاءم مع أعمارهم".
ويحذّر متخصصون في علم الاجتماع وعلم النفس في تونس، من أن "طول فترات البقاء على الإنترنت، في غياب المرافقة الأسرية والتربية على الثقافة الرقمية، يزيد من هشاشة الأطفال والمراهقين ويجعلهم فريسة سهلة لممارسات العنف السيبراني، الأمر الذي يضع الأسرة والمدرسة والدولة أمام مسؤولية مشتركة لتعزيز آليات الحماية والتوعية والتبليغ".
ولا يقتصر الخطر على الانتهاكات الخارجية فحسب، إذ برزت في السنوات الأخيرة ظاهرة أخرى لا تقل إثارة للجدل، تتمثل في استغلال بعض الأطفال في صناعة المحتوى على منصات التواصل الاجتماعي، من خلال الزجّ بهم في فيديوهات يومية أو مشاهد تمثيلية أو مقاطع ترفيهية بهدف تحقيق نسب مشاهدة وأرباح مادية.

ويرى المتخصصون أن هذا النوع من "التوظيف الرقمي" قد يحوّل الطفل إلى وسيلة للربح، ويعرّض خصوصيته وكرامته للخطر، فضلًا عن انعكاساته النفسية طويلة المدى، خاصة عندما يتم نشر تفاصيل حياته الخاصة أو مواقف محرجة دون وعيه الكامل أو موافقته الحقيقية.

وقد تصاعد هذا النقاش في تونس، بالتوازي مع مصادقة البرلمان الفرنسي على مشروع قانون يحظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون سن 15 عامًا.
غير أن هذا الإطار القانوني يظل محلّ جدل بين من يدعو إلى مزيد من التنظيم والرقابة على حضور الأطفال في الفضاء الرقمي، ومن يرى في ذلك تضييقًا على حقهم في النفاذ إلى التكنولوجيا وما تتيحه من فرص تعليمية واجتماعية.

مخاطر نفسية واجتماعية

وتحذّر الباحثة في علم الاجتماع صابرين الجلاصي، من التعامل مع الفضاء الرقمي باعتباره مجرد مساحة ترفيه أو تواصل، مؤكدة أن "الأمر يتعلق ببيئة اجتماعية كاملة التأثير في وعي الأطفال وتكوينهم النفسي والقيمي".
وتوضح الجلاصي في تصريح لـ"سبوتنيك"، أن "العالم الافتراضي بات يشكّل امتدادًا مباشرًا لحياة الطفل اليومية، غير أنه فضاء مفتوح يفتقر إلى التأطير والحماية الكافيين، ولا تحكمه دائمًا ضوابط تربوية أو رقابية واضحة، وهو ما يعرّض القُصّر إلى أشكال متعددة من المخاطر يصعب على الأسرة وحدها السيطرة عليها".
"الغرفة الزجاجية"... صناع محتوى عراقيون يحولون ملايين المشاهدات إلى كراسي متحركة
ولفتت الجلاصي إلى أن "مؤشرات العنف الرقمي في تزايد مستمر، من تنمّر إلكتروني وتشهير وابتزاز، وصولًا إلى الاستدراج والاستغلال"، معتبرة أن هذه الممارسات لا تمرّ دون آثار عميقة، قائلة إن "العنف في الفضاء الرقمي قد يكون أشدّ قسوة من العنف التقليدي، لأنه يلاحق الطفل في كل وقت ولا يتوقف عند حدود المدرسة أو الشارع".

وبحسب تقديرها، فإن التعرض المتكرر لهذه الانتهاكات ينعكس مباشرة على الصحة النفسية للأطفال والمراهقين، مخلّفًا مشاعر الخوف والعزلة وفقدان الثقة بالنفس، وقد يصل أحيانًا إلى الاكتئاب أو الانسحاب الاجتماعي أو تراجع الأداء الدراسي، وشددت على أن "الطفل في هذه المرحلة بصدد بناء شخصيته، وأي عنف أو وصم رقمي يمكن أن يترك ندوبًا طويلة المدى في مسار تكوينه".

وترى الجلاصي أن "غياب التثقيف الرقمي داخل المدرسة وضعف الإحاطة الأسرية يجعلان الأطفال يواجهون هذا العالم المعقّد بمفردهم، ما يحوّلهم من مستخدمين واعين إلى ضحايا محتملين، ويضاعف من هشاشتهم أمام مختلف أشكال الاستغلال".

تجارة مقنّعة خلف الشاشات

وفي سياق متصل، تتوقف الباحثة في علم الاجتماع صابرين الجلاصي، عند ظاهرة آخذة في الاتساع، تتمثل في الزجّ بالأطفال في صناعة المحتوى الرقمي من قبل عائلاتهم، معتبرة أن "الأمر يتجاوز مجرد مشاركة عفوية ليبلغ، في كثير من الحالات، حدود الاستغلال الصريح".

وقالت الجلاصي في حديثها لـ"سبوتنيك"، إن "استغلال الأطفال في صناعة المحتوى هو شكل من أشكال المتاجرة بالطفولة، ونوع من الاستغلال النفسي والمعنوي والمادي"، موضحة أن "بعض الأسر تحوّل أبناءها إلى أدوات لجلب المشاهدات والأرباح، في مشهد يختلط فيه الترفيه بالربح التجاري على حساب مصلحة الطفل".

ولفتت إلى أن "خطورة الظاهرة تكمن في كونها تصدر أحيانًا من داخل الأسرة نفسها، التي يُفترض أن تكون فضاء الحماية الأول"، مضيفة أن "هذه الممارسات تتمّ عبر العائلات، لكنها في الواقع تنتهك خصوصية الأطفال، وهذا ليس من حق الوالدين، لأن للطفل حياة خاصة وحقًا في صورته وهويته".
ملاحقة صناع المحتوى على خلفية "جرائم إلكترونية" تثير جدلا في تونس
وبحسب تقدير الجلاصي، فإن المسألة تمثل أيضًا خرقًا واضحًا لحقوق الطفل الأساسية، إذ "لا يُمنح الطفل حرية الاختيار بين الظهور من عدمه، ولا يمتلك القدرة على تقييم مصلحته أو إدراك تبعات الانتشار الرقمي الدائم، ما يجعله طرفًا ضعيفًا في علاقة غير متكافئة، يُفرض عليه فيها قرار لا يملك أدوات رفضه".
وحذّرت الجلاصي من التداعيات النفسية طويلة المدى لهذا النوع من التعريض المبكر للأضواء، مشيرة إلى تجارب أطفال عملوا في مجالات فنية منذ الصغر، خصوصًا في صناعة السينما العالمية، قائلة إن "كثيرًا من الأطفال، الذين دُفعوا إلى التمثيل مبكرًا من قبل عائلاتهم، عانوا لاحقًا أزمات نفسية حادة، لأنهم حُرموا من عيش طفولتهم بشكل طبيعي".

وأضافت أن "الظهور المستمر أمام الكاميرا يقتصّ من براءة الطفل وتلقائيته، إذ يخضع في كثير من الأحيان إلى التلقين وإعادة التمثيل، ويُفرض عليه خطاب أو سلوك لا يشبهه فقط لإرضاء الجمهور، وهو ما يخلق فجوة بين شخصيته الحقيقية والصورة المصطنعة التي يُطلب منه أداؤها".

وترى أن الطفل "بحاجة إلى أن يعيش طفولته بحرية، وأن يكوّن شخصيته بعيدًا عن كل ما هو مفبرك أو موجّه بمنطق الربح والشهرة، لأن تحويل حياته اليومية إلى مادة للعرض العلني قد يترك آثارًا عميقة على ثقته بنفسه وعلاقته بذاته وبالآخرين".
وفي ما يتعلق بالحلول، تؤكد الجلاصي أن "التأطير القانوني يظل ضروريًا لكنه غير كافٍ بمفرده"، مشددة على أن "القانون لا يمكن أن يحل محل الأسرة"، وختمت بالقول إن "دور الأولياء في الإحاطة بأبنائهم ومرافقتهم نفسيًا وتربويًا يظل أساسيا، إلى جانب إعادة بناء اللحمة العائلية وتقليص الحضور المفرط للأطفال في الفضاء الرقمي، حتى لا يصبح العالم الافتراضي بديلا عن العلاقات الحقيقية داخل البيت".

"تعزيز المواطنة الرقمية"

من جانبه، يدعو رئيس الجمعية التونسية للدفاع عن حقوق الطفل، معزّ الشريف، في تصريح لـ"سبوتنيك"، إلى "مقاربة متوازنة لا تقوم على المنع بقدر ما ترتكز على التأطير والتربية الرقمية". وأكد في تصريح لـ"سبوتنيك"، أن "الواقع يفرض الاعتراف بأن الأطفال ينشأون اليوم داخل عالم رقمي لا يمكن فصله عن حياتهم اليومية أو مستقبلهم".
وقال الشريف إن العالم يعيش ثورة رقمية وتحدث عن "المواطنة الرقمية"، مضيفًا أنه

لا يمكن حرمان الأطفال من الولوج إلى الإنترنت ومن مهارات التفاعل مع الفضاء الافتراضي، لأن حياتهم مستقبلًا ستكون مرتبطة حتمًا بهذه التكنولوجيات.

وشدد على أن التعلم المبكر لهذه المهارات لم يعد خيارًا، بل ضرورة، حتى يتمكن الأطفال من مواكبة التحولات المتسارعة.
وأردف: "غير أن الإشكال، لا يكمن في الأطفال بقدر ما يرتبط بالفجوة بين الأجيال داخل الأسرة"، وأوضح: "الكثير من الأولياء يعتبرون وسائل التواصل الاجتماعي دخيلة على ثقافتهم، وفي أغلب الحالات تكون مهارات أبنائهم التقنية أعلى بكثير من مهاراتهم، وهو ما يصعّب عملية المراقبة والمتابعة".
مجتمع
يوتيوب يفرض عقوبات ضد صناع فيديوهات الأطفال ذات المحتوى الرديء
ومن هذا المنطلق، يرى الشريف أن "تحميل الأسرة وحدها مسؤولية الحماية غير منصف"، مؤكّدًا أن "المواطنة الرقمية مسؤولية الدولة أيضًا، التي يفترض أن توفّر برامج للتربية على الإعلامية والرقمنة داخل المؤسسات التربوية"، وأضاف أن الهدف هو "تمكين الطفل من استعمال التقنيات الجديدة كوسيلة لتحقيق أهدافه، حتى يكون فاعلاً في الفضاء الافتراضي لا مفعولًا به"، معتبرًا أن هذا التأطير "غير متوفر بالشكل الكافي حاليًا في تونس".
ولفت إلى أن "أغلب الأطفال والمراهقين يكتسبون مهاراتهم الرقمية بشكل ذاتي وتلقائي، دون مسار تربوي منظم، وهو ما يجعل تجربتهم محفوفة بالمخاطر"، وشرح قائلًا: "عندما يكون المسار عشوائيًا وغير مؤطر، فإن التهديدات والسلبيات تصبح أكثر من الإيجابيات، لذلك ينظر البعض إلى الفضاء الافتراضي كأنه غول يداهم الأطفال والشباب".
ومع ذلك، يحذر الشريف من "شيطنة العالم الرقمي"، مشدّدًا على أن "المخاطر موجودة، لكن الفوائد أيضًا كبيرة"، إذ أتاحت التكنولوجيا، وفق قوله، وصول المعرفة والمعلومة دون حدود، ووفرت للأطفال فرصًا غير مسبوقة لتنمية قدراتهم وتوسيع آفاقهم التعليمية والثقافية.
ويخلص إلى أن "الحل لا يكمن في المنع أو العزل، لأن حرمان الأطفال من الولوج إلى الفضاء الرقمي سيخلق فجوة رقمية خطيرة، بل في التأطير والتكوين، فغياب دور الدولة في تمكين الأطفال من الأدوات والمهارات اللازمة للإبحار الآمن هو ما جعل وجودهم في هذا الفضاء عشوائيًا، وجعلهم فريسة سهلة للاستغلال بمختلف أشكاله، خاصة وأنهم يمثلون الشريحة الأكثر استخدامًا لمنصات التواصل الاجتماعي".
مناقشة