عودة المخاوف النووية إلى الواجهة
يرى أستاذ العلوم السياسية الفخري في جامعة مدينة نيويورك، توماس فايس، أن انتهاء المعاهدة دون تمديد أو استبدال سيعيد المخاوف المرتبطة بالتصعيد النووي إلى صدارة النقاشين العام والخبروي. وفي تصريح لوكالة "سبوتنيك"، أكد أن القضايا النووية تعود لتكون من أبرز مصادر القلق العالمي، مشددًا على أن مجرد انتهاء الاتفاقية ينبغي أن ينظر إليه باعتباره تطورًا مقلقًا بحد ذاته.
غياب البدائل وآليات الضبط
ويحذّر فايس من عدم وجود أي بديل عملي لمعاهدة "نيو ستارت" في المرحلة الراهنة، سواء على المستوى الثنائي أو من خلال ترتيبات مؤقتة أو متعددة الأطراف. ويؤكد أن الفراغ المتوقع في منظومة ضبط التسلح قد يفتح الباب أمام سباق تسلح غير معلن، في ظل غياب قواعد واضحة تنظم حجم ونوعية الترسانات النووية الاستراتيجية.
وفي تقييمه لدور المنظمات الدولية، يرى فايس أن الأمم المتحدة لم تكن تاريخيًا لاعبًا رئيسيًا في تنظيم الأسلحة النووية للدول الكبرى، موضحًا أن تأثيرها اقتصر إلى حد كبير على الدول غير النووية. ويضيف أن الواقع الدولي الحالي لا يقدم مؤشرات على إمكانية تغير هذا الدور في المستقبل القريب، ما يعزز من تعقيد المشهد بعد انتهاء المعاهدة.
تآكل الشفافية وقابلية التنبؤ
يشير خبراء إلى أن انتهاء الإطار التعاقدي سيؤدي إلى تراجع كبير في مستويات الشفافية بين موسكو وواشنطن، ويقوض آليات التحقق المتبادل وتبادل البيانات التي وفرتها المعاهدة على مدى سنوات. ويرى فايس أن هذه التطورات ستفاقم حالة عدم اليقين القائمة أصلًا، خاصة في ظل طبيعة القرارات غير المتوقعة التي تطبع سياسات القيادتين الروسية والأمريكية.
المبادرة الروسية: التزام مشروط
في محاولة لتفادي الانزلاق إلى فراغ كامل، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين استعداد بلاده لمواصلة الالتزام بقيود "نيو ستارت" لمدة عام إضافي بعد انتهاء سريانها، شرط أن تلتزم الولايات المتحدة بالنهج نفسه.
وأكد بوتين أن الحفاظ المؤقت على القيود قد يسهم في استقرار الوضع الاستراتيجي، إذا ما توافرت الإرادة السياسية المتبادلة.
الموقف الأمريكي: إشارات بلا رد رسمي
من جانبه، وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المقترح الروسي بأنه "فكرة جيدة"، إلا أن موسكو لم تتلقَ حتى الآن ردًا رسميًا وملموسًا من واشنطن. وفي هذا السياق، أكدت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا أن الجانب الأمريكي لم يقدم عبر القنوات الثنائية أي جواب موضوعي على المبادرة المطروحة منذ سبتمبر/أيلول الماضي.
ترقب حذر قبل الموعد الحاسم
وأشارت زاخاروفا إلى أن روسيا تفضّل التريث وعدم إطلاق استنتاجات مسبقة قبل حلول موعد انتهاء المعاهدة، معتبرة أن الأيام القليلة المتبقية ستكون حاسمة في تحديد مسار المرحلة المقبلة. ومع ذلك، لا يخفي خبراء قلقهم من أن يؤدي غياب أي اتفاق أو التزام متبادل إلى تآكل إضافي في نظام الأمن الاستراتيجي العالمي.
مستقبل غامض لنظام ضبط التسلح
مع انتهاء "نيو ستارت"، قد يجد العالم نفسه أمام واقع جديد تتراجع فيه الضوابط القانونية التي حكمت العلاقات النووية بين القوتين الأكبر لعقود. ويجمع مراقبون على أن استمرار هذا الوضع من دون تفاهمات بديلة يزيد من مخاطر سوء التقدير والتصعيد غير المقصود، في وقت يشهد النظام الدولي توترات غير مسبوقة.