ارتبط مفهوم الديوانية تاريخيًا بفضائل الكرم وحسن الضيافة، حيث كانت وما زالت تمثل حلقة الوصل بين أفراد المجتمع، ومنصة لحل النزاعات، وتداول الأخبار، ونشر الحكمة والثقافة، والمشاركة في الأعمال التطوعية وتقديم الخدمات لأفراد المجتمع.
وفي المملكة العربية السعودية، تطورت هذه المجالس من "مآوى أو مضيفة" للمسافرين وعابري السبيل إلى محاضن فكرية وصالونات أدبية راقية، تلعب دورًا محوريًا في تعزيز اللحمة الوطنية ونقل المعرفة بين الأجيال، لتصبح بمرور الزمن مَعلمًا بارزًا يعكس التوازن الفريد بين الحفاظ على التقاليد والانفتاح على آفاق المستقبل.
وفي قلب الرياض العريقة، وتحديدًا في منطقة "منفوحة" التاريخية، تقف ديوانية آل حسين التاريخية كنموذج حي لهذا الإرث، حيث تمتد مسيرتها لأكثر من مائة وثلاثين عامًا من العطاء المستمر.
لم تكن هذه الديوانية مجرد مكان للقاء أو مجلس لاستقبال عابري السبيل، بل تحولت منذ تأسيسها إلى منبر حضاري رائد وقبلة للزوار من مختلف مناطق المملكة يجمع بين الثقافة والأدب والسياسة، والعمل الاجتماعي والتطوعي والخدمي.
واستضافت الديوانية على مدار عقود نخبة من الأمراء والعلماء والأدباء والمثقفين، وتعمل اليوم كوقف تاريخي يجمع بين مسارين أساسيين؛ الأول يركز على استمرارية الاستضافات النوعية للرموز الفكرية لتعزيز الحوار الثقافي، والثاني ينطلق نحو المسؤولية الاجتماعية الشاملة عبر شراكات استراتيجية مع القطاعات الحكومية والقطاع الثالث، لتصبح مقرًا للندوات والفعاليات التي تخدم المجتمع وتنشر الوعي تحت مظلة العمل الوطني المشترك.
جولة داخل الديوانية
"سبوتنيك" زارت هذا الوقف التاريخي والثقافي، لتستكشف أسرار بقائه وتأثيره في المشهد الثقافي السعودي.
بمجرد أن تطأ قدماك عتبة الديوانية، يستقبلك عبق التاريخ الممتزج برائحة القهوة السعودية الأصيلة التي لا تنطفئ نارها؛ حيث تشرع الديوانية أبوابها على مدار الساعة في تقليد يعكس الكرم العربي غير المشروط، فيجد الزائر نفسه محاطًا بضيافة فورية تشمل التمر والشاي والقهوة، يُقدِّمها القائمون على المكان بابتسامة تعيد إحياء قيم الوفادة التاريخية.
ولا تقتصر هيبة المكان على حفاوة الاستقبال فحسب، بل تمتد لتخطف الأنظار تلك المكتبة التاريخية الضخمة التي تحتضنها ردهات الديوانية؛ فهي خزانة معرفية شاهدة على العصور السابقة، تكتنز بين رفوفها مجموعات نادرة من الكتب والمجلدات، إلى جانب أرشيف ثري من المجلات والصحف القديمة التي توثق بصفحاتها الصفراء تاريخ الديوانية الثقافي الطويل وتؤرخ للتحولات الاجتماعية والفكرية التي عاصرتها المملكة، مما يجعل من الجلوس فيها رحلة استثنائية عبر الزمن.
الضيافة والثقافة
يقول المؤرخ عبد العزيز الحسين، المشرف العام على الديوانية، إن هذا الصرح يجسد العمق التاريخي والإنساني لمدينة الرياض، مشيرًا إلى أن فكرة الاستضافة في الديوانية قديمًا كانت تعتمد على توفير غرف ضيافة مجانية للمسافرين في زمن سبقت فيه الضيافة الأهلية وجود الفنادق، حيث كان يُقدَّم للضيوف القهوة والتمور وسبل الراحة لعدة أيام.
وفي مقابلة مع "سبوتنيك"، يؤكد الحسين أن المصطلح تطور من مجرد "مجالس" داخل المنازل إلى "ديوانيات" وهي أقرب اليوم إلى المنتديات والصالونات الثقافية، حيث تحولت من أدوارها التقليدية في الصلح واستقبال أهل الحاجة إلى محاضن وطنية تدعم المجتمع بالمعرفة، وتواكب الازدهار الكبير الذي تعيشه المملكة في كافة الجوانب الثقافية والإنسانية.
ويشير إلى أن الديوانية تعمل ضمن منظومة تطوعية تحت مظلة الدولة، وبدعم من القيادة التي تهتم بهذه المنابر وما تقدمه من خدمات أهلية.
ويوضح أن أسرة آل حسين تتبارى في الحفاظ على هذا الوقف وإعداد الندوات التي تثري المحتوى الثقافي، مثل الأمسية التي تناولت جهود الملك عبد الله في تطوير التعليم.
ويوضح أن أسرة آل حسين تتبارى في الحفاظ على هذا الوقف وإعداد الندوات التي تثري المحتوى الثقافي، مثل الأمسية التي تناولت جهود الملك عبد الله في تطوير التعليم.
ويشدد المؤرخ السعودي على أن الديوانية تظل مؤسسة وقفية عائلية يدعمها أفراد الأسرة وأوقاف الأجداد، وتحظى بتقدير ودعم من وزارتي الثقافة والإعلام في توثيق المحاضرات ونشرها، لتكون أداة فاعلة في حفظ التاريخ ونشر الثقافة واستضافة العلماء والأدباء كجزء من رسالتها الوطنية السامية.