مبادرة برلمانية في تونس لاعتماد الإنجليزية لغة أساسية في التعليم والإدارات العمومية

في خطوة فتحت بابا واسعا للنقاش داخل الأوساط التربوية والسياسية، بادر عدد من النواب في البرلمان التونسي، بطرح مقترح تشريعي جديد يدعو إلى تعزيز مكانة اللغة الإنجليزية وجعلها لغة أساسية في البلاد، في مسعى يهدف إلى دعم انخراط تونس في المنظومة الدولية المعاصرة.
Sputnik
وتعتمد تونس حاليا اللغة العربية كلغة رسمية للدولة، في حين تحتل اللغة الفرنسية موقع اللغة الثانية، سواء في المناهج التعليمية أو في عدد من الإدارات والمؤسسات العمومية، بينما يظل حضور اللغة الإنجليزية محدودا نسبيا، ويقتصر أساسا على بعض المواد التعليمية أو الاستعمالات التقنية والجامعية الضيقة.
وتقدّم 22 نائبا من كتل برلمانية مختلفة بمقترح قانون يتعلق بـ"تعزيز استعمال اللغة الإنجليزية بالجمهورية التونسية"، من بينها كتل "لينتصر الشعب"، و"صوت الجمهورية"، و"كتلة الأحرار"، و"الخط الوطني السيادي". وقد تم إيداع المقترح لدى لجنة التربية والتكوين المهني والبحث العلمي والشباب والرياضة بمجلس نواب الشعب، تمهيدا للنظر فيه ومناقشته.
وينص الفصل الأول من المبادرة على أن "تُدرَّس اللغة الإنجليزية كلغة أساسية ابتداء من السنة الثانية من المرحلة الأساسية، وأن تعتمد كلغة تدريس في المواد العلمية والتكنولوجية ابتداء من المرحلة الإعدادية"، في تحول جوهري عن النظام اللغوي المعمول به حاليا في التعليم العمومي.
كما تُلزم المبادرة مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي باعتماد اللغة الإنجليزية في مناهج التعليم الجامعي ذات الصلة بالتكنولوجيا، والعلوم الطبيعية والطبية، والاقتصاد، إلى جانب النشر العلمي والبحثي الموجه إلى النشر الدولي.
ولا تقتصر أحكام المقترح على المجال التعليمي فحسب، بل تمتد أيضا إلى الإدارات والهياكل العمومية، إذ ينص الفصل الثالث على اعتماد اللغة الإنجليزية كلغة تعامل ثانية داخل المؤسسات الوطنية، خاصة في مجالات العلاقات الدولية والدبلوماسية، واستقطاب الاستثمارات، والتعاون الاقتصادي، فضلا عن البرمجيات والأنظمة المعلوماتية.
كما تدعو المبادرة الدولة إلى وضع خطة وطنية شاملة للتكوين في اللغة الإنجليزية، تشمل تكوين الأساتذة والمعلمين في مختلف المراحل التعليمية، وتعزيز الكفاءات اللغوية للإطارات والموظفين العموميين، إلى جانب تشجيع المبادرات الخاصة في مجالي التعليم والتدريب باللغة الإنجليزية.
وتستند هذه المبادرة، وفق مبرريها، إلى المكانة العالمية للغة الإنجليزية، التي تُعد الأكثر انتشارا واستخداما كلغة أولى أو ثانية، إذ يتحدث بها ما يقارب 1.8 مليار شخص حول العالم، أي نحو ربع سكان المعمورة.
كما تُعتمد كلغة رسمية أو شبه رسمية في عشرات الدول، وتُعد اللغة المهيمنة في ميادين التجارة الدولية، والدبلوماسية، والبحث العلمي، حتى في بلدان لا ينص دستورها صراحة على رسميتها، ما يجعلها أداة مركزية في التواصل والنفوذ العالمي، وفقا لتقديرهم.
مجتمع
أول دولة تستبدل الإنجليزية بـ625 لغة محليّة

أرضية اجتماعية جاهزة

وفي تصريحات لـ"سبوتنيك"، أوضح النائب عن كتلة صوت الجمهورية، حاتم لباوي، (جهة المبادرة) أن "المبادرة التشريعية المقترحة تنص صراحة على اعتماد اللغة الإنجليزية كلغة ثانية في تدريس المواد العلمية ابتداء من المرحلة الإعدادية، على أن يتم تدريسها بصفة رسمية منذ السنة الثانية من التعليم الابتدائي، عوضا عن اعتمادها حاليا بداية من السنة السادسة فقط".
وأشار لباوي إلى أن "اللغة الإنجليزية، في وضعها الراهن، لا تُدرَّس إلا في النوادي المدرسية أو تُعتمد كلغة أساسية داخل بعض المدارس الخاصة"، معتبرا أن هذا الوضع يمثل "خرقا للقانون التونسي، نظرا لالتزام المدارس الخاصة بتطبيق المناهج الرسمية المعتمدة من الدولة".
وأضاف أن "الهدف الاستراتيجي من المبادرة يتمثل في تكريس اللغة الإنجليزية داخل الجامعات، ولا سيما في الاختصاصات العلمية، مثل علوم الحياة والأرض، والتكنولوجيا، والرياضيات"، مبرزا أن "أغلب الدراسات والبحوث والمقالات العلمية المنشورة عالميا تصدر باللغة الإنجليزية، وهو ما يفسر اختيار عنوان المبادرة المتعلق بـ"تعزيز استعمال اللغة الإنجليزية بالجمهورية التونسية"، وأكد في هذا السياق أن "الإنجليزية موجودة بالفعل في المنظومة التعليمية التونسية، لكنها ما تزال تُدرّس كلغة ثالثة أو مادة اختيارية في التعليم العالي".
كما أشار إلى وجود "أرضية اجتماعية جاهزة" لدعم هذا التوجه، مبرزا أن "الأطفال والمراهقين في تونس يستخدمون اللغة الإنجليزية بكثافة خارج الإطار المدرسي، وخاصة على وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما من شأنه تسهيل إدماجها بشكل أوسع داخل المؤسسات التعليمية".

عراقيل متوقعة

ولم يقتصر نطاق المبادرة، وفقا للنائب حاتم لباوي، على قطاع التعليم فقط، بل يمتد ليشمل الإدارات التونسية، من خلال التكوين اللغوي الإجباري للموظفين في اللغة الإنجليزية.
ولفت إلى أن "الاقتصاد، والبورصة، والتبادلات التجارية العالمية، والبنوك، كلها مجالات تُدار أساسا باللغة الإنجليزية، التي تُعد لغة المال والأعمال في العالم".
واعتبر لباوي أن "هذه المبادرة تمثل "فرصة حقيقية لتونس للالتحاق بالقطار العالمي"، مشيرا إلى أن "اللغة الإنجليزية أصبحت لغة أساسية حتى في دول الشرق الأوسط، في حين ما تزال تونس أسيرة الاعتماد على اللغة الفرنسية، ذات الانتشار الجغرافي المحدود".
وأردف أن "اللغة الفرنسية تكاد تنحصر في شمال أفريقيا وبعض الدول الأفريقية، ولا تحظى بحضور يُذكر في الشرق الأوسط"، ما يجعل الانتقال إلى الإنجليزية خيارا استراتيجيا لا مفر منه".
وفيما يتعلق بالمسار التشريعي للمقترح، شدد لباوي على أن النص المقدّم هو "نسخة أولية قابلة للتعديل"، مؤكدا أنه "سيخضع لمراحل نقاش متعددة داخل البرلمان، بداية بلجنة التشريع العام، ثم لجنة التربية والتكوين المهني والبحث العلمي والشباب والرياضة، قبل أن يُعرض على الجلسة العامة للتصويت".
ولم يُخفِ لباوي توقعه لوجود عراقيل أمام تنفيذ المبادرة، على رأسها ما وصفه بـ"العائق الفرنكوفوني"، مشيرا إلى أن "للفرنكوفونية شبكاتها ونواديها المتجذرة في تونس، وأنها لن تقبل بسهولة بتفعيل مشروع من شأنه أن تكون له تداعيات تتجاوز الحدود الوطنية"، واعتبر أن هذا الأمر يندرج في إطار "صراع نفوذ لغوي وحضاري بين قوى أنجلوسكسونية وفرنكوفونية".
وختم حاتم لباوي تصريحاته بالتأكيد على أن "المبادرة ستواجه داخل البرلمان نفسه مزيجا من الدعم والرفض"، موضحا أن "التفاعل الحالي معها يغلب عليه الطابع العاطفي"، في ظل شبه إجماع على محدودية اللغة الفرنسية، لكنه شدد على أن "النقاش التقني والعملي سيظل الفيصل في تحديد مصير هذا المقترح".
كييف تغير وضع اللغة الإنجليزية وتوسع استخدامها في أوكرانيا

خطوة مهمة لتحقيق القفزة العلمية

وفي تصريحات لـ"سبوتنيك"، قدّم وزير التربية التونسي السابق، ناجي جلول، قراءة فكرية ومعرفية لمسألة اللغات في تونس، معتبرا أن "الجدل القائم لا يقتصر على اختيار لغة بعينها، بل يعكس اختلافا أعمق بين "مدرستين للمعرفة".
وأوضح جلول أن "المدرسة الفرنسية تقوم على تفريق المعرفة حسب الاختصاصات، وهو ما ينعكس في المنظومة التعليمية التونسية من خلال تشعب مسارات الباكالوريا إلى آداب ورياضيات وعلوم وغيرها، وفي المقابل، تقوم المدرسة الأنجلوسكسونية على توحيد المعرفة وربطها ببعضها، وهو خيار قال إنه ينسجم أكثر مع متطلبات العصر".
وفي ما يتعلق بالجانب اللغوي، شدد جلول على أن "اللغة الإنجليزية باتت مهيمنة على الإنتاج المعرفي العالمي"، مبرزا أن "أكثر من 90% من الإنتاج العلمي اليوم يُنشر باللغة الإنجليزية"، وأضاف أن "هذه اللغة لم تعد مقتصرة على البحث الأكاديمي، بل أصبحت حاضرة حتى في تفاصيل الحياة اليومية، فحتى دليل استعمال أي آلة أو جهاز تجده مكتوبا بالإنجليزية".
وأشار الوزير السابق إلى أن "عدد الناطقين باللغة الإنجليزية عالميا يناهز مليارا ونصف المليار شخص، وأنها اللغة الأولى المعتمدة رسميا على نطاق واسع، فضلا عن كونها اللغة الأساسية المعتمدة داخل المنظمات الدولية".
وانتقد جلول في هذا السياق "ضعف تصنيف الجامعات التونسية عالميا"، معتبرا أن من بين أسبابه الجوهرية "الفجوة اللغوية بين لغة التدريس ولغة البحث العلمي".
وأوضح أن "البحوث الأكاديمية تُنجز أساسا باللغة الإنجليزية، في حين يتلقى الطلبة تكوينهم الجامعي باللغة الفرنسية، وهو ما ينعكس سلبا على قدرتهم على الاندماج في الإنتاج العلمي الدولي".
وكشف جلول عن "ضعف كبير" في مستوى إتقان اللغة الإنجليزية داخل الجامعات التونسية، مشيرا إلى أن "نحو 90% من الطلبة يعانون صعوبات جدية في هذه اللغة".
وعاد جلول إلى فترة توليه وزارة التربية، مذكّرا بأنه "اقترح آنذاك نموذجا لغويا يقوم على اعتماد ثلاث لغات في تونس، على غرار عدد من الدول الآسيوية، وهي العربية والفرنسية والإنجليزية".

واعتبر أن "الإبقاء على الفرنسية كلغة ثانية وحيدة لم يعد مجديا، خاصة وأنها لا تُستخدم في المجالس العلمية المحكمة"، مؤكدا أن اعتماد الإنجليزية كلغة أساسية من شأنه أن يحقق قفزة علمية حقيقية" لتونس".

وختم ناجي جلول تصريحاته بالتأكيد على أن "العربية يجب أن تظل اللغة الغالبة باعتبارها اللغة الأم، على أن يتم اعتماد الفرنسية والإنجليزية بشكل متوازن، بما يسمح للطالب التونسي بإتقان 3 لغات بكفاءة".
وانتقد في المقابل ما وصفه بـ"التغوّل الكبير للغة الفرنسية" داخل التعليم الإعدادي والثانوي إلى حد أنها تُستخدم أكثر من اللغة العربية نفسها.
مناقشة