تهريب العملة الصعبة في ليبيا أحد أبرز أسباب تفاقم أزمة السيولة النقدية

في ظل استمرار أزمة السيولة النقدية التي تعاني منها ليبيا منذ سنوات، يبرز تهريب العملة الصعبة كأحد أبرز العوامل التي ساهمت في استنزاف الاحتياطي الأجنبي وتعميق الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازي، وإضعاف الثقة في النظام المصرفي، ولم يعد هذا الملف مجرد تجاوزات مالية معزولة، بل تحول إلى عنصر مؤثر في الاستقرار النقدي والاقتصادي للبلاد.
Sputnik
وحول هذا الموضوع، قال المصرفي والكاتب الصحفي كمال المزوغي في تصريح خاص لوكالة "سبوتنيك" إن ليبيا تعاني منذ سنوات من أزمة سيولة نقدية داخل الجهاز المصرفي رغم توفر احتياطات من النقد الأجنبي لدى المصرف المركزي.
أزمة مصرف ليبيا المركزي بين تخفيض الدينار وضغوط الانقسام السياسي
وأوضح أن جزءًا كبيرًا من الكتلة النقدية كان مخزنًا في منازل المواطنين خارج الدورة الاقتصادية، وهو ما حد من ارتفاع معدلات التضخم نسبيًا، في حين أن الجزء الآخر من الأزمة نتج عن تهريب العملة الصعبة واستنزافها خارج الأطر القانونية.
وبين أن آليات تهريب العملة الصعبة تتلخص في عدة صور، أبرزها الاعتمادات المستندية الوهمية أو المبالغ في قيمتها من خلال فواتير استيراد مضخمة مقابل سلع غير مطابقة أو غير موردة أصلًا، إضافة إلى المضاربة على فارق السعر بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازي، وكذلك التحويلات الخارجية التي تتم بغطاء تجاري أو خدمي غير حقيقي.
وأشار إلى أن العلاقة بين استنزاف العملة الصعبة وأزمة السيولة تكمن في استنزاف الاحتياطي الأجنبي وزيادة الكتلة النقدية المحلية دون تغطية حقيقية، فضلًا عن أن تهريب العملة يعزز نشاط السوق السوداء ويشوه الثقة في الجهاز المصرفي، ما أدى إلى ظهور ما يمكن تسميته بالهلع النقدي، والذي يتجلى في تصاعد الضغط على السحب النقدي، فكلما زادت الشكوك حول عدالة توزيع النقد الأجنبي اتجه الأفراد إلى اكتناز السيولة خارج المصارف.
وأكد المزوغي أن الآثار الاقتصادية لتهريب العملة الصعبة تتمثل في ارتفاع معدلات التضخم وتراجع القوة الشرائية للدينار وضعف الاستقرار النقدي واتساع الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازي.
وللحد من هذه الظاهرة أو التخفيف من آثارها، دعا إلى تشديد الرقابة على الاعتمادات والتحويلات الخارجية وربط الإفراج عن النقد الأجنبي بإثباتات توريد فعلية، وتطوير أنظمة الامتثال ومكافحة غسل الأموال بصورة واقعية ومنظمة، وأوضح أن ما يطبق حاليًا تحت مسمى الامتثال بعيد عن جوهر ثقافة الامتثال الحقيقية بسبب غياب الكوادر المؤهلة، حيث تحولت مهام الامتثال من الرقابة الفعلية على حركة الأموال ورصد العمليات المشبوهة إلى أعمال إدارية يومية لا علاقة لها بجوهر مكافحة غسل الأموال مثل متابعة الصيانة والخدمات.
مصرف ليبيا المركزي يقرر خفض قيمة الدينار بنسبة 14.7% أمام حقوق السحب الخاصة
كما شدد على ضرورة توحيد السياسات النقدية وتعزيز الشفافية، مؤكدًا في ختام تصريحه أن تهريب العملة الصعبة ليس مجرد مخالفة مالية بل عامل رئيسي في تعميق أزمة السيولة في ليبيا لما يسببه من استنزاف للاحتياطي وزيادة في المضاربة وإضعاف للثقة في النظام المصرفي.
في ذات السياق، قال المستشار الاقتصادي وحيد الجبو في تصريح لوكالة "سبوتنيك" تعليقًا على سؤال حول تقييمه لحجم ظاهرة تهريب العملة الصعبة في ليبيا خلال السنوات الماضية إن البلاد شهدت خلال تلك الفترة حالة من الارتباك وسوء الإدارة، لا سيما فيما يتعلق بآلية بيع العملة للمخصصات الشخصية.
وأوضح أن منظومة أرباب الأسر أتاحت لكل فرد مخصصًا من النقد الأجنبي، وكان بعض المواطنين في حاجة فعلية إليه، بينما لجأ آخرون إلى بيعه في السوق الموازي حيث جرى تهريب جزء منه إلى الخارج عبر وسطاء.
محللون: غياب التنسيق بين المركزي والاقتصاد يعيق حل الأزمة النقدية في ليبيا
وأضاف أن رب الأسرة كان يرى من حقه الحصول على المخصص المحدد له والمقدر بنحو 500 دولار للفرد للاستفادة منه، إلا أن غياب الرقابة الفعالة فتح المجال أمام الاستغلال والمضاربة.
وأشار الجبو إلى أن ملف الاعتمادات المستندية لم يشهد ترشيدًا كافيًا في تلك السنوات، لافتًا إلى وقوع تجاوزات تمثلت في فتح اعتمادات لتجار محددين ورفض طلبات أخرى، إضافة إلى اكتشاف حالات خصصت فيها مبالغ كبيرة لاستيراد سلع، لكن لم يتم توريد تلك السلع فعليًا.
وبين أن بعض الاعتمادات كانت تفتح بقيم تصل إلى عشرات الملايين من الدولارات، بينما يتم استيراد بضائع بقيمة أقل بكثير ويهرب الفارق إلى الخارج.
وأضاف أن تقارير صادرة عن مصرف ليبيا المركزي ومصلحة الجمارك الليبية أكدت خروج مبالغ كبيرة من العملة الصعبة دون مقابل سلعي حقيقي، ما حرم الاقتصاد الليبي من قيمة مضافة كانت ستتمثل في مواد تشغيل أو معدات أو سلع أساسية.
مصرف ليبيا المركزي يعيد تنظيم بوابة النقد الأجنبي
وفيما يتعلق بأزمة السيولة، أوضح الجبو أنها مشكلة قائمة منذ سنوات وترتبط بعوامل عدة، من بينها فقدان الثقة بين المواطن والمصارف التجارية، وأشار إلى أن بعض المصارف كانت تتوقف عن تقديم خدمات معينة أو تحد من السحب النقدي، الأمر الذي دفع التجار وأصحاب الأعمال إلى الامتناع عن إيداع أموالهم في البنوك، خاصة عندما يسمح لهم بسحب مبالغ محدودة لا تتناسب مع حجم إيداعاتهم.
وأضاف أن هذا الوضع انعكس أيضًا على المواطنين العاديين، حيث لجأ كثيرون إلى الاحتفاظ بأموالهم في منازلهم بدلًا من إيداعها في حساباتهم الجارية خوفًا من صعوبة السحب أو الانتظار في طوابير طويلة، ما أدى إلى تجفيف السيولة داخل المصارف وفاقم الأزمة.
وأكد الجبو أن تهريب النقد الأجنبي يعد عاملًا مضرًا بالاقتصاد، إذ يسهم في حرمان الدولة من موارد كان يمكن أن تتحول إلى استثمارات أو واردات إنتاجية، كما شدد على أن الفارق بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازي يمثل الدافع الرئيسي لعمليات التهريب، حيث يحصل البعض على العملة الأجنبية بالسعر الرسمي ثم يعيد بيعها في السوق السوداء لتحقيق أرباح سريعة.
برعاية أممية... توقيع اتفاق بين مجلسي النواب والدولة لحل أزمة مصرف ليبيا المركزي
ولفت إلى أن بعض المهربين يقومون بتحويل أموال إلى الخارج لتكوين أرصدة في مصارف أجنبية أو لشراء عقارات وأصول مختلفة، ثم يعاد إدخال جزء من هذه الأموال إلى السوق المحلية وبيعها بسعر السوق الموازي، ما يعمق الاختلالات النقدية ويزيد من الضغط على الدينار الليبي.
وكان مصرف ليبيا المركزي قد أعلن، في بيان رسمي تحصلت "سبوتنيك" على نسخة منه منتصف الشهر الماضي، عن تعديل سعر صرف الدينار الليبي أمام وحدة حقوق السحب الخاصة (SDRs) بخفض قيمته بنسبة 14.7%، وذلك استنادًا إلى توصيات لجنة السياسة النقدية.
وأوضح المركزي أن القرار جاء في ظل التطورات الاقتصادية والمالية التي يشهدها الاقتصاد الوطني وما يواجهه من تحديات ناتجة عن استمرار الانقسام السياسي وانعكاساته السلبية على الأوضاع الاقتصادية، إلى جانب المتغيرات الاقتصادية الدولية وتراجع أسعار النفط وما ترتب عليه من انخفاض في الإيرادات النفطية.
وبموجب القرار أصبح كل دينار ليبي يعادل 0.1150 وحدة حقوق سحب خاصة بدلاً من 0.1348 وحدة، في خطوة تهدف إلى التعامل مع الضغوط المالية والنقدية الراهنة.
وأشار البيان إلى أن هذا الإجراء يأتي في ظل استمرار غياب ميزانية عامة موحدة للدولة وتنامي الإنفاق العام بوتيرة غير مستدامة واستمرار الازدواجية في الصرف خارج الأطر المالية المنضبطة دون مراعاة القدرة الاستيعابية والتمويلية للاقتصاد الوطني.
وأكد المصرف أن القرار يندرج ضمن حزمة إجراءات تستهدف الحفاظ على الاستقرار المالي والنقدي وضمان استدامة الموارد العامة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد.
مناقشة