فرغم الجهود المحلية والدولية الرامية إلى دفع العملية السياسية نحو تسوية شاملة، لا تزال الخلافات بين الأطراف الرئيسية تعيق الوصول إلى توافق يُنهي المراحل الانتقالية المتعاقبة، ويمهد الطريق لإجراء انتخابات طال انتظارها، وقد انعكس هذا التعثر بشكل مباشر على أداء مؤسسات الدولة، وألقى بظلاله على الأوضاع المعيشية للمواطنين، في وقت تتصاعد فيه الدعوات لإيجاد حلول واقعية تضع حدًا لحالة الانقسام، وتؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار السياسي.
غياب الحلول
من جانبه، قال المحلل السياسي الليبي، حسام الدين العبدلي، إن "حالة الانسداد السياسي والجمود لا تزال مستمرة، في ظل غياب أي مؤشرات حقيقية لحلول تلوح في الأفق، الأمر الذي ساهم في تفاقم الأوضاع الاقتصادية، وانعكس بشكل مباشر على حياة المواطنين".
وأضاف العبدلي في تصريحات لـ"سبوتنيك"، أن "الليبيين كانوا يترقبون نتائج تحركات بعثة الأمم المتحدة، خاصة بعد إعلانها عن خارطة طريق تتضمن عدة مسارات، من بينها إمكانية إعادة تشكيل مجلس المفوضية العليا للانتخابات، وتعديل القوانين الانتخابية، وصولا إلى إجراء الانتخابات".
وتابع أن "البعثة اتجهت نحو "الحوار المهيكل"، مؤكدة أن توصياته ستكون غير ملزمة، وهو ما يجعله مشابها إلى حد كبير للجنة الاستشارية التي أطلقتها البعثة سابقا"، بحسب رأيه.
وتساءل العبدلي عما "إذا كانت البعثة الأممية بصدد تكرار نفس النهج السابق، أم أنها تسهم بشكل غير مباشر في إطالة أمد الأزمة"، مشيرا إلى أن "اللجنة الاستشارية قدمت بالفعل مقترحات، في حين أن مخرجات الحوار الجديد لن تكون ملزمة، وهو ما يثير تساؤلات حول جدوى هذه المسارات وقدرتها على تحقيق تقدم حقيقي في العملية السياسية".
وأشار إلى أن "الليبيين كانوا يأملون في التوصل إلى حل ليبي – ليبي ينهي حالة الانقسام، إلا أنه لا يتوقع حدوث توافق بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، في ظل استمرار الخلافات السياسية"، مؤكدا أن "استمرار هذا الوضع يلقي بظلاله على المشهد الاقتصادي، ويزيد من معاناة المواطنين في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية".
وأضاف أن "الأزمة السياسية الراهنة انعكست بشكل واضح على الأوضاع المعيشية، إذ يعاني المواطنون من ضعف المرتبات وارتفاع تكاليف الحياة، ما يجعل تلبية الاحتياجات الأساسية أمرًا بالغ الصعوبة، واصفًا الوضع الاقتصادي بأنه “بالغ التعقيد” ويتطلب حلولا عاجلة وجذرية".
وأكد العبدلي أن "تحرك الشارع الليبي قد يشكل عامل ضغط على الأجسام السياسية، ويدفعها إلى إعادة النظر في مواقفها"، مشددا في الوقت ذاته على "أهمية وحدة الليبيين وتجنب الانقسامات، والعمل بشكل جماعي للمطالبة بإيجاد حلول تنهي الأزمة السياسية".
واعتبر أن "إحاطة مبعوثة الأمم المتحدة أمام مجلس الأمن لم تقدم جديدا ملموسا، ولم ترتقِ إلى مستوى تطلعات الليبيين"، مشيرًا إلى أن "دور البعثة الأممية كان محوريا في مراحل سابقة، إلا أن المرحلة الحالية، بحسب رأيه، تتطلب مراجعة شاملة للمسار السياسي، بما يضمن تحقيق تقدم حقيقي نحو الاستقرار وإجراء الانتخابات".
عوامل متداخلة
من جانبه، يرى المحلل السياسي الليبي، عبد الله الديباني، أن "حالة الجمود السياسي في ليبيا يمكن إرجاعها إلى عدة عوامل متداخلة، من أبرزها تضارب المصالح بين بعض القوى السياسية وتمسكها بمواقعها دون تقديم تنازلات وطنية حقيقية، إلى جانب غياب قاعدة دستورية متوافق عليها تنهي المراحل الانتقالية المتكررة التي تمر بها البلاد منذ سنوات".
وأضاف الديباني في تصريحات لـ"سبوتنيك" أن "التدخلات الخارجية ساهمت بشكل كبير في تعميق الانقسام السياسي، وأعاقت الوصول إلى حل وطني خالص، فضلا عن ضعف بعض المؤسسات التنفيذية في فرض سيادة القانون على كامل التراب الليبي".
وأشار إلى أنه "في هذا السياق برز دور القوات المسلحة في منع انزلاق البلاد نحو الفوضى، والمحافظة على قدر من الاستقرار الأمني، الذي يعد شرطًا أساسيًا لنجاح أي عملية سياسية".
وأوضح أن "التداعيات السياسية لهذا الجمود تتمثل في استمرار الانقسام المؤسسي وازدواجية السلطة، وهو ما أدى إلى تآكل الثقة الشعبية في الأجسام السياسية القائمة، أما على الصعيد الاقتصادي، فقد انعكس الجمود في تعطّل خطط التنمية والإعمار، خاصة في مناطق برقة وفزان، إضافة إلى إرباك السياسات المالية وتذبذب الإنفاق العام، الأمر الذي أثّر سلبا على مسار التنمية والاستقرار الاقتصادي".
وأشار الديباني إلى أن "التداعيات الأمنية لا تقل خطورة، إذ يبرز احتمال عودة نشاط الجماعات المتطرفة أو شبكات الجريمة المنظمة في ظل الفراغ السياسي، فضلا عن استمرار تعطيل جهود توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية".
وأكد أن "الحفاظ على مؤسسة عسكرية موحدة ومنضبطة يمثل صمام أمان للدولة، ويسهم في منع انهيارها رغم تعثر المسار السياسي".
وقال الديباني: "تظل المبادرات المحلية والدولية مهمة في محاولة كسر حالة الانسداد السياسي، لكنها غالبا ما تواجه عقبات رئيسية، من أبرزها غياب الإرادة السياسية الجامعة بين مختلف الأطراف".
وأكد أن "نجاح أي مبادرة يتطلب إشراك جميع الفاعلين المؤثرين دون إقصاء، واحترام سيادة ليبيا ورفض فرض حلول خارجية، إلى جانب دعم المؤسسة العسكرية النظامية باعتبارها إحدى ركائز الاستقرار".
وأضاف أن "تنفيذ أي مخرجات سياسية على أرض الواقع يظل مرتبطا بتوفر بيئة أمنية مستقرة وفرض هيبة الدولة، وهو ما يعزز أهمية دور القيادة العامة للقوات المسلحة في تهيئة الظروف المناسبة للحوار السياسي وتحقيق الاستقرار".
وأوضح، عبد الله الديباني، أن "استمرار الجمود يعني بقاء الوضع الانتقالي لفترة أطول، مع تصاعد الضغوط الشعبية المطالبة بإعادة هيكلة المشهد السياسي، واستمرار المؤسسة العسكرية في أداء دورها لضبط الأمن ومنع الانهيار. أما في حال التوصل إلى توافق سياسي، فقد يشمل ذلك الاتفاق على قاعدة دستورية تمهد لإجراء انتخابات عامة، وتوحيد المؤسسات التنفيذية والمالية، وتعزيز دور القوات المسلحة كمؤسسة وطنية موحدة تسهم في حماية الإرادة الشعبية".
وتابع مؤكدا أن "الاستقرار الأمني يبقى حجر الأساس لأي تسوية سياسية مستدامة في ليبيا"، مشيرا إلى أنه "في ظل التعقيدات الراهنة، تلعب القيادة العامة للقوات المسلحة الليبية دورا محوريا في حماية وحدة البلاد، ومكافحة الإرهاب، ومنع الانزلاق إلى الفوضى، بما يسهم في تهيئة الأرضية اللازمة لبناء دولة مستقرة تقوم على مؤسسات فاعلة".