ويطرح هذا التعديل تساؤلات واسعة بشأن مدى توافقه مع الأطر الدستورية والقانونية المنظمة لعمل السلطة التنفيذية، خاصة في ظل انتهاء المدة الزمنية المحددة للحكومة وفق خريطة الطريق التي أقرها ملتقى الحوار السياسي الليبي.
كما يخشى الليبيون أن يؤدي هذا التعديل إلى تعقيد المشهد السياسي أكثر، وربما يساهم في إطالة أمد الأزمة وتأجيل الاستحقاق الانتخابي الذي ينتظره الليبيون منذ سنوات.
غياب الشرعية
من جهته، أفاد الأكاديمي الليبي، راقي المسماري، بأنه "لا توجد شرعية قانونية أو دستورية للتعديل الوزاري، ما دامت حكومة الوحدة الوطنية الحالية قد تحصّلت على الثقة من مجلس النواب في مارس/ آذار 2021"، مؤكدا أنه "كان يتوجب العودة إلى البرلمان لغرض إعادة تشكيل الحكومة أو تجديد منح الثقة لها".
ويرى المسماري في تصريحات لـ"سبوتنيك"، أن "المجلس الرئاسي الذي يعد الغطاء السياسي لحكومة الوحدة الوطنية، أصدر بيانا أوضح فيه هذه المسائل"، مؤكدا أنه "لا يمكن اختزال التعديل الحكومي في قرار يتخذه رئيس الحكومة منفردا، سواء باختيار بعض الوزراء أو تجديد الثقة فيهم أو إحلال وزراء جدد محل آخرين".
ومن ناحية أخرى، أكد المسماري أنه "لم تعد هناك الأهمية التنفيذية ذاتها على مستوى السلطة التنفيذية لمسألة منح البرلمان الشرعية للحكومة أو التصويت على التعديل الحكومي أو إقرار منح الثقة لها، وذلك لأن مجلس النواب كان قد سحب الثقة من حكومة الوحدة الوطنية بموجب قراره رقم (10) لسنة 2021".
وأشار إلى أنه "ربما يكون هناك توجه نحو إصلاح حكومي أو تعديل وزاري يسعى من خلاله رئيس حكومة الوحدة الوطنية إلى ضم بعض الأطراف في المنطقة الغربية بهدف توسيع نطاق نفوذه السياسي هناك، خاصة في ظل ما وصفه بتراجع سيطرة الحكومة خلال الفترة الأخيرة واقتصارها على أجزاء من العاصمة طرابلس، وليس على كامل أحيائها"، لافتا إلى أن "بعض المناطق الكبرى في العاصمة، مثل منطقة سوق الجمعة، تقع خارج نطاق سيطرة الحكومة. ويرجّح أن رئيس الحكومة يسعى من خلال هذا التعديل إلى تحقيق مكاسب سياسية تتمثل في توسيع نفوذه في مدن ومناطق وضواحي بالمنطقة الغربية".
كما لفت إلى "وجود حالة من الترهل داخل بعض الوزارات"، مشيرا إلى أن "الحكومة شهدت في فترات سابقة استقالات لعدد من الوزراء، لا سيما خلال الحراك الشعبي الرافض لبعض السياسات الحكومية، ومنها ما يتعلق بملف التطبيع، إضافة إلى رفض بعض الإجراءات التي اعتبرها الشارع غير مقبولة، وعلى إثر ذلك، استقال عدد من الوزراء، في حين جرى تكليف آخرين بتسيير مهام الوزارات الشاغرة، وهو ما قد يجعل التعديل الحالي محاولة للجمع بين التوسع السياسي وإعادة الترتيب الإداري داخل الحكومة".
وفيما يتعلق بالاستحقاق الانتخابي المنتظر، قال المسماري إنه "لا يوجد ما يشير إلى إمكانية توجه الدولة الليبية في وضعها الحالي نحو إجراء انتخابات"، موضحا أن "العملية الانتخابية تتطلب تسويات وصفقات سياسية وتوافقات بين الأطراف المختلفة، إضافة إلى تشريعات وتعديلات دستورية وتفاهمات دولية، وهي أمور لا تبدو متوفرة في الوقت الراهن".
واعتبر أن "هذا التعديل قد يسهم في إطالة أمد الأزمة السياسية"، مشيرا إلى أن "رئيس المجلس الرئاسي لم يحصل على حصته في التشكيل الحكومي المعدل الذي أعلنه رئيس حكومة الوحدة الوطنية، وهو ما قد يفسر تقاربه مع البيان الصادر عن رئيس الحكومة الليبية أسامة حماد، الذي دعا فيه إلى ضرورة إجراء حوار شامل وتشكيل حكومة موحدة".
وأضاف أن "الجميع يدرك وجود أزمة اقتصادية ونقدية ومالية في البلاد، غير أن التحرك نحو الحلول ما يزال محدودا، لأن أي حلول حقيقية تتطلب تقديم تنازلات والتخلي عن بعض الصلاحيات والمناصب والامتيازات، وهو ما لم يحدث حتى الآن".
وأشار إلى أن "العديد من الأطراف تسعى إلى إيجاد حلول اقتصادية مع بقائها في مواقعها، رغم أن وجود بعضها قد يمثل عائقا أمام التوصل إلى حلول اقتصادية منتظرة".
وأكد أن "المشهد في ليبيا متشابك" ومعقد، معتبرا أن "التعديل الحكومي الجاري لا يعدو كونه محاولة لترميم إداري داخل حكومة الوحدة الوطنية، إلى جانب السعي لكسب مزيد من النفوذ السياسي".
صلاحيات محددة
من جانبه، قال المحلل السياسي الليبي، عبد الله الديباني، إن "مسألة قانونية وشرعية التعديل الوزاري الذي أجرته حكومة الوحدة الوطنية ترتبط بمدى التزامه بالأطر الدستورية والقانونية المعمول بها في ليبيا، وبما يتوافق مع مخرجات الاتفاق السياسي وخارطة الطريق التي حددت صلاحيات الحكومة ومدتها".
وأضاف الديباني في تصريحات لـ"سبوتنيك"، أن "أي تعديل وزاري يجب أن يتم وفق هذه الأطر"، مشيرا إلى أن "مجلس النواب بصفته السلطة التشريعية المنتخبة والمخوّلة بمنح الثقة للحكومات أو سحبها، يعد الجهة المختصة بالنظر في مثل هذه التعديلات".
وتابع أن "أي تعديل وزاري لا يكتسب المشروعية الكاملة إلا بعد عرضه على مجلس النواب ونيل موافقته"، مؤكدا أن "أي إجراءات تتم خارج هذا الإطار تبقى محل جدل قانوني وسياسي، وتؤكد الحاجة إلى العودة للمؤسسات الشرعية واحترام اختصاصاتها".
وأضاف أن "الإصلاح الحقيقي للأداء الحكومي لا يتحقق بمجرد إجراء تعديلات شكلية في المناصب، بل يتطلب معالجة شاملة لعدد من الملفات الجوهرية، من بينها الإدارة المالية، وتوحيد المؤسسات، إضافة إلى الالتزام بمبادئ الشفافية والمساءلة".
وأشار الديباني إلى أنه "في ظل غياب التنسيق مع السلطة التشريعية، قد يُنظر إلى هذا التعديل على أنه خطوة ذات طابع سياسي أكثر من كونه إصلاحاً فعلياً للأداء الحكومي، الأمر الذي قد يسهم في تعميق حالة الانقسام بدلا من معالجتها، خاصة إذا لم يكن جزءا من رؤية وطنية متفق عليها بين مختلف المؤسسات".
وأكد أن "الأولوية الوطنية في هذه المرحلة يجب أن تتركز على الوصول إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية تنهي المراحل الانتقالية المتعاقبة التي تمر بها البلاد"، وأضاف أن "أي إجراءات أحادية من شأنها أن تربك المشهد السياسي أو تعيد طرح مسألة شرعية المؤسسات، قد تؤثر سلباً على مسار العملية السياسية".
وشدد على "ضرورة التركيز على تهيئة الظروف القانونية والسياسية والأمنية اللازمة لإجراء الانتخابات، بدلاً من اتخاذ خطوات قد تخلق مزيدا من الجدل حول الصلاحيات والشرعية".
واعتبر عبد الله الديباني أن "الأزمة السياسية في ليبيا لا يمكن حلها من خلال إجراءات منفردة أو قرارات لا تحظى بتوافق وطني واسع، موضحاً أنه إذا لم يكن التعديل الوزاري جزءاً من مسار سياسي شامل ومتفق عليه بين المؤسسات، فقد يسهم في إطالة أمد الأزمة وتعقيد المشهد السياسي".
وأكد أن "الحل الحقيقي يكمن في احترام المسارات الدستورية، وتعزيز دور المؤسسات الشرعية، والعمل بشكل جاد نحو إنجاز الانتخابات وتوحيد السلطة التنفيذية وفق إرادة الشعب".
أزمة عميقة
فيما يرى المحلل السياسي الليبي، حسام الدين العبدلي، أن "الجدل حول قانونية التعديل الوزاري في حكومة الوحدة الوطنية يعكس أزمة أعمق تتعلق بتعامل الأجسام السياسية مع القانون"، مؤكدا أن "مختلف الأطراف السياسية في ليبيا لا تعير اهتماما حقيقيا للتشريعات، بل تتصرف وفق ما يخدم مصالحها الخاصة بعيداً عن المصلحة الوطنية".
وأوضح العبدلي في تصريحات لـ"سبوتنيك" أن "الجهات السياسية النافذة لا تلتزم بالتشريعات القانونية أو الاتفاقات السياسية، ولا تضع المصلحة الوطنية في مقدمة أولوياتها لإنهاء الأزمة التي تعاني منها البلاد"، محذرا من أن "استمرار هذا النهج قد يقود ليبيا إلى مزيد من التدهور".
وأضاف أن "المشكلة الأساسية تكمن في تجاوز الجميع للقانون، إذ يرى كل طرف نفسه صاحب الشرعية، في حين أن غالبية الأجسام السياسية فقدت شرعيتها وانتهت صلاحيتها، بما في ذلك مجلس النواب والدولة، والحكومتان القائمتان".
وأشار إلى أنه "رغم التجاوزات التي تُسجل على حكومة الوحدة الوطنية، فإن التعديل الوزاري قد يطرح أسماء جديدة في بعض الحقائب الوزارية، بحكم أن هذه الحكومة هي المعترف بها دوليا وتعمل من العاصمة طرابلس، ولها ارتباط مباشر بالوضع السياسي والمعيشي للمواطنين"، لافتا إلى أن "أي تغيير حكومي قد ينعكس بشكل مباشر على الأوضاع في ليبيا وعلى حياة المواطنين".
وأضاف العبدلي أن "الأسماء التي جرى طرحها كبدلاء في الحكومة لا تبدو، من وجهة نظره، من بين الشخصيات التي تمتلك الكفاءة الكافية لقيادة وزارات في العاصمة طرابلس".
وأوضح أن "رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية، عبد الحميد الدبيبة، كان قد برر في عدة مناسبات ضعف حكومته بأن بعض الوزراء لم يقم هو بتعيينهم بل جرى ترشيحهم من قبل مجلس النواب، إلا أنه وبعد أن أتيحت له الفرصة لتعيين وزراء جدد، لم تكن الاختيارات على مستوى الكفاءة المطلوبة، إذ جاءت وفق اعتبارات المحاصصة أو العلاقات الشخصية أو النفوذ".
وتابع قائلا إن "هذا المسار يعيد البلاد إلى المربع الأول، في ظل استمرار مظاهر الفساد الإداري والمالي، مشيراً إلى قضايا الفساد التي طالت بعض الوزراء في السابق".
ولفت إلى أن "ليبيا تزخر بكفاءات وطنية وشخصيات تتمتع بالنزاهة والقدرة على الإدارة، إلا أن ما يحدث حاليا يعكس، عودة إلى النهج ذاته".
وشدد على "ضرورة إزاحة جميع الأطراف السياسية من المشهد، معتبرا أن استمرار هذه الحكومة يحمل في طياته سلبيات أكثر من الإيجابيات".
وقال العبدلي إن "التعديلات الوزارية أدخلت المشهد الليبي في مرحلة جديدة، تمثلت في بروز انقسام داخل قائمة جنيف نفسها، التي ضمّت، محمد المنفي، رئيسا للمجلس الرئاسي، وعبد الحميد الدبيبة، رئيسا للحكومة".
وأشار إلى أن "المنفي يبدو متحفظا على قانونية هذه التعديلات، كما يظهر متضامنا مع المبادرة التي طرحها أسامة حماد، رئيس الحكومة الليبية، والتي تدعو إلى خروج جميع الأجسام السياسية من السلطة".
وأضاف أن "موقف المنفي قد يُفهم على أنه موافقة ضمنية على هذه المبادرة، في ما يشبه رسالة سياسية موجهة إلى الدبيبة، مفادها أن التعديلات الوزارية ربما تجاوزت صلاحيات المجلس الرئاسي"، معتبرا أن "هذا التطور قد يفتح الباب أمام تحالفات سياسية جديدة، في إطار ما وصفه بلعبة المصالح السياسية".
وتابع مؤكدا على أن "بعض الساسة في ليبيا يتعاملون مع السلطة وكأنها ملك خاص، في حين أن هذه المناصب يفترض أن تُمارس وفق معايير المسؤولية العامة، باعتبارهم مؤتمنين على إدارة شؤون الدولة وخدمة المواطنين".