ورغم البعد الجغرافي لتونس عن بؤر التوتر، فإن طبيعة النشاط السياحي تجعله شديد الحساسية تجاه التطورات الأمنية والسياسية الدولية.
وبين المخاوف من تراجع الطلب السياحي والرهانات على استقرار الوجهة التونسية، يترقب الفاعلون في القطاع مآلات هذا التصعيد وتأثيراته غير المباشرة.
ويأتي هذا التساؤل في وقت تراهن فيه تونس على موسم سياحي واعد بعد المؤشرات الإيجابية التي سجلها القطاع خلال الأشهر الماضية، سواء من حيث ارتفاع عدد الوافدين أو تحسن العائدات السياحية.
غير أن التجارب السابقة أظهرت أن السياحة، باعتبارها نشاطا مرتبطا بالثقة والاستقرار، تبقى من أكثر القطاعات تأثرا بالتوترات الجيوسياسية، حتى وإن كانت بعيدة جغرافيا عن مناطق الصراع.
وغالبا ما تنعكس الأزمات العسكرية في الشرق الأوسط على صورة المنطقة بأكملها في أذهان السياح والأسواق المصدرة للسفر، خصوصا في أوروبا، حيث قد يخلط بعض المسافرين بين دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ما يؤدي أحيانا إلى حالة من الحذر أو التريث في اتخاذ قرار السفر.
كما يمكن أن تفضي مثل هذه التطورات إلى اضطرابات في حركة الطيران الدولية أو ارتفاع في تكاليف النقل والطاقة، وهي عوامل تؤثر بدورها في كلفة الرحلات والطلب السياحي.
في المقابل، يرى بعض المتابعين أن تأثير هذه التوترات قد لا يكون بالضرورة سلبيا بالكامل بالنسبة لتونس، خاصة إذا ما حافظت البلاد على صورتها كوجهة مستقرة نسبيا في جنوب المتوسط.
ففي بعض الحالات، تدفع الأزمات في مناطق معينة السياح إلى البحث عن بدائل أكثر هدوءا، وهو ما قد يعزز جاذبية وجهات متوسطية أخرى.
وبين هذه السيناريوهات المتباينة، يظل السؤال مطروحا حول مدى قدرة القطاع السياحي التونسي على تحصين مكاسبه في ظل مناخ دولي مضطرب، وحول طبيعة التأثيرات المحتملة للتصعيد العسكري الجاري في الشرق الأوسط على أحد أهم القطاعات الحيوية في الاقتصاد التونسي.
القطاع السياحي في موقع ترقب
وفي السياق، قال نائب رئيس الجامعة التونسية للنزل جلال الدين الهنشيري في تصريح لـ "سبوتنيك"، إنه من المبكر في المرحلة الحالية تحديد حجم التأثيرات المحتملة للتصعيد العسكري في الشرق الأوسط على قطاع السياحة في تونس.
وأوضح الهنشيري أن التجارب السابقة تؤكد أن السياحة تعد من أكثر القطاعات حساسية تجاه المتغيرات الدولية، مشيرا إلى أن هذا النشاط الاقتصادي يتأثر عادة بالأحداث العالمية الكبرى، سواء تعلق الأمر بالأزمات السياسية أو بتقلبات أسعار الطاقة والمواد الغذائية.
وأوضح الهنشيري أن التجارب السابقة تؤكد أن السياحة تعد من أكثر القطاعات حساسية تجاه المتغيرات الدولية، مشيرا إلى أن هذا النشاط الاقتصادي يتأثر عادة بالأحداث العالمية الكبرى، سواء تعلق الأمر بالأزمات السياسية أو بتقلبات أسعار الطاقة والمواد الغذائية.
وأضاف أن "المسافرين أصبحوا اليوم أكثر وعيا بالمتغيرات الجيوسياسية، إذ يأخذون بعين الاعتبار ما يحدث في البلد المقصود أو في محيطه الإقليمي قبل اتخاذ قرار السفر".
وأشار إلى أن تونس، باعتبارها وجهة سياحية متوسطية ذات حجم محدود نسبيا، تتأثر بسرعة بمثل هذه التطورات.
وقال جلال الدين الهنشيري: "إن بعض السياح في الأسواق الخارجية قد يضعون تونس ضمن المجال الجغرافي للشرق الأوسط، وهو ما قد ينعكس نظريا على نسق الحجوزات".
لكنه أكد في المقابل أن المؤشرات الحالية لا تظهر تغيرا كبيرا حتى الآن، موضحا أن "الحجوزات السياحية لم تشهد إلى حد الآن لا تحسنا ملحوظا ولا تراجعا واضحا".
ولفت المتحدث إلى أن سلوك الحرفاء تغير خلال السنوات الأخيرة، حيث أصبح السائح أكثر قدرة على التأقلم مع الأحداث الدولية.
وقال إن المسافر قد يعلق قرار السفر لفترة قصيرة عندما تتصاعد التوترات، لكنه يعود إلى التخطيط لرحلته بسرعة بمجرد اتضاح الصورة.
ويرى الهنشيري أن العامل الحاسم في تحديد التأثيرات الفعلية على السياحة التونسية سيبقى مرتبطا أساسا بمدة الصراع وطبيعة التدخلات الدولية فيه، مؤكدا أن "منطقة شمال أفريقيا، بما فيها تونس، توجد حاليا في حالة انتظار وترقب".
وأضاف أن الوضع "ليس مقلقا إلى درجة ما حدث خلال جائحة كورونا، لكنه في الوقت ذاته ليس وضعا مريحا بالكامل"، معتبرا أن المحافظة على نفس نسق النمو المسجل في القطاع خلال الفترة الأخيرة قد يعد في حد ذاته إنجازا.
انعكاسات مباشرة على كلفة السفر
وفي قراءة للتداعيات الاقتصادية المحتملة، قال الخبير في الشأن الاقتصادي ماهر قعيدة لـ "سبوتنيك"، إن التصعيد العسكري في المنطقة قد تكون له انعكاسات مباشرة على قطاع السياحة العالمي، وهو ما قد ينعكس بدوره على الوجهة التونسية.
وأوضح قعيدة أن التأثير الأول سيظهر على مستوى أسعار الطاقة، قائلا إن "أسعار المحروقات مرشحة لارتفاع مهول، وهو ما سينعكس مباشرة على كلفة النقل الجوي".
وأوضح قعيدة أن التأثير الأول سيظهر على مستوى أسعار الطاقة، قائلا إن "أسعار المحروقات مرشحة لارتفاع مهول، وهو ما سينعكس مباشرة على كلفة النقل الجوي".
وأضاف قعيدة أن ارتفاع أسعار الوقود سيؤدي بدوره إلى ارتفاع أسعار تذاكر السفر، الأمر الذي قد يحد من قدرة عدد من السياح على التنقل، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية العالمية الحالية.
وأشار إلى أن هذه التطورات قد تؤدي إلى "تقلص عالمي في قطاع السياحة"، مبرزا أن تونس لن تكون بمنأى عن هذه التداعيات، باعتبار أن ارتفاع كلفة التنقل سيؤثر حتما على تدفق السياح نحو مختلف الوجهات، ومنها تونس.
كما لفت إلى أن التأثيرات لن تقتصر على كلفة السفر فقط، بل قد تمتد أيضا إلى القدرة الإنفاقية للسياح خلال إقامتهم. وقال إن ارتفاع أسعار الوقود عالميا سينعكس على كلفة نقل السلع والتأمين، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع نسق الأسعار في عدد من الدول، من بينها تونس.
وأضاف أن "الحرب تستهدف بدرجة كبيرة قدرات إيران في تكرير النفط ونقله، وهو ما قد يدفع بأسعار النفط إلى حدود 130 دولارا للبرميل في حال تفاقمت الأزمة"، مشيرا إلى أن ذلك ستكون له انعكاسات أوسع على الأسعار في النطاق العالمي.
ويرى قعيدة أن فرض قيود أو حظر على التنقل في بعض المناطق في دول الخليج قد يؤثر كذلك على الجالية التونسية المقيمة في دول الخليج، التي قد تجد صعوبة في التنقل إلى تونس خلال فترات التوتر.
انعكاسات أوسع على الاقتصاد التونسي
وفيما يتعلق بإمكانية استفادة تونس من تحول جزء من السياح الذين كانوا يقصدون دول الخليج نحو وجهات أخرى، يرى الخبير الاقتصادي أن هذا الاحتمال يبقى محدودا.
وقال إن "السياح المتوجهين إلى دول الخليج يختلفون في طبيعة إنفاقهم وخياراتهم السياحية عن السياح الذين يقصدون تونس"، ملاحظا أن الوجهة التونسية تعتمد أساسا على السياحة العامة وليست على السياحة الفاخرة ذات الإنفاق المرتفع.
كما أشار قعيدة إلى أن أجواء الحرب قد تؤثر كذلك في توجهات السياح الغربيين، موضحا أن السياح الغربيين يميلون في مثل هذه الظروف إلى تصنيف الدول الإسلامية ضمن خانة الدول المعادية لها.
ويرى أن "هذا التصور ينعكس بدوره على اختيارات السفر، إذ يفضل عدد من السياح الغربيين تغيير وجهاتهم نحو الدول الأوروبية والمسيحية بدل التوجه إلى البلدان العربية والإسلامية".
واعتبر أن هذه العوامل مجتمعة قد تكون لها انعكاسات أوسع على الاقتصاد التونسي ككل، بالنظر إلى الأهمية التي يحتلها قطاع السياحة في توفير العملة الصعبة التي من المتوقع أن تشهد تراجعا، خاصة وأن تونس ستجد نفسها مضطرة إلى شراء الوقود بالعملة الصعبة وبأسعار أعلى، وهو ما قد يزيد من الضغوط على الاقتصاد.
وختم قعيدة تصريحه بالقول إن "عام 2026 قد تكون صعبة على عدة مستويات"، معتبرا أنه في حال تفاقمت الأزمة وتواصلت التوترات، فإن التداعيات الاقتصادية قد تمتد أيضا إلى 2027".