وأفادت رؤى، وهي أم لثلاثة أطفال، في تصريحات لـ"سبوتنيك"، بأنها قضت الأيام الأولى من التصعيد في حالة من القلق الدائم ودون نوم تقريبا، قبل أن يشتد القصف الإسرائيلي في محيط مناطق سكنهم، ما اضطرها مع عائلتها إلى مغادرة منزلهم على عجل والبحث عن أماكن أكثر أمانا.
وتقول: "لم نكن نتوقع أن تتطور الأمور بهذه السرعة.. اضطررنا إلى النزوح حفاظا على سلامة الأطفال".
ومع اتساع رقعة المواجهات وتزايد المخاوف من انزلاق المنطقة إلى حرب أوسع، وجّه نحو 22 تونسيا وتونسية مقيمين في لبنان عريضة إلى الرئيس التونسي، قيس سعيد، طالبوا فيها بالتدخل العاجل لإجلائهم، "بما يضمن سلامتهم وإعادتهم إلى أرض الوطن في أسرع وقت ممكن، نظرا للتهديد المباشر الذي يطال حياتهم.
وتأتي هذه المطالب في ظل تصعيد ميداني متسارع. فقد مرّ أسبوع على إطلاق "حزب الله" اللبناني صواريخه باتجاه إسرائيل، فجر الاثنين الماضي، في خطوة أدت إلى توسيع دائرة المواجهة وتصاعد القصف الإسرائيلي على الأراضي اللبنانية، وأسفرت الضربات، وفق حصيلة أولية، عن سقوط أكثر من 400 قتيل وأكثر من ألف جريح، إضافة إلى نزوح ما يقارب نصف مليون شخص من مناطقهم.
في المقابل، أعلن "حزب الله" اللبناني، حتى صباح اليوم تنفيذ 125 عملية ضد مواقع وتحركات الجيش الإسرائيلي، مؤكدا أن عملياته تأتي ردا على اغتيال المرشد الإيراني الراحل، علي خامنئي، وعلى الهجمات الإسرائيلية التي استهدفت عشرات المدن والبلدات اللبنانية، بما في ذلك الضاحية الجنوبية لبيروت، ما يكرّس مناخا أمنيا شديد الهشاشة يضاعف من مخاوف المدنيين، ومن بينهم الجاليات الأجنبية المقيمة في البلاد.
تونسيون خسروا منازلهم
وفي ظل اتساع رقعة القصف، يؤكد عدد من التونسيين المقيمين في لبنان أنهم لم يفقدوا فقط الإحساس بالأمان، بل خسر بعضهم أيضا منازلهم التي دمرتها الغارات.
وفي هذا السياق أوضحت التونسية، رؤى مصباح، أن "العديد من التونسيين فقدوا منازلهم نتيجة القصف الإسرائيلي، وهم الآن بصدد البحث بشكل عاجل عن مساكن للإيجار، لكن هذا البحث لا يبدو سهلا في ظل الظروف الراهنة، إذ تشير المتحدثة إلى أن أسعار الإيجارات في بيروت شهدت ارتفاعا كبيرا منذ اندلاع الحرب".
وتقول: "سعر إيجار المنزل ارتفع خلال الحرب إلى نحو ثلاثة أضعاف، ووصل في بعض الحالات إلى حدود ألفي دولار، مع مطالبة المالكين بتسديد الإيجار مسبقا لمدة ستة أشهر أو حتى سنة كاملة".
وتضيف أن "هذه الظروف الصعبة دفعت بعض العائلات إلى أوضاع إنسانية بالغة الهشاشة"، موضحة: "هناك نساء تونسيات يحملن أطفالا لا تتجاوز أعمارهم العام، اضطررن إلى مغادرة منازلهن ويجدن أنفسهن الآن في الشارع بعد النزوح، ما يجعلهن أكثر عرضة للخطر في ظل القصف المتواصل".
وفي وصفها لأجواء الحياة اليومية تحت وقع الحرب، تروي رؤى مشهدا يعكس هشاشة الوضع الأمني، قائلة: "البارحة كنا نجهز مائدة الإفطار، وفجأة اهتزت جدران المنزل بسبب قصف قوي استهدف منطقة قريبة منا"، في صورة تختزل حالة القلق الدائم التي يعيشها المدنيون، إذ باتت لحظات الحياة العادية قابلة للتحول في أي لحظة إلى مشاهد خوف ونزوح.
عريضة "النجدة".. تونسيون يطالبون بإجلاء عاجل
وفي ظل تدهور الأوضاع الأمنية، لجأ عدد من التونسيين المقيمين في لبنان إلى توجيه نداء استغاثة إلى السلطات التونسية، مطالبين بتدخل عاجل لإجلائهم من مناطق الخطر.
وفي هذا السياق، أفادت التونسية المقيمة في بيروت مهى موسى، في تصريحات لـ"سبوتنيك"، أنها وقّعت إلى جانب مجموعة من التونسيين والتونسيات على عريضة أطلقوا عليها اسم "عريضة النجدة"، في إشارة إلى كونها رسالة استغاثة تهدف إلى طلب الإنقاذ من تداعيات الحرب الدائرة في لبنان.
وأضافت موسى: "لم يبق لنا أمل الآن سوى تدخل السلطات التونسية، وفي حال لم يكن هناك تجاوب فإن العديد من التونسيين قد يكونون عُرضة للدمار والموت"، مؤكدة أن القلق يتزايد يوما بعد يوم مع اتساع رقعة القصف وتراجع الإحساس بالأمان.
وفي محاولة للتواصل وتبادل المعلومات، أوضحت المتحدثة أنهم أنشأوا مجموعة على مواقع التواصل الاجتماعي، تجمع التونسيين المقيمين في لبنان، قائلة: "قمنا بتكوين هذا الفريق لنطمئن على بعضنا البعض وننشر آخر التطورات، على أمل أن يصل صوتنا إلى السلطات التونسية".
وأشارت مهى موسى، إلى أن السلطات التونسية دعتهم إلى التوجه نحو مناطق أكثر أمانا، غير أن تحديد هذه المناطق يظل مسألة معقدة في ظل طبيعة القصف المتنقل، وتقول: "من الصعب اليوم التأكد من أن منطقة ما آمنة بالفعل، لأن بيروت بأكملها لم تعد آمنة".
كما لفتت إلى أن "مغادرة البلاد بوسائل فردية تبدو بدورها مهمة شديدة الصعوبة، موضحة أن مطار بيروت الدولي يعمل بشكل محدود، في حين تعتمد أغلب الرحلات على شركة الطيران الوطنية اللبنانية، ما تسبب في ضغط كبير على الحجوزات".
وأضافت أن "أقرب موعد متاح للحجز قد يكون بعد أسابيع، فضلا عن أن الأسعار ارتفعت بشكل يفوق قدرة معظم المواطنين على تحملها"، معتبرة أن هذه الظروف تجعل خيار الإجلاء الذاتي "شبه مستحيل" بالنسبة لكثير من العائلات.
امتلاء مراكز الإيواء ونزوح إلى الشوارع
وفي خضم هذا المشهد المتوتر، يصف الصحفي، محمد بيضون، وهو من أم تونسية وأب لبناني، حالة التيه التي يعيشها كثير من السكان بعد اضطرارهم إلى مغادرة منازلهم.
ويقول في تصريحات لـ"سبوتنيك": "أسير دون هدف الآن، وطائرة استطلاع تحلق فوق رأسي، ولا أعلم إن كان القصف القادم سيستهدفني أم لا".
ويؤكد بيضون أن عددا من التونسيين المقيمين في لبنان يعيشون في مناطق مصنفة خطرة، مضيفا أن كثيرا منهم اضطروا إلى افتراش الأرض في الشوارع بعد امتلاء مراكز الإيواء وعدم قدرتها على استيعاب موجات النزوح المتزايدة.
ويتابع بمرارة: "الضاحية الجنوبية، التي يقطنها نحو مليون نسمة، شهدت موجة نزوح جماعي هربا من القذائف، صرنا لا نتمنى قدوم الليل حتى لا نجد أنفسنا مشردين تحت الظلام".
ويروي المتحدث أنه غادر منزله رفقة عائلته بعد استهداف منازل قريبة منهم دون سابق إنذار، موضحا أنه بقي ينام مع والده داخل السيارة، بينما توجهت والدته وشقيقته إلى منزل أحد الأقارب بحثا عن مأوى مؤقت.
وفي هذا السياق، عبّر بيضون عن استغرابه مما وصفه بتباطؤ عمليات الإجلاء، في وقت يتدهور فيه الوضع الأمني يوما بعد يوم، خصوصا بعد التصعيد العسكري الواسع الذي شهدته المنطقة أواخر فبراير/ شباط الماضي إثر الهجمات الإسرائيلية والأمريكية على مواقع داخل إيران، وهو ما أدى إلى سقوط مئات القتلى.
وكانت سفارة تونس في بيروت دعت في بداية مارس/ آذار الجاري، أبناء الجالية التونسية إلى توخي الحيطة والحذر والبقاء في المناطق المصنفة آمنة، غير أن تواصل الغارات الجوية الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت، ومناطق في جنوب وشرق لبنان، أدى إلى سقوط قتلى وجرحى، ودفع آلاف السكان، ومن بينهم تونسيون مقيمون هناك، إلى النزوح بحثا عن أماكن أكثر أمانا.