التعديل الوزاري في ليبيا بين تعميق الانقسام وخيارات التوافق المعلقة

أعاد التعديل الوزاري الأخير في حكومة الوحدة الوطنية فتح باب الجدل السياسي في ليبيا، في وقت تشهد فيه البلاد حالة من الانسداد وتداخل الصلاحيات بين المؤسسات التنفيذية والتشريعية.
Sputnik
وتأتي هذه الخطوة وسط تحديات اقتصادية ومعيشية متصاعدة وضغوط داخلية وخارجية للدفع نحو تسوية سياسية شاملة تمهّد لإجراء الانتخابات، وبين من يعتبر التعديل محاولة لإعادة ترتيب المشهد الحكومي، ومن يراه خطوة أحادية قد تعمّق الانقسام، تتسع دائرة النقاش حول مستقبل السلطة التنفيذية ومسار التوافق الوطني.
خلافات حول المحكمة الدستورية تعمق الجدل بشأن وحدة القضاء في ليبيا

في هذا السياق قال المحلل السياسي عاطف الحاسية في تصريح خاص لـ"سبوتنيك"، ردًّا على سؤال حول ما إذا كان التعديل الوزاري يسهم في تهدئة المشهد السياسي أم يزيد من حدة الانقسام، إن الانقسام قائم منذ فترة وبالتالي فإن هذا التعديل على العكس تمامًا سيزيد من حدته ويضع الحكومة في خانة التعنت والإصرار على البقاء.

وأضاف أن الرسالة التي تبعث بها الحكومة واضحة وصريحة ومفادها: "الاستمرار في السلطة بغض النظر عن الاتفاقات السياسية أو الجهود التي تبذلها الأمم المتحدة عبر بعثتها في ليبيا لمحاولة التوصل إلى حل لهذا الانسداد السياسي"، وأكد أن ما يجري لا يمكن اعتباره تهدئة بل هو تصعيد يعمّق دور الحكومة في تكريس الانقسام داخل البلاد.
مصرف ليبيا المركزي يبحث إلغاء الضريبة على السلع وتوفير السيولة النقدية في البلاد
وفيما يتعلق بتأثير التعديل على علاقة الحكومة بمجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، أوضح أن الحكومة لم تعد تكترث بمجلس النواب الذي منحها الثقة في بدايتها ولا بعد أن سحبها منها، وأشار إلى أن علاقتها بالمجلس الأعلى للدولة لم تكن سوى علاقة مصلحية خاصة بعد انتخاب محمد تكالة، معتبرًا أنها أصبحت علاقة قائمة على تقاطع المصالح في ما يتعلق بالبقاء والتأثير في المشهد السياسي.
ورأى أن هذا التعديل يمثل رسالة أخرى إلى مجلس النواب وإلى الأطراف المعارضة في المجلس الأعلى للدولة مفادها أن الحكومة مستمرة في موقعها ولا تنوي تسوية النزاع القائم على السلطة التنفيذية أو انتظار شرعية من أي جهة أخرى.
وبشأن التوازنات الجهوية والسياسية قال الحاسية إنه لا يرى وجود توازنات حقيقية داخل الحكومة بل اعتبرها توازنات مصلحية بحتة تضم كل من يملك القدرة على انتزاع مكاسب من السلطة القائمة في طرابلس، وأشار إلى أن وجود مجموعات مسلحة وشخصيات مؤثرة داخل الحكومة ينعكس على طبيعة القرار فيها، مؤكدًا أن هذه التوازنات لا تراعي الاعتبارات الجهوية أو السياسية بقدر ما تخدم مصالح مرتبطة باستمرار حالة الانقسام.
واختتم بالقول إن الضغوط الداخلية والخارجية تتجه نحو إنهاء عمل هذه الحكومة لا الاكتفاء بتعديلها، لافتًا إلى أن حالة عدم الرضا الشعبي باتت واضحة خصوصًا من خلال المظاهرات التي شهدتها طرابلس مؤخرًا، والتي عبّرت عن رفض واسع لأداء الحكومة واستمرارها في السلطة.
الاقتصاد الرقمي في ليبيا يسجل قفزة نوعية مدعوما بانتشار الدفع الالكتروني
وأكد أن تغيير الحقائب الوزارية لا يحمل أهمية لدى غالبية الليبيين الذين يطالبون بتشكيل حكومة موحدة عبر مسار شرعي يستند إلى مجلس النواب والقوانين النافذة تمهيدًا للوصول إلى مرحلة أكثر هدوءًا واستقرارًا تقود إلى إجراء انتخابات وإقرار دستور دائم للبلاد.

من جانبه قال المحلل السياسي إبراهيم بلقاسم في تصريح خاص لـ"سبوتنيك": "إن التعديل الوزاري الموسع في حكومة الوحدة الوطنية والذي أجراه رئيس الحكومة باختيار 18 وزيرًا لشغل حقائب وزارية تم دون العودة إلى مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، رغم أنهما منصوص عليهما في الاتفاق السياسي ضمن آلية واضحة لمنح الحكومة الشرعية القانونية".

وأضاف أن رئيس الحكومة لم يتشاور بشكل مباشر مع شريكه في السلطة وهو المجلس الرئاسي معتبرًا أن الخطوة جاءت انفرادية وفردية بكل ما تحمله الكلمة من معنى ولم تحظ بالمستوى المطلوب من التوافق السياسي سواء من حيث المشاركة وتقاسم السلطة بين القوى السياسية أو من حيث مراعاة التمثيل الجغرافي في هذا التعديل.
موسكو: انطلقت من ليبيا... زوارق أوكرانية مسيرة تشن هجوما على ناقلة غاز روسية قرب مالطا
وأشار بلقاسم إلى أن الحكومة في وضعها الحالي حاولت إصلاح نفسها لكنها لم تفلح في ذلك، ورأى أن هذا التعديل قد يفجّر خلافات كبيرة داخل الكتلة الداعمة للحكومة نفسها ويؤدي إلى صراع بين المؤسسات قائم على غياب التوافق حول هذه التركيبة الوزارية التي اختارها رئيس الحكومة بشكل منفرد.
وأكد أن الوضعين الصحي والسياسي للحكومة لا يسمحان لها بالاستمرار دون توافق حقيقي كما أن التشكيلة الوزارية الجديدة لن تكون قادرة على إقناع مختلف الأطراف في المشهد السياسي، ولفت إلى أنه رغم وجود محاولات سابقة لتوحيد السلطة التنفيذية عبر دمج الحكومتين وفق رؤية أمريكية، فإن هذا التعديل الذي يبدو محصورًا داخل المعسكر السياسي في غرب ليبيا غير مقبول ولا يحافظ على التوازنات بل يقصي أطرافًا وقوى واسعة دون وجود مؤشرات أو روافع حقيقية داعمة لهذه التركيبة داخل الغرب الليبي.
وبيّن أن هذا الواقع يجعل الحكومة في حاجة إلى العودة مجددًا إلى خيار التوافق، وأوضح أن أمام رئيس الحكومة عدة سيناريوهات أولها: المضي قدمًا في هذا التغيير دون الالتفات إلى اعتراضات الأطراف الأخرى مع التلويح بورقة القوة وهو خيار قد يعرّض الحكومة لانتقادات حادة في ظل الظروف المعيشية والاقتصادية الصعبة التي يعانيها المواطنون وقد يؤدي إلى انفجار الشارع.
حماد يدعو لتشكيل حكومة موحدة توافقية وإنهاء الانقسام السياسي في ليبيا
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في التراجع عن القرارات والعودة إلى التوافق مع المؤسسات وهو ما قد يُظهر الحكومة بمظهر الضعف في وقت تعاني فيه أصلًا من هشاشة سياسية واضحة، في حين يتمثل السيناريو الثالث، في فتح باب الحوار مع القوى السياسية والمجتمعية ومع مؤسسات مثل مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة لمناقشة التشكيلة الوزارية وهو خيار قد يمنح الحكومة قدرًا أكبر من الواقعية السياسية.
وختم بلقاسم بالقول إنه يرجّح أن تمضي الحكومة في الخيار الأول مع محاولة تحميل الأطراف الأخرى سواء شركاءها أو معارضيها في السلطة مسؤولية الأزمات القائمة.
وتعاني ليبيا من أزمة سياسية معقدة منذ عام 2011، في ظل حالة من الانقسام السياسي والمؤسسي العميق، بوجود حكومتين متنافستين، إحداهما في طرابلس غربي البلاد وهي حكومة الوحدة الوطنية والأخرى في بنغازي شرقي البلاد مكلفة من البرلمان.
هذا الانقسام يترافق مع ازدواج في المؤسسات السيادية، وأبرزها السلطة التشريعية المتمثلة في مجلس النواب في طبرق، وشريكه الاستشاري وفق اتفاق الصخيرات، والمجلس الأعلى للدولة في طرابلس.
مناقشة