تأثيرات اقتصادية واجتماعية ضخمة.. لماذا تترك الحرب على إيران تداعيات قاسية على دول جنوب شرق آسيا؟

تتصاعد المخاوف العالمية من اتساع رقعة المواجهة العسكرية في منطقة الشرق الأوسط، بالنظر إلى الثقل الاستراتيجي الذي تمثله المنطقة كشريان رئيسي لإمدادات الطاقة العالمية.
Sputnik
ومع استمرار التوترات بين إيران وإسرائيل وأمريكا، بدأت ملامح أزمة اقتصادية واجتماعية تلوح في الأفق، تتجاوز حدود الجغرافيا الإقليمية لتصل شظاياها إلى أقصى شرق القارة الآسيوية، إذ تعتمد القوى الصناعية والنامية هناك بشكل شبه كلي على تدفقات النفط والغاز العابرة للمضائق الدولية.
وتواجه دول جنوب وجنوب شرق آسيا تحديات غير مسبوقة في الحفاظ على استقرار أمنها الطاقي، في ظل الارتفاع المتسارع لأسعار الخام والتهديدات المباشرة لخطوط الملاحة البحرية، وهذا الواقع الجديد دفع العديد من الحكومات الآسيوية إلى مراجعة موازناتها العامة، واعتماد سياسات تقشفية قاسية، وإجراءات أخرى تتعلق بتقليل استهلاك الكهرباء، والعمل عن بعد.
وأكد الخبراء أن تداعيات هذه الحرب ستكون قاسية للغاية ومستمرة ككرة الثلج إذا لم تتوقف سريعا، مؤكدين أن دولاً مثل فيتنام وبنغلاديش وتايلاند بدأت تعاني فعليا من نقص إمدادات الطاقة وارتفاع تكاليف الإنتاج، وهو ما سينعكس على شكل تضخم متسارع وانفلات في الأسعار.
وقال الخبراء إن الاعتماد الآسيوي على الشرق الأوسط بنسبة تتجاوز 60% من احتياجات الطاقة يجعل المنطقة عرضة لصدمات اقتصادية كبرى، قد تنتهي بتراجع النمو الاقتصادي وزيادة الضغوط الاجتماعية وعدم الاستقرار، خاصة مع اقتراب نفاد المخزونات الاستراتيجية في بعض الدول.
وكشفت تقارير إعلامية عن أن حكومة تايلاند طلبت من بعض المؤسسات الحكومية العمل عن بعد لتقليل الطلب على الوقود، بينما فرضت بنغلادش سقفًا لاستهلاك الوقود وأغلقت الجامعات وخففت الإضاءة في الاحتفالات الدينية المرتقبة، فيما أعلنت نيبال نيتها فرض نظام لتقنين غاز الطهي، بينما خفضت الفلبين عدد أيام العمل الأسبوعية لبعض موظفي الحكومة وشجعت المواطنين على ضبط أجهزة التكييف عند درجات حرارة أعلى لتقليل استهلاك الطاقة.
مديرة الاستخبارات الوطنية الأمريكية: إيران توقفت عن تخصيب اليورانيوم بعد حرب الـ12 يوما
قرارات قاسية
اعتبرت الأكاديمية اللبنانية والباحثة في الشأن الآسيوي، تمارا برو، أن "الحرب الإيرانية الإسرائيلية الأمريكية تمثل صدمة كبيرة لدول جنوب شرق آسيا"، موضحة أن "هذه المنطقة تعتمد على الشرق الأوسط في تأمين أكثر من 60% من احتياجاتها من الطاقة".
وبحسب حديثها لـ "سبوتنيك"، فإن "العديد من الدول في جنوب شرق آسيا اضطرت لاتخاذ قرارات قاسية لإدارة النقص الحاد في إمدادات الطاقة نتيجة التوترات المستمرة، مشيرة إلى إجراءات تقليل الاستهلاك في فيتنام وتايلاند، إذ طلب من الموظفين العمل عن بعد لتوفير الوقود، بينما بدأت بعض المدن باختيار قطاعات ذات أولوية للحصول على الكهرباء والوقود، وفي تايلاند تم توجيه المواطنين لاستخدام السلالم بدلا من المصاعد الكهربائية".
وأضافت الباحثة أن "دول آسيا ستواجه أزمة حادة في الكهرباء، لاسيما في الفلبين وإندونيسيا اللتين تعتمدان على محطات تعمل بالديزل لتزويد الجزر النائية بالطاقة"، مؤكدة أن "هذه الدول تواجه خطر انقطاع التيار الكهربائي مع قرب نفاد المخزونات الاستراتيجية التي تكفي عادة لفترة تتراوح بين 50 و60 يوما فقط".
وأوضحت برو أن "ارتفاع أسعار برميل النفط أجبر العديد من الدول الآسيوية على زيادة مخصصات دعم الوقود المالية، مما تسبب في عجز كبير في الموازنات العامة، مشددة على أن زيادة أسعار النفط أدت بدورها إلى موجة غلاء عامة تهدد المنطقة بتضخم اقتصادي واسع".
وذكرت الأكاديمية اللبنانية أن "ارتفاع تكاليف الوقود وتدابير ترشيد الطاقة، قد يؤديان إلى زيادة تكاليف الإنتاج أو تباطؤ النشاط الصناعي وتراجع معدلات الاستهلاك، معتبرة أن دول جنوب شرق آسيا هي الأكثر تأثرا بتوترات الشرق الأوسط والحرب الجارية".
وحذرت تمارا برو من أن "استمرار الحرب لفترة طويلة سيؤدي إلى تراجع النمو الاقتصادي لهذه البلدان، وزيادة الضغوط الاجتماعية، وغياب حالة الاستقرار والأمان في المنطقة الآسيوية".
إيران تعلن تعيين علي رضا أعرافي عضوا في مجلس صيانة الدستور ضمن المجلس القيادي المؤقت
تأثيرات اقتصادية واجتماعية
بدوره، أكد الباحث الأردني في الشؤون الصينية والآسيوية، سامر خير أحمد، أن "الحرب القائمة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل ستؤدي إلى تداعيات قاسية للغاية في حال استمرارها لأسابيع إضافية".
وبحسب حديثه لـ"سبوتنيك"، فإن "الآثار السلبية لهذه الحرب بدأت تظهر بالفعل على المستويين الاقتصادي والاجتماعي في دول جنوب ووسط آسيا".

وأوضح أن "استمرار إغلاق مضيق هرمز والتأثير المباشر على إمدادات النفط من الدول المصدرة سيفاقم هذه التبعات، مما ينعكس سلبا على الإنتاج الخدمي وسير الحياة اليومية في تلك الدول، وهو ما قد يؤدي إلى اضطرابات اجتماعية واسعة النطاق على المديين القريب والبعيد".

وأشار الباحث إلى أن "هذه الحرب لا تخدم مصالح معظم دول العالم، بل تمثّل ضررا مباشرا للاقتصاد العالمي في مجمله، وتهديدًا خطيرًا للأمن في منطقة الشرق الأوسط"، مشددا على "ضرورة وقف هذه الحرب وبسرعة فائقة لضمان عدم تمدد آثارها بشكل أعمق يمس السلام العالمي بمجمله".

وعن أسباب التأثر الكبير لدول آسيا، قال أحمد: إن "هناك سببين رئيسيين يفسران هذا الوضع، أولهما أن هذه الدول تستورد أكثر من 60% من احتياجاتها النفطية من منطقة الشرق الأوسط، أما السبب الثاني، بحسب الباحث في الشؤون الأسيوية، فيعود إلى أن "اقتصاديات بعض هذه الدول، مثل فيتنام وبنغلاديش، لا تمتلك القدرة على تحمل صدمات بهذا الحجم، مما سيؤدي حتما إلى تضخم متسارع وانفلات في الأسعار يصعب السيطرة عليه".

وأضاف: "المعاناة من تبعات نقص إمدادات الطاقة لم تقتصر على الدول النامية، بل طالت الدول ذات الاقتصاديات النشطة مثل كوريا الجنوبية"، محذرا من أن "تداعيات هذه الحرب تتزايد وتكبر وتتدحرج ككرة الثلج، مما يعني تأثر جميع الدول التي تعتمد بشكل أساسي على النفط الوارد من الشرق الأوسط".
وبدأت أمريكا وإسرائيل في 28 فبراير/شباط شنّ هجمات على أهداف داخل الأراضي الإيرانية، بما في ذلك العاصمة طهران، ما خلف أضرارا كبيرة وسقوط ضحايا مدنيين واغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، وعدد من قادة الحرس الثوري والجيش.
وردت إيران بتنفيذ ضربات مضادة على الأراضي الإسرائيلية، وكذلك على منشآت عسكرية أمريكية في منطقة الشرق الأوسط.
من جهتها، أدانت وزارة الخارجية الروسية الهجوم الأمريكي الإسرائيلي ضد إيران، ودعت إلى خفض التصعيد الفوري ووقف الأعمال العدائية.
مناقشة