إسرائيل تدشن مواقع عسكرية داخل قطاع غزة.. ما دلالات هذه الإجراءات وخطورتها؟

تتصاعد التحذيرات من تسارع وتيرة الإجراءات الإسرائيلية الرامية إلى تغيير الواقع الجغرافي والديموغرافي في قطاع غزة، حيث تشير التقارير الميدانية إلى تحول "الخط الأصفر" من منطقة تموضع عسكري مؤقتة إلى حدود جديدة تفرض بقوة السلاح.
Sputnik
وتعكس السياسات المنهجية المتبعة، المتمثلة في تدشين مواقع عسكرية دائمة وتدمير البنية التحتية والزراعية في المناطق الشرقية بقطاع غزة، انتقالا واضحا من مفهوم الاحتلال العسكري التقليدي إلى مرحلة الاستيطان الأمني، وهذا التحول لا يقتصر أثره على الجانب الميداني فحسب، بل يمتد ليشكل حصارا خانقا يحشر أكثر من مليوني فلسطيني في مساحة لا تتجاوز نصف مساحة القطاع الإجمالية، مما يعمق الأزمة الإنسانية.
وحذر المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان من التصاعد الخطير في إنشاء جيش الاحتلال الإسرائيلي مواقع عسكرية ثابتة ومحصنة داخل قطاع غزة، بالقرب من الخط الأصفر الذي يعزل نحو 55% من مساحة القطاع ويخضعها لسيطرة إسرائيلية مباشرة.
وقال الخبراء إن تحول الخط الأصفر إلى حدود ثابتة يمثل رصاصة الرحمة على حل الدولتين، حيث يؤدي تقسيم القطاع وسيطرة الاحتلال على مفاصله الحيوية وشرايينه الرئيسية مثل شارع صلاح الدين إلى فقدان الفلسطينيين السيطرة على مواردهم الأساسية.
وأكد الخبراء أن الخطر الداهم يكمن في تطبيع" المشهد دوليا، بحيث يصبح الوجود العسكري الإسرائيلي المكثف داخل عمق القطاع جزءا من الواقع الطبيعي الجديد، مما يفتح الباب أمام مزيد من عمليات الضم الفعلي تحت ذرائع أمنية ودفاعية واهية.

استيطان عسكري

الإعلام الحكومي في غزة: تصريحات فانس حول المساعدات "مضللة" ولا تعكس الواقع الإنساني
أكد الدكتور ماهر صافي، الأكاديمي والمحلل السياسي الفلسطيني، أن ما يحدث حاليا يمثل سياسة منهجية تهدف إلى الضم الفعلي لأجزاء واسعة من الأرض الفلسطينية المحتلة، مشيرا إلى أن الجيش الإسرائيلي ينتقل بشكل متسارع من مرحلة الاحتلال التقليدي إلى مرحلة الاستيطان العسكري.
وبحسب حديثه لـ "سبوتنيك"، هذه السياسة تهدف إلى قتل التواصل الجغرافي من خلال تقطيع قطاع غزة إلى كانتونات معزولة يصعب التواصل بين سكانها، خاصة مع اقتراب هذه التحركات من شارع صلاح الدين الذي يعد الشريان الرئيسي الواصل بين الشمال والجنوب.
وتابع: "هذا يضع غزة تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة ويؤدي إلى محاصرة وحشر أكثر من مليوني فلسطيني في أقل من نصف مساحة القطاع، تزامنا مع تدمير ممنهج للأراضي الزراعية وآبار المياه الواقعة في المنطقة الشرقية المحاذية لما يسمى الخط الأصفر".
وأضاف صافي أن بناء مواقع عسكرية دائمة في أرض محتلة يعتبر من الناحية القانونية جريمة حرب مكتملة الأركان وفق اتفاقية جنيف الرابعة، كونه يمثل تغييرا ديموغرافيا وجغرافيا مفروضا بالقوة القهرية، مشيرًا إلى أن هذه الخطوات تهدف من الناحية السياسية إلى قتل ودفن خيار حل الدولتين عمليا، إذ لا يمكن قيام دولة فلسطينية مترابطة وجيش الاحتلال يمسك بمفاصلها من الداخل عبر شبكة مواقع محصنة.
وحذر الأكاديمي الفلسطيني من استنساخ تجربة الضفة الغربية في قطاع غزة، حيث تم تقسيم المناطق عبر أكثر من 950 حاجزا بين المدن والمخيمات والقرى، مع زيادة وتيرة الاستيطان العسكري والأمني والزراعي للقضاء على حلم إقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران عام 1967.
وشدد على أن الخط الأصفر يتحول تدريجيا من مجرد خط نار إلى خط ضم فعلي للأراضي، وأن الخطر الأكبر يكمن في اعتياد المجتمع الدولي على هذا المشهد، حتى يصبح الاحتلال الإسرائيلي من الداخل هو الوضع الطبيعي الجديد في قطاع غزة.
وأشار صافي إلى أن هذا المخطط يسعى لفرض واقع في غزة مشابه تماما لما يعاني منه الفلسطينيون في الضفة الغربية، مما يهدد بتصفية القضية الفلسطينية جغرافيا وسياسيا.

ترسيخ حدود جديدة

إعلام: الجيش الإسرائيلي يدشن مواقع عسكرية إضافية في جنوب لبنان
من جانبه، قال ثائر أبو عطيوي، مدير مركز العرب للأبحاث والدراسات في فلسطين، إن دلالات وخطورة تدشين مواقع عسكرية إسرائيلية داخل قطاع غزة، وضمن ما يعرف بـ "الخط الأصفر" تعتبر عنوانًا جديدًا لفرض سياسة الأمر الواقع.
وبحسب حديثه لـ "سبوتنيك"، "يسعى الاحتلال لاعتبار هذا الخط بمثابة خارطة الحدود الجديدة مع القطاع على إثر تداعيات حرب السابع من أكتوبر، كما أن هذا المصطلح يستخدمه الاحتلال للإشارة إلى خط تموضع وانسحاب الجيش بشكل أولي، وهو ما تم طرحه سابقا ضمن المرحلة الأولى من خطة وقف إطلاق النار متعددة المراحل، بوصفه إجراءً مؤقتًا يهدف للفصل المرحلي تمهيدًا لترتيبات الحكم والإعمار تحت رعاية دولية".
وأضاف أبو عطيوي أن التقديرات تشير إلى أن "الخط الأصفر" يمتد عبر مناطق شديدة الحساسية ديموغرافيًا، بدءًا من بيت حانون وبيت لاهيا شمالا، مرورًا بخان يونس، وصولًا إلى أجزاء واسعة من رفح جنوباً، مما يؤدي إلى تقسيم القطاع إلى قسمين.
وأوضح أن المساحة المشمولة بهذا الخط تتراوح بين 52% و58% من مساحة قطاع غزة، وذلك تبعا لاعتماد خط التموضع أو شمول نطاقات العمليات العسكرية المحيطة، التي يتراوح عمقها ما بين 2 و7 كيلومترات داخل عمق القطاع.
وشدد مدير مركز العرب للأبحاث والدراسات على أن التصريحات العسكرية الإسرائيلية اللاحقة أعادت توصيف هذا الخط كحد دفاعي جديد، مما يجعله الامتحان الأخطر في المرحلة المستقبلية لقطاع غزة، خاصة فيما يتعلق بكونه عنوانًا لاستمرار الحرب أو أحد أعقد المعضلات التي ستواجه خطة مجلس السلام وتعيق مراحل تقدمها.
وشدد أبو عطيوي على أن تكريس الخط الأصفر كأمر واقع يفتح الباب أمام مخاطر ترسيخ حدود جديدة وثابتة، تهدف إلى تفكيك القطاع ديموغرافيا عبر ممارسة الضغوط الاقتصادية والتهجير القسري على السكان.
ووثق المرصد الأورومتوسطي إنشاء الجيش الإسرائيلي ما لا يقل عن 20 موقعًا عسكريًا بأحجام ومساحات مختلفة شرقي قطاع غزة، فيما يعكس مسارًا متسارعًا لفرض وقائع ميدانية بالقوة وترسيخ سيطرة طويلة الأمد على أجزاء واسعة من القطاع، تمهيدًا لتكريس ضم فعلي لها.
وأوضح أن المواقع العسكرية الإسرائيلية المستحدثة أقيمت على أنقاض مباني سكنية وأراضي زراعية وممتلكات فلسطينية، إثر حملات تدمير وتجريف وتسوية شاملة ومنهجية نفذها الجيش الإسرائيلي، طالت بلدات وأحياء كاملة وغيرت معالمها الجغرافية بالكامل، في مسعى إلى طمس هويتها الفلسطينية وتحويلها إلى ثكنات ومناطق عسكرية تكرّس الوجود الإسرائيلي غير القانوني وتفرض السيطرة بالقوة على الأرض، وفقا لبيان المرصد.
الجيش الإسرائيلي يعلن القضاء على 3 قياديين في حركة "حماس" إثر غارتين على قطاع غزة
وأعلنت الولايات المتحدة، في 14 يناير/ كانون الثاني الماضي، بدء تطبيق المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المكوّنة من 20 نقطة لإنهاء الأزمة في قطاع غزة، التي من المقرر أن تشمل إدخال المساعدات الغذائية بما لا يقل عن 600 شاحنة يوميًا، وإعادة إعمار القطاع، وتشكيل لجنة إدارة فلسطينية انتقالية تكنوقراطية تعمل تحت إشراف "مجلس السلام".
ودخلت المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار بقطاع غزة، حيز التنفيذ يوم 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، والذي انتهت إليه مفاوضات غير مباشرة بين حركة حماس الفلسطينية وإسرائيل استضافتها مدينة شرم الشيخ المصرية، بوساطة مصر وقطر والولايات المتحدة وتركيا، بناء على مقترح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإنهاء الحرب في غزة، ووقّعت حركة حماس وإسرائيل على ترتيبات المرحلة الأولى منه.
مناقشة