"ضيعة عجب".. أول مزرعة "بيداغوجية" في تونس تزخر بالحيوانات النادرة.. صور وفيديو

في أقصى الشمال الشرقي لتونس، حيث تمتد حقول الهوارية على مرمى البصر وتتعانق رائحة البحر مع نسيم الجبال، تنمو تجربة مختلفة خارج القوالب المألوفة.
Sputnik
ّوفي تلك المنطقة، اختار الشاب الثلاثيني محمد السويّح، أن يعيد ترتيب حياته من جديد، لا عبر وظيفة مستقرة أو مشروع ربحي تقليدي، بل عبر مغامرة وجودية أعاد فيها اكتشاف علاقته بالأرض وبالكائنات الحية.
من قطعة أرض خالية ولدت "ضيعة عجب"، لتتحول خلال سنوات قليلة إلى أوّل مزرعة "بيداغوجية" (تعليمية) في تونس، تجمع بين الحيوانات النادرة والنباتات والترفيه، وتفتح أبوابها لعشرات الزوار الباحثين عن تجربة مختلفة، وعن معنى أبسط للحياة.
من ضجيج السفر إلى هدوء الأرض
لم يكن محمد السويح، مهيأ، في الظاهر لأن يصبح فلاحًا أو صاحب مزرعة، فقد نشأ في العاصمة وعمل لسنوات في قطاع السياحة، متنقلًا بين البلدان، يعيش حياة تبدو حافلة بالحركة، غير أن هذا التنقل الدائم لم ينجح في كسر شعوره داخلي بالفراغ، الذي كان يتسلل إليه رغم كل شيء.
وفي حديثه لـ"سبوتنيك"، يستعيد السويح تلك المرحلة بوصفها "دوامة من الروتين القاتل"، إذ تتشابه الأيام رغم اختلاف الأمكنة، إذ كان يدرك أن شيئًا ما ينقصه، وأن الإيقاع الذي يعيشه لا يعبّر عنه فعلًا، بقدر ما يفرض عليه نمطًا جاهزًا.

وقال السويح إن شغفه بالحيوانات والطبيعة منذ الطفولة كان دافعه الحقيقي لاتخاذ قرار جذري، وهو مغادرة عمله والتخلي عن نمط حياة مستقر ظاهريًا والانطلاق نحو تجربة حياتية أعمق وإن كانت مجهولة المصير.

وأضاف: "لم أكن أملك أرضًا ولا خبرة فلاحية، لكنني كنت أمتلك شيئا آخر أكثر حسمًا، الرغبة في عيش حياة أقرب إلى ما أحب، لذلك قررت التخلي عن عملي، وأن استثمر كل مدخراتي في شراء قطعة أرض في الهوارية، وهي منطقة لم تكن تربطني بها أي معرفة سابقة.. بدأت تدريجيًا، كان هدفي أن أعيش حياة قريبة من الطبيعة، وأن آكل مما أزرع".
1 / 17

"ضيعة عجب".. أول مزرعة "بيداغوجية" في تونس تزخر بالحيوانات النادرة

2 / 17

"ضيعة عجب".. أول مزرعة "بيداغوجية" في تونس تزخر بالحيوانات النادرة

3 / 17

"ضيعة عجب".. أول مزرعة "بيداغوجية" في تونس تزخر بالحيوانات النادرة

4 / 17

"ضيعة عجب".. أول مزرعة "بيداغوجية" في تونس تزخر بالحيوانات النادرة

5 / 17

"ضيعة عجب".. أول مزرعة "بيداغوجية" في تونس تزخر بالحيوانات النادرة

6 / 17

"ضيعة عجب".. أول مزرعة "بيداغوجية" في تونس تزخر بالحيوانات النادرة

7 / 17

"ضيعة عجب".. أول مزرعة "بيداغوجية" في تونس تزخر بالحيوانات النادرة

8 / 17

"ضيعة عجب".. أول مزرعة "بيداغوجية" في تونس تزخر بالحيوانات النادرة

9 / 17

"ضيعة عجب".. أول مزرعة "بيداغوجية" في تونس تزخر بالحيوانات النادرة

10 / 17

"ضيعة عجب".. أول مزرعة "بيداغوجية" في تونس تزخر بالحيوانات النادرة

11 / 17

"ضيعة عجب".. أول مزرعة "بيداغوجية" في تونس تزخر بالحيوانات النادرة

12 / 17

"ضيعة عجب".. أول مزرعة "بيداغوجية" في تونس تزخر بالحيوانات النادرة

13 / 17

"ضيعة عجب".. أول مزرعة "بيداغوجية" في تونس تزخر بالحيوانات النادرة

14 / 17

"ضيعة عجب".. أول مزرعة "بيداغوجية" في تونس تزخر بالحيوانات النادرة

15 / 17

"ضيعة عجب".. أول مزرعة "بيداغوجية" في تونس تزخر بالحيوانات النادرة

16 / 17

"ضيعة عجب".. أول مزرعة "بيداغوجية" في تونس تزخر بالحيوانات النادرة

17 / 17

"ضيعة عجب".. أول مزرعة "بيداغوجية" في تونس تزخر بالحيوانات النادرة

من مزرعة شخصية إلى فضاء مفتوح
في سنواتها الأولى، بقيت "ضيعة عجب" تجربة شخصية، مساحة يختبر فيها السويح، نمطًا جديدًا من العيش، غير أن هذا الطابع الفردي لم يدم طويلًا، فقد بدأت المزرعة تكبر تدريجيًا، ومعها بدأ فضول الآخرين بالاتساع.
ومن مجموعة صغيرة من الدواجن، توسّع المشروع ليضم 35 نوعًا من الطيور النادرة، إلى جانب حيوانات مختلفة قادمة من مناطق مختلفة من العالم، ما منح المكان خصوصية لافتة. ومع تناقل الأخبار بين الناس، بدأت الزيارات تتكاثر.
لم يكن السويح يسعى إلى جذب الزوار، لكن "الضيعة" بدأت تفرض نفسها عبر التناقل الشفهي، وقال: "أصدقاء ومعارف زاروا المكان، ثم نقلوا تجربتهم إلى غيرهم، ليتحوّل الفضاء تدريجيًا إلى وجهة يقصدها الفضوليون وعشاق الطبيعة".

ومع تزايد الإقبال، وجد السويح نفسه يطوّر المكان تدريجيًا ليتلاءم مع احتياجات الزوار، دون أن يفقد روحه الأصلية. وهكذا، أُضيفت مرافق جديدة مثل المقهى والمطعم ومنتزه الأطفال، لتتحول "الضيعة" إلى فضاء متكامل، غير أن هذا التطور لم يغيّر من فلسفة المشروع، التي بقيت قائمة على البساطة وعلى تجربة العيش داخل الطبيعة، لا استهلاكها فقط.

وأوضح محمد السويح لـ"سبوتنيك"، أن اختيار اسم "ضيعة عجب" لم يكن اعتباطيًا، بل نابع من تصور واضح لطبيعة المشروع، قائلا: "اخترت اسم "ضيعة عجب" لأنني أردت أن يكون كل ما فيها مدهشًا، وأن يعيش الزائر تجربة مختلفة بكل تفاصيلها. لم أردها ضيعة ذات طابع تجاري تقليدي، بل فضاء يكتشف فيه الناس شيئا غير مألوف، ويشعرون فيه بالقرب الحقيقي من الطبيعة".
وسائط متعددة
واقع أغرب من الخيال... حيوانات الماضي والمستقبل بخيال الذكاء الاصطناعي
أكثر من 500 حيوان من مختلف أرجاء العالم
تضم الضيعة اليوم ما بين 500 و700 حيوان، من بينها النعام الأفريقي والأسترالي والغزلان والجمال والببغاوات والقردة والخيول والجواميس والخنزير الفيتنامية والنحام الوردي، إلى جانب أنواع نادرة من الطيور على غرار الدجاج الإندونيسي وهو من أغلى أنواع الدجاج في العالم. ويتم جلب هذه الحيوانات عبر مسالك قانونية، سواء من داخل تونس أو عبر الاستيراد، في إطار تراخيص رسمية.

وقال السويح: "داخل الضيعة، لا تُعرض الحيوانات كفرجة فقط، بل ككائنات لها خصائصها وسلوكها وبيئتها. لذلك، تم تخصيص بطاقات تعريف لكل نوع، تتيح للزوار التعرف على تفاصيله بطريقة مبسطة، وهذه المقاربة تجعل من الزيارة تجربة تعليمية بقدر ما هي ترفيهية".

وأشار إلى أن "الهدف من هذا المشروع هو أن يرى الطفل الحيوان، الذي كان يعرفه عبر الشاشة فقط، وأن يتعلم كيف يتعامل معه باحترام، باعتباره كائنًا حيًا يشعر ويتفاعل".
لكن الدور البيئي للمزرعة لا يتوقف عند العرض أو التربية، بل يمتد إلى حماية بعض الحيوانات، التي تعرضت للاستغلال أو الصيد الجائر، إذ يتعاون فريق المزرعة مع الجهات المختصة لتأهيل هذه الحيوانات، ومعالجتها، ثم إعادة إدماجها في بيئتها الطبيعية كلما كان ذلك ممكنًا، بحسب مالك المزرعة.
ومن بين هذه الحالات، يذكر السويح قصة ضبع تم اصطياده في الآونة الاخيرة بشكل غير قانوني وتعرض للإيذاء، قبل أن يتم إنقاذه وعلاجه داخل "الضيعة"، إذ استعاد عافيته تدريجيًا.
وسائط متعددة
"أم القطط" وحيواناتها الأليفة في لبنان مثال حي للرحمة والإيمان
نموذج بيئي متكامل
إلى جانب ذلك، يعمل محمد السويح، على تطوير نموذج بيئي قائم على الاكتفاء الذاتي داخل "الضيعة". الفكرة، كما يشرحها تتمثل في "إنتاج الغذاء داخل الضيعة، ثم إعادة تدوير فضلات الحيوانات لإنتاج الأسمدة وربما الغاز الطبيعي"، في إطار ما يصفه بـ"سلسلة قيمة من الأرض إلى الأرض".
هذه الرؤية ما تزال في طور التطوير، لكنها تعكس توجهًا واضحًا نحو بناء تجربة متكاملة، تتجاوز فكرة المزرعة التقليدية، لتصبح نموذجًا مصغرًا لعلاقة متوازنة بين الإنسان والطبيعة.

هذا التحوّل، كما يختصره السويح في حديثه لـ"سبوتنيك"، لم يكن مجرد تغيير في العمل، بل في معنى الحياة ذاتها. فالقرب من الحيوانات، في نظره، يفتح أفقًا مختلفًا للفهم، حيث يصبح العطاء متبادلًا، وحيث تتشكل علاقة قائمة على الثقة لا على الاستغلال.

ومن هذه التجربة، يوجّه محمد السويح، رسالة بسيطة للشباب لكنها محمّلة بالدلالة: "البداية، مهما كانت متواضعة، يمكن أن تقود إلى مسارات غير متوقعة إذا ما اقترنت بالشغف والإصرار".
مناقشة