خبراء: ميزان القوى يميل لصالح حكومة الوحدة على حساب المجلس الرئاسي

في ظل تعقيدات المشهد السياسي الليبي، واستمرار حالة الانقسام المؤسسي، يتصاعد الجدل حول حدود الصلاحيات بين المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة الوطنية، في وقت تواجه فيه البلاد تحديات متزايدة تتطلب وضوحًا في توزيع الأدوار، وتنسيقًا فعّالًا بين المؤسسات السيادية والتنفيذية.
Sputnik
ويبرز هذا الخلاف بشكل خاص في التكليفات الرسمية، إذ تتباين التفسيرات للنصوص القانونية المنظّمة لعمل كل طرف، ما ينعكس على مسار اتخاذ القرار ويثير تساؤلات حول مدى قدرة هذه الأجسام على العمل بشكل متناغم لتحقيق الاستقرار. وفي ظل غياب توافق سياسي شامل، يبقى هذا التداخل في الصلاحيات أحد أبرز معوقات بناء مؤسسات دولة موحدة وقادرة على إدارة المرحلة الانتقالية بكفاءة.
خلاف ليس بجديد
من جانبه، يرى المحلل السياسي الليبي إدريس أحميد، أن "الخلاف بين حكومة الوحدة الوطنية والمجلس الرئاسي، ليس وليد اللحظة، بل يظهر بين الحين والآخر في سياق تداخل الصلاحيات بين الطرفين".
وأضاف أحميد، في تصريحات لـ"سبوتنيك"، أن "حكومة الوحدة الوطنية، التي تشكّلت بموجب اتفاق جنيف السياسي، كُلّفت بمهام تنفيذية محددة، في حين أُنيطت بالمجلس الرئاسي مهام سيادية أخرى، غير أن الواقع أفرز تباينًا في تفسير هذه الاختصاصات".

وأشار إلى أن "حكومة الوحدة الوطنية باتت الطرف الأكثر حضورًا في المشهد السياسي، مع منح بعض الصلاحيات للمجلس الرئاسي، مثل ملف تعيين السفراء، إلا أن هذا الترتيب لم يمنع بروز خلافات متكررة"، واستدل على ذلك "بالتباين الذي ظهر خلال التعديل الوزاري الذي أجرته الحكومة، إذ بدا أن المجلس الرئاسي يسعى إلى تمثيل أو دور داخل التشكيلة الوزارية"، وفق قوله.

وتابع أحميد أن "الخلافات امتدت إلى ملفات دبلوماسية"، لافتًا إلى "قرار المجلس الرئاسي بإيقاف الوزير المكلف بمهام وزارة الخارجية، على خلفية ما اعتُبر تجاوزًا للصلاحيات، خاصة فيما يتعلق برفض التمديد لبعض السفراء، في وقت كان المجلس يميل إلى تمديد فترة عملهم".
تصعيد جديد في ليبيا... المنفي "يوقف" وزير خارجية حكومة الوحدة ويصعد الخلاف مع الدبيبة
وبيّن المحلل السياسي الليبي أن "غياب الالتزام الواضح بحدود الصلاحيات الممنوحة لكل طرف يُعدّ أحد أبرز أسباب حالة الارتباك السياسي، وهو ما ينعكس في استمرار الانقسام وغياب القرارات الحاسمة، فضلًا عن تفاقم الأزمات السياسية والاقتصادية".
وأكد أحميد أن "عدم التقيّد بالأطر القانونية والتشريعية، سواء من جانب الحكومة أو المجلس الرئاسي، أسهم في تعميق الأزمة"، مشيرًا إلى أن "العديد من القرارات تُتخذ بدوافع مصلحية أكثر من ارتباطها بالمصلحة العامة".
وفي سياق متصل، لفت إلى ما وصفه بـ"التحول الجديد" في المشهد الليبي، من خلال مبادرة مسعد بولس (الموفد الرئاسي الأمريكي إلى ليبيا)، التي تسعى إلى "جمع الأطراف في الشرق والغرب عبر مسارين، أولهما عسكري يهدف إلى توحيد المؤسسة العسكرية، وثانيهما سياسي بصيغة 4+4 لمحاولة تشكيل حكومة جديدة، إلى جانب العمل على إعداد قاعدة دستورية وقانونية تمهيدًا لإجراء الانتخابات".

وأشار إلى أن "المجلس الرئاسي يواجه حاليًا موقفًا حرجًا، في ظل تصاعد الانتقادات الموجّهة لحكومة الوحدة الوطنية بشأن تجاوز الصلاحيات، ومنها التعديل الوزاري"، موضحًا أن "الخطاب المعلن يركّز على حماية المصلحة العامة، غير أن الواقع يعكس صراعًا ذا أبعاد شخصية مرتبطًا بالبقاء في السلطة".

كما رجّح أن "تفرز المبادرات الأخيرة، الساعية إلى توحيد المؤسسات العسكرية والسياسية، تحولات جديدة قد تُعيد تشكيل موازين القوى، خاصة مع احتمال خروج بعض الأطراف من المشهد".
تداخل الصلاحيات
يرى المحلل السياسي الليبي أحمد التهامي، في تصريحات لـ"سبوتنيك"، أن "الخلافات بين المؤسسات التنفيذية في ليبيا ليست وليدة اللحظة، بل تعود جذورها إلى طبيعة الترتيبات السياسية، التي أُقرت منذ انطلاق مسار جنيف، وما رافقه من تداخل في الصلاحيات وتباين في الأدوار".

ويؤكد التهامي أن "المجلس الرئاسي، منذ لحظة تأسيسه، صُمم كجسم محدود الصلاحيات، خاصة في ما يتعلق بالتحكم في الموارد المالية، التي ظلت منذ عام 2011، مرتبطة بشكل مباشر برئاسة الحكومة".

وأضاف أن "هذا التداخل أفرز حالة من التناقض المؤسسي، حيث تستند كل جهة إلى تفسيرات قانونية تدعم موقفها، ما يعمّق الخلاف بدل حسمه".
وبحسب التهامي، فإن "موازين القوة على الأرض تميل لصالح رئاسة الوزراء، نظرًا لما تمتلكه من نفوذ مالي وعسكري، الأمر الذي قد يدفع المجلس الرئاسي إلى القبول بالأمر الواقع في كثير من الأحيان".
خبراء يحللون دعوة حماد للدبيبة لتسليم السلطة وتأثيرها على مستقبل الانتخابات في ليبيا
وفي ما يتعلق بتأثير هذا الخلاف على الملفات السيادية، يستبعد التهامي أن تكون له "انعكاسات جوهرية"، معتبرًا أن "النظام السياسي القائم صُمم أساسًا على قاعدة توزيع السلطة ومنع احتكارها من قبل جهة واحدة".
ويرى أن "هذا التصميم يعكس واقعًا فرضته أطراف متنازعة، تسعى إلى الحفاظ على حالة التوازن الهش بدل الذهاب نحو توحيد فعلي للمؤسسات".

كما أشار إلى أن "استمرار حالة التفتت، خاصة في غرب البلاد، ليس نتيجة فشل بقدر ما هو خيار مقصود، بدليل عدم نجاح الجهود في دمج التشكيلات المسلحة ضمن مؤسسة عسكرية موحدة".

وأكد التهامي أن "حالة التنازع بين الأطراف ستظل قائمة في المدى المنظور، لكنها قد تبقى محدودة التأثير، نظرًا لارتباطها ببنية الانقسام ذاتها، إذ تستمر هيمنة رئيس الوزراء ضمن حدود توازنات القوى القائمة، سواء من حيث النفوذ المالي أو دعم التشكيلات المسلحة، كما أن هذا الواقع مرشح للاستمرار ما لم تطرأ تغييرات جوهرية على المشهد السياسي أو تظهر قوى جديدة تعيد تشكيل موازين القوة".
مناقشة