هل تغير لجنة "4+4" قواعد اللعبة السياسية في ليبيا؟

في ظل استمرار الجمود السياسي في ليبيا وتعثر مسارات الحل، برزت "لجنة 4+4" كإحدى الآليات الجديدة التي يعوّل عليها لإعادة تحريك العملية السياسية، خاصة فيما يتعلق بإعداد إطار قانوني يمهد لإجراء الانتخابات.
Sputnik
وتضم اللجنة ممثلين عن مجلسي النواب الليبي والمجلس الأعلى للدولة، في محاولة لتقريب وجهات النظر بين الطرفين بشأن القوانين الانتخابية.
انقسام المؤسسات وتضارب المصالح... لماذا تتعثر القوانين الانتخابية في ليبيا؟
ومع ذلك، تظل التساؤلات قائمة حول مدى قدرة هذه اللجنة على تحقيق اختراق فعلي في المشهد السياسي، في ظل تجارب سابقة لم تفض إلى نتائج ملموسة، واستمرار حالة الانقسام وعدم الثقة بين الأطراف الفاعلة.
خلافات
من جانبه، قال المحلل السياسي محمد محفوظ، إن هذه اللجنة كانت قد أشارت إليها المبعوثة الأممية هانا تيته في إحاطتها السابقة أمام مجلس الأمن في فبراير الماضي، مرجعًا طرحها إلى فشل المجلسين في تنفيذ المهام الموكلة إليهما وفق خارطة الطريق، خاصة فيما يتعلق بإقرار القوانين الانتخابية والتعامل مع ملف المفوضية العليا للانتخابات.
وأضاف محفوظ في تصريح خاص لـ"سبوتنيك"، أن هذا التعثر دفع نحو الاتجاه لتشكيل مجموعات مصغّرة أكثر قدرة على التحرك.
وتابع: "ما جرى فعليا هو تشكيل لجنة مشتركة تضم عضوين من مجلس النواب وعضوين من المجلس الأعلى للدولة، إلى جانب ممثلين عن حكومة الوحدة الوطنية والقيادة العامة للجيش الليبي، في محاولة لخلق توازن بين الأطراف المؤثرة في المشهد".
وأشار إلى أن البعثة الأممية تسعى من خلال هذه اللجنة إلى إيجاد آلية عملية يمكن وصفها بـ"الفعالة"، عبر إشراك القوى الفاعلة على الأرض، وهو ما لم يكن مطروحا بشكل واضح في الفترات السابقة، نتيجة رفض بعض الأطراف الجلوس إلى طاولة واحدة.
وبيّن أن المهام المعلنة للجنة تشمل حسم ملف المفوضية العليا للانتخابات، بما في ذلك تشكيل مجلس إدارة جديد لها، معتبرًا أن هذا الملف لا يُعد من القضايا الأكثر تعقيدًا ويمكن التوصل إلى تسوية بشأنه.
في المقابل، أكد أن الإشكال الحقيقي يكمن في الخلاف حول القوانين الانتخابية، التي تتضمن نقاطا جوهرية ذات طابع سياسي أكثر منه فني، ما يجعل من الصعب التنبؤ بقدرة اللجنة على تحقيق اختراق حقيقي، أو تجاوز حالة الجمود التي تكررت في محطات سابقة.
خبراء يحللون دعوة حماد للدبيبة لتسليم السلطة وتأثيرها على مستقبل الانتخابات في ليبيا
وأوضح محفوظ أن المعطيات الحالية قد تبدو مختلفة من حيث تعدد المبادرات، إلا أن البعثة الأممية تراهن على هذه الفرصة كمسار أخير للأطراف المعنية، في وقت يُطرح فيه بديل يتمثل في الذهاب إلى مجلس تأسيسي يتم تشكيله في حال استمرار حالة التعثر.
وأشار إلى إن الحكم على نجاح أو فشل هذه اللجنة لا يزال سابقًا لأوانه، في ظل استمرار التحديات وبقاء نقاط الخلاف على حالها، لافتا إلى أن معظم الأطراف المتنازعة لا تزال حاضرة في المشهد، وهو ما قد يعرقل أي تقدم، خاصة إذا ما ظلت المشاريع السياسية مرتبطة بالأشخاص لا بالمؤسسات.
تحولات سياسية
فيما قال المحلل السياسي الليبي حسام الدين العبدلي إن الطاولة المصغرة، أو ما يعرف بلجنة (4+4)، جاءت في سياق جملة من التحولات السياسية والاقتصادية، بدأت بمبادرة مسعد بولس، وما رافقها من نجاح في توحيد الإنفاق التنموي، إضافة إلى نجاح التمرينات العسكرية التي أُقيمت في سرت وسط البلاد.
وقد انبثقت عن تلك التمرينات لجنة مشتركة سمّيت (3+3)، والتي تعد خطوة أولى نحو تشكيل غرفة عمليات مشتركة، وربما تمهد مستقبلاً لإنشاء جهاز أمني موحد أو قوة عسكرية موحدة بين شرق البلاد وغربها.
وأضاف في تصريحات لـ"سبوتنيك" أن هذه التطورات شجّعت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا على طرح فكرة جديدة تتمثل في الطاولة المصغرة (4+4)، وهي ليست فكرة مستحدثة بالكامل، إذ سبق للمبعوث الأممي السابق عبدالله باتيلي أن حاول تشكيل طاولة خماسية مشابهة. إلا أن اختلاف السياق السياسي الراهن منح هذه المبادرة فرصًا أكبر، حيث تسعى لجنة (4+4) إلى معالجة ملف القوانين الانتخابية، إضافة إلى إعادة تشكيل المفوضية الوطنية العليا للانتخابات.
وأشار العبدلي إلى أن هذه الخطوة جاءت بعد تعثر المسارين الأول والثاني لكل من مجلس النواب الليبي والمجلس الأعلى للدولة، في ما يتعلق بتشكيل المفوضية وتعديل القوانين الانتخابية.
ولفت إلى أن المبعوثة الأممية هانا تيتيه أكدت أن الطاولة المصغرة تُعد استكمالا للحوار المهيكل، لا سيما في مسار الحوكمة المرتبط بالعملية الانتخابية.
الانتخابات كحل سياسي في ليبيا... شروط غائبة ومخاوف قائمة
وأوضح أن اللجنة تمثل الفاعلين الحقيقيين على الأرض، والمتمثلين في القيادة العامة للجيش الوطني الليبي وحكومة الوحدة الوطنية، باعتبارهما الجهتين اللتين تمتلكان النفوذ العسكري والسياسي، ولهما تأثير مباشر على بقية الأطراف، بما في ذلك مجلسا النواب والدولة.
وفي ما يتعلق بأولى اجتماعات اللجنة، التي عُقدت في روما الأربعاء الماضي، أشار إلى أن سرعة التوصل إلى نتائج أولية فاجأت المتابعين، حيث تمكنت اللجنة من تحقيق تقدم مبكر، أبرزها التوصل إلى حل بشأن أزمة تشكيل المفوضية العليا للانتخابات.
وبيّن أن الأطراف اتفقت على اعتماد ثلاثة أعضاء من الذين رشحهم مجلس النواب لملء الشواغر في مجلس إدارة المفوضية خلال جلسة 25 ديسمبر 2025، إلى جانب ثلاثة أعضاء آخرين تم اختيارهم من قبل المجلس الأعلى للدولة خلال جلسة يناير الماضي.
وأضاف أن الجدل لا يزال قائماً حول منصب رئيس المفوضية، حيث رشح مجلس النواب رئيس المفوضية الحالي عماد السائح للاستمرار في منصبه، في حين رشح المجلس الأعلى للدولة صلاح الكميشي. إلا أن الأطراف المشاركة في اللجنة اتفقت على إحالة مسألة اختيار رئيس المفوضية إلى النائب العام، على أن يتولى ترشيح شخصية قضائية تتسم بالنزاهة والكفاءة لتولي هذا المنصب.
واعتبر العبدلي أن هذا الاتفاق يُعد خطوة إيجابية، خاصة أنه تحقق منذ الاجتماع الأول، رغم استمرار الخلاف حول بعض بنود القوانين الانتخابية، مرجحا عقد جلسات إضافية للطاولة المصغرة للوصول إلى حلول نهائية في وقت قريب.
وأكد أن هذه الطاولة المصغرة تعقد برعاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، وبعيدا عن الاتهامات الموجهة إليها، وذلك في ظل تأكيد المبعوثة الأممية هانا تيتيه على ضرورة إنهاء حالة الجمود السياسي الراهنة.
وأشار إلى أن بعض الأطراف انتقدت البعثة الأممية بدعوى تجاوزها للجهات التشريعية المختصة بإصدار القوانين، مثل مجلسي النواب والدولة، إلا أن تشكيل الطاولة المصغرة جاء بالاعتماد على الأطراف الفاعلة على الأرض.
مناقشة