في ظل غياب التشريعات الداعمة... الصحافة الليبية رهينة الضغوط السياسية والمخاطر الميدانية

في ظل إحياء العالم لليوم العالمي لحرية الصحافة الموافق 3 مايو/ أيار من كل عام، تتجدد التساؤلات حول واقع الصحافة في ليبيا، حيث يعمل الصحفيون في بيئة معقدة تتداخل فيها الانقسامات السياسية مع التحديات الأمنية والهشاشة القانونية.
Sputnik
وبينما يفترض أن يكون هذا اليوم مناسبة للاحتفاء بحرية التعبير ودور الإعلام في تعزيز الشفافية، يجد الصحفي الليبي نفسه أمام قيود متعددة، تتراوح بين التضييق على الوصول إلى المعلومات، والضغوط السياسية، والمخاطر الميدانية.
وفي ظل غياب أطر قانونية واضحة تحمي العمل الصحفي، تبقى حرية الإعلام في ليبيا رهينة لمعادلات متغيرة، تفرض على الصحفيين التوازن بين أداء واجبهم المهني وضمان سلامتهم الشخصية.
تحديات
قال رئيس الهيئة العامة لرصد المحتوى الإعلامي، جلال عثمان، إن "حرية الصحافة في ليبيا ما تزال مقيّدة بجملة من التحديات المتداخلة، في مقدمتها الأوضاع الأمنية والاقتصادية".
وأوضح في تصريحات لـ"سبوتنيك" أن "غالبية وسائل الإعلام الليبية التقليدية، سواء التلفزيونية أو الإذاعية أو الإلكترونية، تعمل في بيئة غير مستقلة"، لافتا إلى أن "الصحافة المطبوعة تحديدا لم تعد مستقلة، كونها خاضعة لإدارة الدولة، فضلا عن صعوبات الطباعة وارتفاع تكلفة الورق، ما أدى إلى تراجع دورها بشكل ملحوظ".
وأضاف عثمان أن "الخطاب الإعلامي بات في كثير من الأحيان رهينا لرؤوس الأموال والتيارات السياسية ومراكز النفوذ، الأمر الذي يفرض على الصحفيين التماهي مع التوجهات العامة لهذه القوى، سواء كانت سياسية أو عسكرية أو حزبية، وهو ما يمثل تحديا كبيرا أمام استقلالية العمل الصحفي".
وأشار إلى "وجود تحديات أمنية مباشرة، تتمثل في استهداف الصحفيين وعملهم ضمن بيئة توصف بالعدائية، إلى جانب القيود المفروضة على التغطية الإعلامية، مثل اشتراط الحصول على موافقات ورسائل رسمية متكررة لتغطية الأنشطة والفعاليات، خاصة بالنسبة للصحفيين العاملين مع وسائل إعلام أجنبية، وما يصاحب ذلك من متطلبات تجديد مستمرة، ما يحد من حرية الحركة والعمل الصحفي".
وفيما يتعلق بالإطار القانوني، بيّن عثمان أن "هناك فراغا تشريعيا واضحا في تنظيم العمل الإعلامي"، مشيرا إلى أن "قانون العقوبات الليبي يتضمن أكثر من 40 مادة سالبة للحرية يمكن أن تُطبق على الصحفيين، إلى جانب مواد زجرية أخرى".
المؤسسة الليبية للصحافة الاستقصائية تنظم ملتقى حول واقع صحافة حقوق الإنسان في ليبيا
كما انتقد استمرار العمل بقانون رقم 76 لسنة 1972 بشأن المطبوعات، واصفا إياه بأنه "من القوانين التي تقيّد العمل الصحفي، بالإضافة إلى قانون رقم 5 لسنة 2022 بشأن الجرائم الإلكترونية"، معتبرا أن "هذه التشريعات مجتمعة أسهمت في خلق بيئة غير محفزة للعمل الإعلامي".
ولفت إلى "غياب قوانين داعمة، مثل قانون حرية الحصول على المعلومات وقانون حماية الشهود والمبلغين، والتي كان من الممكن أن تسهم في توفير بيئة أكثر دعما للصحفيين".
وأكد أن "الصحفي في ليبيا يواجه تحديات ميدانية كبيرة، منها التعرض للاستيقاف أو المنع من العمل دون سند قانوني واضح، في ظل غياب الجدية من قبل الجهات الرسمية في دعم الصحفيين وضمان بيئة عمل آمنة لهم".
كما تطرّق عثمان إلى تأثير الانقسام السياسي وتعدد مراكز النفوذ، موضحا أن ذلك أدى إلى "بروز انحيازات مناطقية داخل المشهد الإعلامي، إذ يميل بعض الصحفيين إلى تبني مواقف تتماشى مع المناطق التي يعملون فيها، ما ينعكس في حدوث تجاوزات بحق الأطراف الأخرى دون محاسبة، وهو ما وصفه بخلل كبير في الأداء الإعلامي".
وأشار أيضا إلى "تصاعد ظاهرة الرقابة الذاتية لدى الصحفيين، نتيجة حالة الخوف من التعرض للمساءلة أو الانتهاكات، ما يدفعهم إلى تقييد أنفسهم ذاتيًا قبل نشر أي محتوى".
كما أكد أن "الجانب المادي يمثل تحديا إضافيا، إذ يتم توزيع الإعلانات بشكل غير شفاف، بما يخدم مؤسسات بعينها دون غيرها، بدلا من أن تكون موردا عادلا يدعم مختلف وسائل الإعلام".
وأكد على أن "تحسين بيئة العمل الصحفي في ليبيا يتطلب إرادة حقيقية من كافة المؤسسات الرسمية، دون استثناء، سواء كانت أمنية أو سياسية أو غيرها"، مشددا على أن "الصحفي يمثل مرآة المجتمع وأداة أساسية في دعم الحقيقة وتعزيز العدالة الاجتماعية، إلى جانب دوره في مكافحة التضليل، خاصة في ظل فوضى المعلومات على وسائل التواصل الاجتماعي".
ودعا في هذا السياق إلى "ضرورة التزام المؤسسات بحرية الصحافة وتوفير بيئة آمنة للصحفيين، وعلى رأسها مجلس النواب"، مطالبا بـ"الإسراع في إصدار قانون الإعلام المعطل منذ عام 2023، لما له من أهمية في حماية الصحفيين وتنظيم العمل الإعلامي".
قيود متعددة
من جانبه، قال رئيس المنظمة الليبية للإعلام المستقل، رضاء فحيل البوم، إنه "عند الحديث عن حرية الصحافة في ليبيا، يمكن الإشارة إلى أن بعض أنواع الصحافة تتمتع بهامش من الحرية، لا سيما في تغطية القضايا الفنية والاجتماعية، والتي غالبا ما تخلو من القيود".
وأضاف في تصريحات لـ"سبوتنيك"، أن "الصحافة المتخصصة، خاصة المرتبطة بالشأنين السياسي والاقتصادي، إلى جانب الصحافة الاستقصائية، تواجه قيودا متعددة، ما يعكس أن الصحفي الليبي لا يتمتع بحرية كاملة في أداء عمله".
وفيما يتعلق بالتحديات، أوضح البوم أن "أبرزها يتمثل في غياب تشريعات تضمن حق الوصول إلى المعلومات"، مؤكدا "عدم وجود قانون يكفل النفاذ إلى البيانات، على غرار ما هو معمول به في بعض الدول مثل تونس والمغرب، وهو ما ينعكس سلبا على قدرة الصحفيين في الحصول على المعلومات الدقيقة".
وأشار إلى أن "معظم المؤسسات الحكومية غير ملزمة بتقديم المعلومات أو نشرها، في ظل غياب الحماية القانونية والحصانة للصحفيين، خاصة العاملين في مجال الصحافة الاستقصائية أو في قضايا تتعلق بالمصلحة العامة، ما يجعلهم عرضة للمخاطر دون أي غطاء قانوني".
صحفيو تونس يحتجون أمام ساحة الحكومة دفاعا عن حرية الصحافة
ولفت إلى أن "البيئة التشريعية الحالية تتضمن أكثر من 40 مادة قد تُستخدم لمعاقبة الصحفيين على خلفية النشر، تحت مسميات مختلفة مثل "التضليل"، إضافة إلى أن قانون المطبوعات يفرض قيودا على حرية النشر، كما أن ممارسة العمل الصحفي دون ترخيص قد تؤدي إلى الاعتقال، رغم عدم وجود جهة رسمية في ليبيا تمنح تراخيص لمزاولة المهنة، وهو ما يشكّل تناقضا قانونيا واضحا".
أما على الصعيد الأمني، فأكد، رضاء فحيل البوم، أن "التحديات متعددة، من بينها القيود المفروضة على التصوير في الأماكن العامة أو داخل بعض المؤسسات، إذ يُطلب من الصحفيين الحصول على تصاريح مسبقة للعمل في عدد من المواقع".
وشدد البوم على "ضرورة الإسراع في إصدار قانون ينظم قطاع الإعلام"، لافتا إلى "وجود مشروع قانون متكامل ومتوافق مع المعايير الدولية، تم تقديمه إلى رئيس مجلس النواب، إلا أن الجهات التشريعية لم تتخذ خطوات جدية لاعتماده حتى الآن، رغم أهميته في تنظيم المشهد الإعلامي وضمان حرية الصحافة".
مناقشة