هل يبيع العراق نفطه بخسارة... جدل واسع بعد تقارير عن خصومات "ضخمة" لخام البصرة

وسط تصاعد التوترات في منطقة الخليج والمخاوف المتزايدة بشأن أمن إمدادات الطاقة العالمية، أثارت تقارير تحدثت عن تقديم العراق خصومات كبيرة على أسعار نفطه عبر مضيق هرمز جدلا واسعا في الأوساط الاقتصادية والنفطية.
Sputnik
وبينما تحدثت تقارير دولية عن تخفيضات وصلت إلى أكثر من 30 دولارا للبرميل، سارعت مصادر نفطية وخبراء اقتصاديون إلى التشكيك بهذه الأرقام، معتبرين أن بغداد لا يمكن أن تقدم على خطوة قد تكبدها خسائر بملايين الدولارات يومياً، في وقت تواجه فيه البلاد ضغوطاً مالية واقتصادية متصاعدة.
وقبل أيام، اتجه العراق إلى خفض أسعار النفط للمشترين الذين يختارون الشحن عبر مضيق هرمز، بالتزامن مع تصاعد التوترات الإقليمية واستمرار اضطراب سلاسل إمدادات الطاقة إلى الأسواق العالمية.
وذكرت وسائل إعلام أمريكية أن العراق عرض خصومات على الأسعار الرسمية لخام البصرة وصلت إلى 33.40 دولار للبرميل، استنادا إلى إشعار صادر عن شركة تسويق النفط العراقية "سومو" بتاريخ 3 أيار/ مايو الجاري، تضمّن تفاصيل مستويات التسعير المعتمدة لفترات مختلفة من الشهر الحالي.
العراق يبدأ تنفيذ مشروع خط نقل نفطي بطاقة 2.5 مليون برميل يوميا
نفي حكومي لبيع النفط العراقي بخصومات كبيرة
في غضون ذلك، نفى مصدر خاص في شركة "سومو" النفطية، صحة الأنباء المتداولة بشأن بيع العراق نفطه بأسعار تقل بنحو 30 دولارا عن الأسعار العالمية، مؤكدا أن العراق غير مضطر لطرح نفطه بهذه الخصومات الكبيرة في ظل حاجته لتعظيم موارده المالية.
وقال في تصريحات لـ"سبوتنيك"، إن "الحديث عن بيع النفط العراقي بأقل من أسعار السوق بـ30 دولارا غير دقيق"، مبينا أن "أي تخفيض محتمل لن يتجاوز دولارين مقارنة بالسعر العالمي".
وأضاف أن "العراق يمر بظروف اقتصادية صعبة منذ أشهر، ما يجعله حريصاً على تعزيز إيراداته المالية وليس التفريط بها عبر تخفيضات كبيرة على أسعار النفط".
قراءة اقتصادية: البيع بهكذا أسعار أمر غير منطقي
إلى ذلك، استبعد الخبير المختص بالشأن الاقتصادي، محمد حربي، صحة الأنباء المتداولة بشأن بيع النفط العراقي بأسعار تقل بـ30 دولارا عن الأسعار الرسمية العالمية، مؤكدا أن "مثل هذه الخطوة ستكبّد العراق خسائر مالية ضخمة".

وقال حربي، في تصريحات لـ"سبوتنيك"، إن "الدول النفطية عادة ما تستفيد من ارتفاع أسعار الخام لأنه ينعكس إيجابا على الإيرادات العامة"، موضحًا أن "بيع النفط العراقي بأقل من السوق بـ30 دولارا يعني خسارة تصل إلى نحو 30 مليون دولار يوميا، وهو أمر غير منطقي اقتصاديا".

وأضاف أن "العراق بحاجة إلى زيادة موارده المالية في ظل التحديات الاقتصادية الحالية"، لافتًا إلى أن "من غير المعقول أن تبيع دول مجاورة نفطها بأكثر من 100 دولار للبرميل، فيما يقوم العراق ببيع نفطه بخصومات كبيرة".
وأشار حربي إلى أن "هذه المعلومات تبدو غير دقيقة، لأن السياسة النفطية العراقية تعتمد أساساً على تعظيم الإيرادات والاستفادة من ارتفاع الأسعار العالمية".
وتشهد حركة الملاحة عبر مضيق هرمز شبه شلل منذ اندلاع الحرب أواخر شباط/ فبراير الماضي، فيما زاد التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران، يوم الاثنين، من المخاوف بشأن انهيار الهدنة الهشة التي استمرت لأربعة أسابيع.
وفي خضم هذه التطورات، كان العراق من بين أولى الدول المنتجة للنفط في المنطقة التي اتجهت إلى خفض الإنتاج مبكرا، بعد امتلاء السعات التخزينية الفائضة بوتيرة متسارعة، نتيجة تعثر صادرات الخام عبر الخليج العربي وتزايد الاضطرابات في خطوط الإمداد العالمية.
العراق.. استهداف مخازن بحقل "البزركان" النفطي بطائرات مسيرة
إجراء تكتيكي بسبب توترات المنطقة
اعتبر الخبير الاقتصادي النفطي، قاسم بلشان، خلال تصريحات لـ"سبوتنيك"، أن "أي تخفيض محتمل بأسعار النفط العراقي قد يأتي ضمن اعتبارات فنية وتكتيكية مرتبطة بالتوترات الأمنية في المنطقة، خصوصاً في محيط مضيق هرمز".
ووفقا لبلشان، فإن "الأوضاع الأمنية الحالية والتوترات في المنطقة قد تدفع بعض الشركات إلى التردد في شراء النفط العراقي، ما قد يفرض تقديم خصومات محدودة لجذب المشترين وضمان استمرار التصدير".
وتابع، قائلا إن "هذه التخفيضات إن وجدت لا تعني خسارة كاملة للعراق، بل هي تقليص في هامش الأرباح"، مشيرًا إلى أن "ارتفاع أسعار النفط عالميا بعد الأزمة الإقليمية قد يعوّض جزءا من هذه التخفيضات".
وأوضح أن "سعر برميل النفط ارتفع إلى مستويات تقارب 100 دولار بعد التوترات الأخيرة، مقارنة بنحو 60 إلى 65 دولارا قبل الأزمة، وبالتالي حتى مع وجود خصومات معينة فإن العراق ما يزال يحقق عوائد مالية جيدة".
وختم الخبير حديثه، بالقول إن "أي قرار من هذا النوع يأتي ضمن حسابات اقتصادية وجيوسياسية مرتبطة باستقرار السوق وضمان استمرار تدفق الصادرات النفطية العراقية".
ويعتمد الاقتصاد العراقي بشكل كبير على قطاع النفط، إذ يعد الركيزة الأساسية للنشاط الاقتصادي في البلاد، رغم أنه لا يمثل المورد الوحيد مقارنة ببعض دول الخليج العربي.
ويعد العراق من الدول المؤسسة لـمنظمة أوبك، حيث تعود بدايات صناعة النفط فيه إلى عام 1925، وقد انطلق الإنتاج فعليا من حقل بابا كركر في كركوك بعد عامين، قبل أن يمتد لاحقا إلى حقول أخرى، وصولا إلى تأميم القطاع النفطي بشكل كامل عام 1972.
مناقشة