اعتاد اللبنانيون على "أكشن" السياسة اللبنانية بين الحين والآخر، وكأن السياسيين أصبحوا معتادين على خض البلد في كل فرصة اتيحت لهم لشد عصب مناصريهم وطوائفهم ومذاهبهم. ويبقى المواطن اللبناني المستعد لكل شيء في سبيل رضى زعيمه وحزبه غافلا من زاوية أخرى كرامته وحقوقه.
لم تخرج الأحزاب اللبنانية وقادتها من قمقم الحرب الأهلية بالرغم من مرور أكثر من عشرين عاما على ذلك، بقي أمراء الحرب على مقاعدهم الحزبية وتقاسموا السلطة وفق مصالح مشتركة بين بعضهم البعض، لم تخرج الأحزاب اللبنانية من أدبياتها المعتادة التي كانت تستعملها في تلك الفترات، وبقيت لغة القوة و"البلطجة" هي الحل الوحيد لإسكات وقمع الآخرين بالرغم من انخفاض معدلات الأمية وارتفاع نسبة المتعلمين ونزع كل الحواجز والمتاريس التي كانت عائقا للحوار والانفتاح بين كل مكونات المجتمع اللبناني.
تفتقد الأحزاب اللبنانية ومناصريها اليوم إلى الوعي السياسي والاجتماعي الذي بدوره يلعب دورا كبيرا في معيار الاستقرار الداخلي، لا تزال العقلية اللبنانية مبنية على القوة والسلاح و"البلطجة" لتحقيق الهدف دون معرفة النتائج التي قد تسفر عنها، ومن هنا تفتقد بعض القيادات السياسية اللبنانية إلى الوعي والإدراك عما قد تسفر عنه بعض تصريحاتهم وعباراتهم التي تصبح وقودا لإشعال الشارع.
خضة لبنانية جديدة
أتى تصريح وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل الأخير حول وصف رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري بـ ""البلطجي" والتوعد بتكسير رأسه في سياق الخلاف بين تيارين سياسيين في لبنان، لكن الكلمات ومنها (البلطجي) والرغبات بتكسير الرأس تعطي تفسيرا واضحا عن ماهية العقلية السياسية لدى المسؤولين اللبنانيين الذين يعتقدون أنهم في زمن الحرب خلف متاريس وعلى خطوط التماس ويحملون السلاح ودول غربية تقف ورائهم وتدفعهم للمواجهة وفي أي لحظة قادرة على حمايتهم.
من جهة أخرى ، مسؤولية كبيرة ومهمة تقع على القيادات السياسية وهي ضبط الشارع عند أي خضة لعدم إدخال البلاد في نفق مظلم قد يؤدي الى نتائج وخيمة ومنها تعيد المتاريس والخنادق والحواجز. تمارس الأحزاب اللبنانية وعناصرها "البلطجة" على أشكالها من قطع للطرقات وتكسير واحراق الممتلكات العامة والخاصة، ضرب وشتم الزعماء والشخصيات السياسية ، والأخطر اطلاق النار واقتحام المراكز الحزبية وتكر السبحة الى أكثر من ذلك.
بروفة "شد العصب" قبيل الانتخابات والاستحقاقات المهمة
يمتاز لبنان بمعيار أصبح رقما أولا في السياسية اللبنانية وهو التجييش الطائفي والمذهبي وتأتي بعده "البلطجة" كوسيلة للضغط أو الاقناع والإسكات. ومع اقتراب الاستحقاق الانتخابي اللبناني ودخول القوى السياسية في "دويخة" القانون الانتخابي والتصويت والحاصل الانتخابي.
تحاول الأحزاب والقوى السياسية شد العصب المذهبي والطائفي بمختلف الطرق لكسب الأصوات، وليس بوارد الصدفة أن تكون حادثة "التصريح" الأخيرة الحاصلة تفيد القوى المتجاذبة اللذين استطعا شد عصب الشارع في كلا الطرفين.
قد يعتبر البعض أن الحادثة لن تؤثر على الطرفين طالما أن لكل طرف من الأطراف السياسية جمهور ومناصرين كثر وشارع، لكن اذا تمعنا قليلا، تحاول القوى السياسية جاهدة جذب أصوات مواطنين من خارج دائرة القرار والتأثير الحزبي، أي خارج الدائرة السياسية للأحزاب والزعماء.
وما يميز هؤلاء المواطنون عن غيرهم أنهم خارجين عن طاعة الزعيم والحزب، فيعدون قيمة إضافية مهمة تستحق من أجلها معركة وخضة في البلاد من أجل كسب مصالحهم وتعزيز سلطتهم. كما ستشهد الفترة المقبلة المزيد من هذه الخضات "المصطنعة" لإضافة بعض الأصوات الى داخل الصناديق.
(المقالة تعبر عن رأي كاتبها)