من غزة إلى جنوبي لبنان... أطفال يروون يوميات الحرب على خشبة المسرح

© Sputnik . Abdul kader Al Bay
تابعنا عبر
حصري
لم تكن خشبة المسرح في العاصمة اللبنانية بيروت هذه المرة مساحة للخيال، بل منصة للذاكرة. هناك، وقف أطفال حملوا من الحرب ما هو أثقل من أعمارهم، بعضهم فقد طرفًا من جسده، وبعضهم الآخر ترك خلفه أصدقاء لن يعودوا، وآخرون ما زالوا يحفظون تفاصيل الرحلة الطويلة من القرى المدمرة إلى أماكن النزوح.
وفي مسرح الـ"كوليزية" (المسرح الوطني اللبناني)، اجتمع أطفال من جنوبي لبنان وقطاع غزة، في عرض مسرحي حمل عنوان "أوهن من بيت العنكبوت"، حيث بدأ العرض بمشاهد صامتة، لكن الصمت لم يدم طويلًا، إذ سرعان ما تحوّلت الخشبة إلى مساحة اعتراف جماعي، يروي فيها الأطفال حكاياتهم كما عاشوها، بعيدًا عن لغة البيانات والأرقام.
المسرحية، التي أعدّتها رجاء بشارة، وقُدّمت ضمن مبادرة لجمعية "تيرو" للفنون، لم تعتمد على ممثلين يؤدون أدوارًا مكتوبة، بل على أصحاب الحكايات أنفسهم، كل طفل كان يحمل قصة شخصية تختصر جانبًا من المأساة التي عاشها سكان غزة وجنوبي لبنان، خلال الحرب.
بالنسبة للممثل والمخرج ومؤسس المسرح الوطني اللبناني قاسم إسطنبولي، فإن أهمية العمل تكمن في أن الأطفال هم من يروون الوقائع بأنفسهم، ويرى أن "توثيق هذه التجارب عبر المسرح والفنون يشكل جزءًا أساسيًا من حفظ الذاكرة الجماعية للأجيال المقبلة، خاصة أن ما عاشه أطفال غزة والجنوب يتجاوز حدود الجغرافيا ليعكس معاناة مشتركة فرضتها الحرب".

من غزة إلى جنوب لبنان... أطفال يروون الحرب على خشبة المسرح
© Sputnik . Abdul kader Al Bay
ومن بين القصص التي شهدها المسرح، برزت حكاية محمد النجار، القادم من قطاع غزة، إذ كان مجرد طفل يحاول شحن هواتف عائلته لدى أحد الجيران بسبب انقطاع الكهرباء، قبل أن يقلب القصف الإسرائيلي حياته رأسًا على عقب، حيث أصيب بجروح بالغة أدت إلى ثقوب في الرئتين وكسر في العمود الفقري، لتنطلق بعدها رحلة علاج طويلة امتدت من غزة إلى مصر ثم لبنان، حيث ما زال يخوض معركة استعادة حركته خطوة بعد أخرى.

من غزة إلى جنوب لبنان... أطفال يروون الحرب على خشبة المسرح
© Sputnik . Abdul kader Al Bay
أما آلاء طارق عزيز، القادمة من بيت حانون، فقد اختارت أن تتحدث عن أصدقائها الذين غيّبهم القصف، إذ استعادت أسماءهم وأحلامهم الصغيرة التي توقفت فجأة تحت ركام الحرب، مؤكدة أن مشاركتها في المسرحية هي محاولة لإيصال صوت الأطفال، الذين لم يعد بإمكانهم الكلام.

من غزة إلى جنوب لبنان... أطفال يروون الحرب على خشبة المسرح
© Sputnik . Abdul kader Al Bay
في المقابل، حمل أطفال جنوبي لبنان ذكريات مختلفة في تفاصيلها، متشابهة في وجعها. أمير زريق، استعاد قصة جده الذي بقي في بلدته شقرا، طوال سنوات الاحتلال الإسرائيلي وبعد حرب يوليو/ تموز 2006، قبل أن يضطر أخيرًا إلى النزوح مع اندلاع الحرب الأخيرة. بالنسبة له، لم تكن الحكاية مجرد قصة عائلية، بل شهادة على ارتباط الناس بأرضهم رغم التهجير المتكرر.

من غزة إلى جنوب لبنان... أطفال يروون الحرب على خشبة المسرح
© Sputnik . Abdul kader Al Bay
أما شقيقه سمير، فاختار أن يروي لحظة الاستيقاظ على صوت والده وهو يطلب من العائلة المغادرة فورًا، لتبدأ رحلة النزوح من الجنوب نحو بيروت، بكل ما حملته من خوف وترقب وأسئلة عن المستقبل.

من غزة إلى جنوب لبنان... أطفال يروون الحرب على خشبة المسرح
© Sputnik . Abdul kader Al Bay
ورغم اختلاف القصص وتباعد الأمكنة، بدا أن الأطفال المشاركين يتقاسمون رسالة واحدة، رسالة تلخصها كلمات الطفل سراج غملوش، الذي قال إنهم أرادوا من خلال المسرحية التعبير عن وجع التهجير، وفي الوقت نفسه، التأكيد أنهم لن ينهزموا.
وتحولت خشبة المسرح خلال 45 دقيقة إلى مساحة تجمع بحر غزة ببحر صور، وتمنح الأطفال فرصة لرواية ما عاشوه بأصواتهم هم، وفي عالم غالبًا ما يتحدث فيه الكبار باسم الضحايا، كان هؤلاء الأطفال يكتبون سرديتهم الخاصة، ويؤكدون أن الحرب قد تسرق الكثير، لكنها لا تستطيع أن تنتزع الحكاية من أصحابها.
