التكلفة الخفية للعمل المكتبي على الصحة

© Photo / Unsplash/ Jefferson Santos
تابعنا عبر
توضح الدراسات العلمية، كيف تزيد العادات الخاملة والتوتر المزمن والسعي للكمال من خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية بصمت. يبدو يوم العمل للعديد من موظفي المكاتب غير ضار، الوصول إلى المكتب صباحًا، وقضاء معظم اليوم أمام الشاشة، والرد على الرسائل، وحضور الاجتماعات، وشرب القهوة للبقاء متيقظًا، والمغادرة متعبًا في المساء.
قد يبدو الجسم سليمًا ظاهريًا، خاصةً لدى الأشخاص الذين لا يعانون من زيادة الوزن ولا يدخنون. ومع ذلك، قد يتراكم خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية دون أن يشعروا.
تسلط مقالة حديثة في مجلة "ساينتفك روسيا"، استنادًا إلى تعليقات طبيبة القلب ناتاليا غافريلوفا، الضوء على قلق متزايد: فالمكتب الحديث ليس مجرد مكان للعمل الذهني، بل هو أيضًا بيئة تتراكم فيها مخاطر القلب الخفية من خلال الخمول والتوتر وقلة النوم وعدم انتظام الأكل والإفراط في العمل بدافع السعي للكمال.
الخطر الرئيسي: الجلوس الطويل
المشكلة ليست في جلوس موظفي المكاتب فحسب، بل في جلوسهم لفترات طويلة متواصلة. يُقلل الجلوس لفترات طويلة من استهلاك الطاقة اليومي، ويُضعف قوة الأوعية الدموية، ويُبطئ الدورة الدموية، وغالبًا ما يترافق مع مخاطر أخرى مثل تناول الوجبات الخفيفة، وسوء الوضعية، والتوتر، وعدم الحصول على قسط كافٍ من الراحة.
وتؤكد أبحاث واسعة النطاق هذا القلق. فقد وجدت دراسة نُشرت في مجلة "JAMA Cardiology" وشملت 105,677 بالغًا من 21 دولة أن الأشخاص الذين يجلسون ثماني ساعات أو أكثر يوميًا أكثر عرضةً لخطر الوفاة لأي سبب ولأمراض القلب والأوعية الدموية الرئيسية مقارنةً بمن يجلسون أقل من أربع ساعات يوميًا.
وأشارت الدراسة نفسها إلى أن استبدال 30 دقيقة من الجلوس بنشاط بدني يرتبط بانخفاض خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، خاصةً عندما يكون النشاط ترفيهيًا وليس مهنيًا بحتًا.
وهذا الأمر مهم لأن العديد من المختصين يعتقدون أن جلسة واحدة في صالة الألعاب الرياضية كافية لتعويض يوم كامل من الخمول. صحيح أن التمارين الرياضية مفيدة للغاية، لكنها لا تُزيل تمامًا أضرار الجلوس لمدة ثماني إلى عشر ساعات متواصلة. والاستراتيجية الأفضل لا تقتصر على "ممارسة الرياضة بعد العمل" فحسب، بل تشمل أيضًا "كسر نمط الجلوس أثناء العمل".
التوتر يُحوّل العمل المكتبي إلى عبء على القلب والأوعية الدموية
غالبًا ما يُوصف العمل المكتبي بأنه "خفيف" لأنه لا يتطلب جهدًا بدنيًا كبيرًا. لكن من الناحية النفسية، قد يكون الأمر مُرهقًا. فالمواعيد النهائية، والرسائل المتواصلة، والتوقعات غير الواضحة، والمسؤولية دون سيطرة، والخوف من الأخطاء، والسعي للكمال، كلها عوامل تُبقي الجهاز العصبي مُنشطًا لفترات طويلة.
توضح جمعية القلب الأمريكية أن التوتر يُحفز إفراز الأدرينالين، مما يزيد مؤقتًا من معدل ضربات القلب وضغط الدم؛ وقد يُسهم التوتر المزمن في ارتفاع ضغط الدم وزيادة خطر الإصابة بالنوبات القلبية والسكتات الدماغية. كما ربطت دراسات بحثية واسعة النطاق بين التوتر المرتبط بالعمل وزيادة طفيفة في خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، خاصةً عندما تجمع الوظائف بين متطلبات عالية وسيطرة منخفضة.
ويضيف السعي للكمال بُعدًا آخر. فقد يتجاهل العامل الذي يسعى للكمال فترات الراحة، ويتجاهل التعب، ويؤخر وجبات الطعام، ويبقى متصلًا بالإنترنت بعد ساعات العمل، ويعتبر الراحة فشلًا. ومع مرور الوقت، لا يقتصر دور القلب على دعم العمل فحسب، بل يتحمل أيضًا التكلفة البيولوجية للضغط المستمر.
ومن أخطر الخرافات الشائعة أن خطر الإصابة بأمراض القلب ظاهر للعيان. فقد يكون الشخص نحيفًا، ومنتجًا، ونشيطًا ظاهريًا، ولكنه قد يُصاب بارتفاع ضغط الدم، أو ارتفاع نسبة الكوليسترول في الدم، أو مقاومة الأنسولين، أو اضطراب نظم القلب، أو تصلب الشرايين المبكر.
غالباً ما تتضمن سمات بيئة العمل العالية الخطورة ما يلي:
ساعات عمل طويلة يقضونها جالسين في أغلب الأوقات
فترات راحة قليلة
ضغط المواعيد النهائية المزمن
وجبات غير منتظمة
تناول القهوة بكثرة للحصول على الطاقة
قلة النوم
التعرض للشاشات في المساء
قلة النشاط البدني، وتجاهل الأعراض المبكرة
ويستحق الرجال فوق سن الأربعين، والنساء بعد انقطاع الطمث، والأشخاص الذين لديهم تاريخ عائلي لأمراض القلب والأوعية الدموية، والعاملون لساعات طويلة بشكل مزمن، اهتماماً خاصاً.
النوم ليس خياراً للراحة
قلة النوم عاملٌ آخر يُفاقم المشكلة دون أن يشعر به أحد. فعندما يكون النوم قصيراً جداً أو رديء الجودة، يفقد الجهاز القلبي الوعائي جزءاً من فترة الراحة الليلية. وتشير مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها إلى أن البالغين يحتاجون عموماً إلى سبع ساعات من النوم على الأقل، وأن جودة النوم الجيدة ضرورية للصحة والرفاهية النفسية، وفق ما تؤكده بوابة روسيا العلمية.
بالنسبة للعاملين في المكاتب، غالباً ما ينتج نقص النوم عن رسائل البريد الإلكتروني المتأخرة، واستخدام الشاشات في المساء، وتناول الكافيين والكحول، والقلق، وعدم وضوح الحدود بين العمل والحياة الشخصية. في هذا السياق، لا يُعدّ النوم الصحي ترفاً، بل هو جزء من الوقاية من أمراض القلب والأوعية الدموية.
علامات تحذيرية لا ينبغي تجاهلها
قبل حدوث أي مشكلة صحية، قد يُرسل الجسم إشارات. ينبغي التعامل بجدية مع التعب المستمر، وقلة النوم، والقلق، وضعف التركيز، وضيق التنفس عند بذل مجهود بسيط، وخفقان القلب، وانخفاض القدرة على ممارسة الرياضة، والشخير أو الاشتباه بانقطاع النفس النومي، وعدم الراحة في الصدر، أو الألم المنتشر إلى الرقبة أو الفك أو الظهر أو المعدة أو الذراع.
وتُدرج جمعية القلب الأمريكية عدم الراحة في الصدر، وضيق التنفس، وعدم الراحة في الذراعين أو الظهر أو الرقبة أو الفك أو المعدة، والغثيان، والدوار، والتعب غير المعتاد ضمن العلامات التحذيرية المحتملة للنوبة القلبية.


