باحثون يرسمون خريطة "كلمات" الحمض النووي التي تتحكم في الجينات البشرية

© Fotolia / DigitalGenetics
تابعنا عبر
تمكن فريق دولي من تحديد تسلسلات الحمض النووي التي تتعرف عليها مئات البروتينات التنظيمية البشرية غير المفهومة جيدًا، ما وسّع بشكل كبير خريطة كيفية التحكم في الجينات، وبعد ما يقرب من ثماني سنوات وأكثر من 4000 تجربة، وضع الباحثون أنماط ارتباط موثوقة لـ 177 بروتينًا، لم يسبق توصيف معظمها من قبل.
كيف تُفعّل البروتينات الجينات وتُعطّلها؟
يحتوي الحمض النووي البشري على التعليمات اللازمة لبناء الجسم والحفاظ عليه، ومع ذلك، لا تستخدم الخلايا جميع الجينات في الوقت نفسه، تحتوي الخلية العصبية وخلية الكبد والخلية العضلية على نفس الجينوم تقريبًا، لكن كل منها يُفعّل مجموعة مختلفة من الجينات لأداء دورها المتخصص.
يُنفَّذ جزء كبير من هذا التحكم بواسطة بروتينات تُسمى "عوامل النسخ"، والتي تبحث في الجينوم عن أنماط قصيرة من الحمض النووي (DNA) يمكنها التعرف عليها والارتباط بها. تُعرف هذه الأنماط باسم أنماط الارتباط، وتعمل ككلمات سرية داخل نص ضخم، بمجرد أن يعثر عامل النسخ على التسلسل الصحيح، يُمكنه المساعدة في تنشيط أو تثبيط الجينات المجاورة.
معرفة نمط البروتين تُتيح للعلماء التنبؤ بمكان ارتباطه بالجينوم، والجينات التي يُمكنه تنظيمها، وما إذا كانت الطفرة قد تُضعف أو تُقوي هذا التفاعل. مع ذلك، أظهر فهرس نُشر عام ٢٠١٨ أن ما يقرب من ربع عوامل النسخ البشرية المشتبه بها، والبالغ عددها ١٦٠٠ عامل تقريبًا، تفتقر إلى نمط موثوق وبيانات ارتباط واسعة النطاق بالحمض النووي.
لم تكن العديد من هذه البروتينات وثيقة الصلة بعوامل النسخ المدروسة جيدًا، مما يعني أن الباحثين لم يتمكنوا من التنبؤ بثقة بتفضيلاتها من خلال مقارنتها بعائلات البروتينات المعروفة. في بعض الحالات، لم يكن من الواضح حتى ما إذا كانت هذه البروتينات تتعرف على تسلسل محدد من الحمض النووي على الإطلاق.
خمس طرق لاختبار كل بروتين
قام فريق التعاون الدولي بدراسة خصوصية ارتباط الحمض النووي لـ 393 بروتينًا، بما في ذلك 332 عامل نسخ بشري محتمل غير مفهوم تمامًا، و61 بروتينًا ضابطًا.
تم دراسة كل بروتين باستخدام خمس طرق تجريبية مستقلة؛ بعضها قاس الارتباط بتسلسلات الحمض النووي الاصطناعية في أنظمة المختبر، بينما رصدت طرق أخرى سلوك البروتين داخل الخلايا الحية. كان هذا الجمع بين الطريقتين مهمًا لأن البروتين قد يرتبط بشكل مختلف في البيئة الخلوية الطبيعية للجينوم عما يرتبط به عند اختباره مقابل تسلسلات مبسطة في أنبوب اختبار.
بدلًا من الاعتماد على نتيجة تقنية واحدة، استخدم الباحثون نماذج مستمدة من تجربة واحدة للتنبؤ بالبيانات التي تم الحصول عليها من خلال طريقة أخرى لنفس البروتين. ساعد هذا التحقق عبر المنصات في التمييز بين الأنماط البيولوجية القابلة للتكرار والإشارات الناتجة عن إجراء مختبري أو برنامج تحليلي واحد.
أسفرت الدراسة في نهاية المطاف عن تحديد أنماط موثوقة لـ 177 بروتينًا، ولم يكن نمط ارتباط معظمها معروفًا سابقًا، مما رفع عدد عوامل النسخ البشرية ذات خصوصية ارتباط الحمض النووي المحددة إلى أكثر من 1400.
اختيار نمط موثوق واحد من بين مئات الاحتمالات
إن إيجاد نمط ليس بالأمر البسيط، إذ لا يقتصر على تحديد تسلسل متكرر تمامًا، فقد تُنتج التجارب والبرامج التحليلية المختلفة نماذج مختلفة لنفس البروتين، خاصةً إذا لم يُدرس هذا البروتين بالتفصيل من قبل.
استخدم الفريق عشرة برامج لاكتشاف الأنماط، واختبر النماذج الناتجة مقابل جميع التجارب الأخرى المتاحة لنفس البروتين، كما قيّم كل تجربة ثلاثة متخصصين مستقلين على الأقل من المجموعة البحثية.
كشفت هذه العملية عن نتيجة غير متوقعة، وهي أن الأنماط التي بدت واضحة بصريًا وتطلبت أحرفًا محددة من الحمض النووي في مواقع معينة لم تكن بالضرورة أفضل في التنبؤ بمواقع الارتباط الحقيقية.
أظهرت بعض الأنماط التي تبدو "غير محددة المعالم"، والتي لا يتطلب فيها أي موقع نيوكليوتيدًا واحدًا محددًا، أداءً جيدًا، وتمت محاكاتها عبر العديد من المنصات التجريبية، مما يدل على أن البروتين قادر على التعرف على مجموعة مرنة من التسلسلات المتشابهة بدلاً من كلمة جينية واحدة جامدة.
شرح كيفية تأثير تغييرات الحمض النووي المفردة على تنظيم الجينات
بعد تحديد الأنماط الموثوقة، استخدمها الباحثون لدراسة كيفية تأثير استبدال حرف واحد في الحمض النووي على ارتباط البروتين.
تحتوي الخلايا البشرية عادةً على نسختين من كل كروموسوم، وفي بعض المواقع الجينومية، تحمل النسخ أحرفًا مختلفة من الحمض النووي. ولأن التجارب سجلت الأجزاء التي ارتبط بها البروتين، تمكن الفريق من مقارنة مدى تكرار ظهور كل نسخة.
عندما تم استخلاص كلا المتغيرين بأعداد متساوية تقريبًا، فمن المرجح أن الاستبدال لم يكن له تأثير يُذكر على الارتباط. يشير اختلال التوازن الكبير إلى أن أحد المتغيرين إما ساعد البروتين على الارتباط أو أعاق قدرته على التعرف على الموقع، وتُعرف هذه الظاهرة "بالارتباط النوعي للأليل”.
رصد الباحثون مثل هذه الاختلالات في حوالي 10,000 موقع جينومي، ما يُمثل حوالي 12,000 حالة ارتباط بين البروتين والمتغيرات الجينية. ولأن الموقع الواحد قد يؤثر على أكثر من بروتين تنظيمي واحد، فقد تنبأ نموذج الارتباط بشكل صحيح في ثلاث من أصل أربع حالات بنسخة الحمض النووي التي يُفضلها البروتين.
يُعد هذا مفيدًا بشكل خاص لتفسير التغيرات في الجينوم غير المشفر، حيث ترتبط العديد من المتغيرات الجينية إحصائيًا بصفة أو مرض ما، حتى وإن لم تُغير بنية البروتين. يمكن أن تُساعد الأنماط الجديدة في تفسير ما إذا كان هذا المتغير يُغير موقعًا تنظيميًا ويمنع عامل نسخ مهمًا من الوصول إلى هدفه.
مورد جديد لعلم الجينوم والذكاء الاصطناعي
لا تكمن قيمة هذا المشروع في سدّ الثغرات المتعلقة بعوامل النسخ الفردية فحسب، بل في إنشاء قاعدة بيانات منهجية تربط قياسات الارتباط المختبرية بالنشاط داخل الخلايا.
ووفقًا للباحثين، يمكن لهذه البيانات متعددة الأساليب أن تدعم نماذج الحوسبة والذكاء الاصطناعي الشاملة القادرة على نقل المعرفة بين مختلف البيئات التجريبية، بدلًا من الاقتصار على تعلم الأنماط الناتجة عن تقنية واحدة.
ولم ينتج كل بروتين تم اختباره نمطًا قابلًا للتمييز، وتشير التحليلات الأولية إلى أن بعضها قد يحتاج إلى بروتينات شريكة أو حمض نووي معدل كيميائيًا قبل أن يتمكن من الارتباط بشكل انتقائي، بينما قد لا يتعرف البعض الآخر على تسلسل حمض نووي محدد على الإطلاق.
من خلال توسيع المفردات المعروفة التي تقرأ من خلالها البروتينات التنظيمية الحمض النووي، يوفر المشروع رؤية أكثر اكتمالاً للتحكم في الجينات وأساسًا عمليًا للتحقيق في كيفية تأثير التغييرات الجينية الصغيرة على هذا النظام.
المصدر : | بوابة روسيا العلمية |


