تونس: "البلاستيك مقابل الكراسات المدرسية" مبادرة بيئية تحول النفايات إلى وسيلة دعم للتلاميذ

© Sputnik
تابعنا عبر
حصري
في إحدى أكبر الجزر التونسية، جزيرة قرقنة التابعة لمحافظة صفاقس الواقعة شرقي البلاد، تحولت عملية جمع النفايات البلاستيكية إلى مبادرة بيئية واجتماعية تجمع بين حماية البيئة ودعم التلاميذ، من خلال جمع نحو 30 ألف قارورة بلاستيكية، مقابل توفير 3 آلاف كراس مدرسي للأطفال، في إطار مبادرة "قرقنة صفر بلاستيك".
المبادرة، التي لاقت اهتماما من قبل عدد من الخبراء والجمعيات البيئية في تونس، فتحت باب النقاش حول واقع النفايات البلاستيكية في البلاد، خاصة في المناطق الساحلية والجزر، وحول قدرة المبادرات المحلية على تحويل تحديات بيئية متراكمة إلى مشاريع ذات أثر اجتماعي، بالتزامن مع موسم العودة المدرسية.
ومنذ 25 يوليو/تموز الماضي، أطلقت "جمعية "قرقني ناجح للتنمية المستدامة" مبادرة "قرقنة صفر بلاستيك" تحت شعار "معا لعودة مدرسية سعيدة وبيئة نظيفة"، على أن تتواصل الحملة إلى غاية 25 أغسطس/آب الجاري.
وتراهن المبادرة على جمع 30 ألف قارورة بلاستيكية من مختلف مناطق الجزيرة، في محاولة للحد من التلوث وحماية البيئة والثروة البحرية، عبر تحويل عملية الجمع إلى سلوك جماعي يتقاطع فيه البيئي مع الاجتماعي.

تونس: "البلاستيك مقابل الكراسات المدرسية" مبادرة بيئية تحوّل النفايات إلى وسيلة لدعم للتلاميذ
© Sputnik
البلاستيك مقابل الكراسات المدرسية
في تصريح لـ"سبوتنيك"، أوضح رئيس الجمعية، نافع الحليوي، أن المبادرة تجمع بين أبعاد بيئية وتربوية واجتماعية، من خلال نشر ثقافة فرز النفايات وإعادة التدوير، وترسيخ السلوك البيئي الإيجابي لدى الجيل الناشئ.
وقال الحليوي إن "رهان الحملة يتمثل في جمع 30 ألف قارورة بلاستيكية، مقابل توزيع آلاف الدفاتر المدرسية على التلاميذ المشاركين في المبادرة".
وأضاف: "اخترنا شعار الحملة، عودة مدرسية سعيدة وبيئة نظيفة، نظرا إلى تزامن المبادرة مع العودة المدرسية، وأردنا أن يكون جمهورنا في مرحلة أولى هو التلميذ والطالب".

تونس: "البلاستيك مقابل الكراسات المدرسية" مبادرة بيئية تحوّل النفايات إلى وسيلة لدعم للتلاميذ
© Sputnik
وأوضح أن فكرة المبادرة جاءت إثر تسجيل شكاوى من عدد من المتساكنين بشأن تراكم النفايات البلاستيكية في مناطق مختلفة من الجزيرة، من بينها الشواطئ.
ويرى الحليوي، أن المبادرة تختلف عن حملات النظافة التقليدية، سواء من حيث مدتها أو أهدافها، قائلا إن "هذه المبادرة التوعوية ستتواصل لمدة شهر، وهي تجمع بين البعدين البيئي والاجتماعي، وتشجع الأطفال على تبني سلوكيات صديقة للبيئة، وتخفف في الوقت نفسه جزءا من أعباء اقتناء الأدوات المدرسية عن الأسر".
ولا تقتصر الحملة على جمع القوارير، إذ يعمل المشرفون عليها على تطوير أنشطتها مستقبلا، من خلال تنظيم عروض تنشيطية للأطفال في الجزيرة، يكون شرط الدخول إليها جمع 10 قوارير بلاستيكية.وهكذا، تتحول القارورة التي ينتهي بها الأمر عادة إلى الشاطئ أو حاوية النفايات، إلى وسيلة للمشاركة في نشاط ترفيهي، ثم إلى كراس مدرسي يعود إلى مقاعد الدراسة.

تونس: "البلاستيك مقابل الكراسات المدرسية" مبادرة بيئية تحوّل النفايات إلى وسيلة لدعم للتلاميذ
© Sputnik
طموح لتحويل قرقنة إلى منطقة خالية من البلاستيك
في حديث لـ"سبوتنيك"، رحب البحار منتصر، وهو أصيل جزيرة قرقنة، بالمبادرة، معتبرا أنها يمكن أن تساهم في إعادة الاعتبار إلى الجزيرة وثروتها البحرية، وصولا إلى جعلها "أول منطقة خالية من البلاستيك"، وفق تعبيره.
وقال منتصر إن "جميع السكان معنيون بهذه الحملة، من بحارة وتلاميذ"، مشيرا إلى أن انتشار الأكياس والقوارير البلاستيكية، إلى جانب شباك الصيد المهملة، بات يشكل خطرا على الثروة البحرية في الجزيرة، وهو ما يتطلب، بحسب رأيه، "تكاتف جميع الأطراف، من مجتمع مدني ومنظمات وخبراء في الاختصاص".
وأضاف منتصر أن الجزيرة تشهد، مع كل موسم اصطياف، ارتفاعا في كميات النفايات البلاستيكية، إلى درجة أثارت قلق عدد من الزوار والسياح، وفق قوله.

تونس: "البلاستيك مقابل الكراسات المدرسية" مبادرة بيئية تحوّل النفايات إلى وسيلة لدعم للتلاميذ
© Sputnik
ولا تبدو المشكلة محصورة في قرقنة وحدها، إذ تعكس أرقاما قدمتها الجمعية التونسية للمؤسسات الصغرى والمتوسطة خلال العام الماضي، حجم التحدي الذي تواجهه تونس في مجال النفايات البلاستيكية.
وبحسب هذه الأرقام، تنتج تونس سنويا نحو 320 ألف طن من البلاستيك، وتستهلك حوالي 4.2 مليار كيس أحادي الاستخدام، في حين لا تتجاوز كميات النفايات البلاستيكية التي يعاد تدويرها 4% من إجمالي هذه الكميات.

تونس: "البلاستيك مقابل الكراسات المدرسية" مبادرة بيئية تحوّل النفايات إلى وسيلة لدعم للتلاميذ
© Sputnik
من النفايات إلى ديناميكية اقتصادية
ولا تتوقف رهانات المبادرة عند حدود حماية البيئة أو مساعدة الأسر خلال العودة المدرسية، إذ يرى خبراء أن جمع البلاستيك يمكن أن يفتح أيضا المجال أمام خلق ديناميكية اقتصادية محلية، خاصة إذا تم إدماجه ضمن منظومة الاقتصاد الدائري.
وفي تعليق لـ"سبوتنيك"، اعتبر الخبير الدولي في الاقتصاد الدائري، وسيم شعبان، أن مبادرة "صفر بلاستيك" إيجابية، وأنها ساهمت في خلق "ديناميكية كبرى" داخل الجزيرة، معتبرا أن الحملة تخدم في الوقت نفسه الأبعاد البيئية والاجتماعية والاقتصادية.
وأوضح شعبان أن عملية جمع البلاستيك يمكن أن تخدم مصالح عدد من الشركات الصغرى المتمركزة في الجزيرة، خاصة في مجال تثمين النفايات البلاستيكية وإعادة إدماجها في الدورة الاقتصادية، مشيرا إلى أن كميات البلاستيك ترتفع نسبيا خلال فصل الصيف مقارنة ببقية الفصول، في ظل توافد نحو 400 ألف زائر على قرقنة خلال موسم الاصطياف، وهو ما يؤدي، بحسب تقديره، إلى إنتاج كميات أكبر من النفايات البلاستيكية.

تونس: "البلاستيك مقابل الكراسات المدرسية" مبادرة بيئية تحوّل النفايات إلى وسيلة لدعم للتلاميذ
© Sputnik
ويرى الخبير أن السنوات الماضية شهدت نقصا في عمليات جمع القوارير البلاستيكية في جزيرة قرقنة، معتبرا أن إدماج التلميذ والطالب في هذه المبادرة يمثل فرصة مهمة يمكن تطويرها وتعميمها مستقبلا داخل عدد من المدارس.
ويقترح شعبان تعزيز الجانب التحفيزي للحملة عبر تنظيم مسابقات بيئية وتقديم جوائز للتلاميذ، بما قد يشجعهم على إطلاق مبادرات فردية وجماعية تساهم في حماية البيئة المحلية.
لكن تحويل قرقنة إلى نموذج بيئي مستدام، بحسب الخبير، لا يمكن أن يعتمد على المبادرات الظرفية وحدها. فتحقيق بيئة سليمة في تونس يتطلب، في رأيه، حلولا أكثر تنظيما، تبدأ من طريقة جمع البلاستيك ولا تنتهي عند سن القوانين التي تسهل إعادة تدوير النفايات وتثمينها. فالبلاستيك، الذي يبدو في صورته الأولى مجرد نفاية، يمكن أن يتحول، إذا ما أُدمج في منظومة الاقتصاد الدائري، إلى مادة ذات قيمة اقتصادية وبيئية.
