علماء روس يطورون تقنية جديدة تمنح أجهزة الاستشعار رؤية مزدوجة

© Sputnik . Yuri Streletc
تابعنا عبر
طور فريق دولي من العلماء، يضم باحثين روسًا بارزين من جامعة موسكو الحكومية للعلوم والتكنولوجيا، وجامعة موسكو التربوية الحكومية، والمركز الروسي للفيزياء الكمية، ومعهد موسكو للإلكترونيات والرياضيات التابع لمدرسة الاقتصاد العليا "HSE"، كاشفًا جديدًا للأشعة تحت الحمراء قادرًا على رصد الإشعاع بطريقتين مختلفتين جذريًا ضمن عنصر أشباه الموصلات نفسه.
عند أطوال موجية تتراوح بين 2 و5 ميكرومترات، يعمل الجهاز ككاشف ضوئي تقليدي، حيث يحول فوتونات الأشعة تحت الحمراء الواردة مباشرةً إلى إشارة كهربائية، بينما عند أطوال موجية أطول، بدءًا من 10.6 ميكرومتر، يتحول إلى آلية حرارية تُعرف باسم التأثير الكهروحراري الحاجزي. والأهم من ذلك، وجد الباحثون أن الآليتين لا تتداخلان عمليًا مع بعضهما بعضا.
قد تُتيح هذه الاستجابة المزدوجة لأنظمة الأشعة تحت الحمراء المستقبلية معلوماتٍ أكثر دقةً حول ما ترصده، مما يُساعدها على تحليل الأجسام عند درجات حرارة مختلفة، وتحسين أدائها في وجود التداخل البصري، وتمييز المواد والأجسام بدقة أكبر من خلال بصماتها الحرارية.
لماذا يعد الكشف عن الأشعة تحت الحمراء بطريقتين أمرا بالغ الأهمية؟
تُمكّن أجهزة الكشف عن الأشعة تحت الحمراء الآلات من تسجيل الإشعاع الذي لا تستطيع العين البشرية رؤيته، وتُستخدم في المراقبة الصناعية، والطب، والتطبيقات البيئية، وأنظمة الرؤية الليلية، وتكنولوجيا الفضاء.
تعتمد معظم أجهزة الكشف بشكل أساسي على أحد مبدأين: المستشعرات الكهروضوئية التي تستجيب مباشرةً لفوتونات الأشعة تحت الحمراء وتحوّل طاقتها إلى إشارة كهربائية، والمستشعرات الحرارية التي تكشف التغيرات في المادة الناتجة عن التسخين عند امتصاص الأشعة تحت الحمراء.
يجمع الجهاز الجديد بين كلا النهجين في بنية واحدة، مما يعني أن مستشعرًا واحدًا يمكنه الاستجابة بشكل مختلف اعتمادًا على الطول الموجي الذي يصل إليه،فبدلاً من استخدام مكونات منفصلة لأنواع مختلفة من الكشف عن الأشعة تحت الحمراء، أثبت الباحثون آليتي كشف فيزيائيتين داخل جهاز أشباه موصلات واحد.
كيف يؤدي شبه موصل واحد وظيفتين مختلفتين
يُصنع المستشعر من بلورة أحادية من تيلوريد الرصاص، وهو شبه موصل يُستخدم على نطاق واسع في كاشفات الأشعة تحت الحمراء متوسطة الموجة نظرًا لحساسيته العالية في هذا النطاق الطيفي.
عندما يصل إشعاع الأشعة تحت الحمراء بطول موجي يتراوح بين 2 و5 ميكرومتر إلى الجهاز، تُولّد الفوتونات أزواجًا من الإلكترونات والفجوات داخل شبه الموصل، مما يُنتج إشارة كهربائية. في هذه الحالة، يتصرف المستشعر كصمام ثنائي ضوئي تقليدي. أما عند أطوال موجية تبدأ من 10.6 ميكرومتر، فتبدأ عملية فيزيائية أخرى بالظهور: وهي التأثير الكهروحراري الحاجز.
أوضح دانيل كوبتسيف، مساعد باحث في مختبر مستشعرات الغاز الضوئية في جامعة العلوم والتكنولوجيا الوطنية، أن الفريق أثبت أن عنصرًا واحدًا من أشباه الموصلات يمكنه تسجيل إشعاع الأشعة تحت الحمراء من خلال هاتين الآليتين الفيزيائيتين المختلفتين، مع عدم وجود تأثير يُذكر بينهما.
وبذلك تم تزويد المادة نفسها بطريقتين مختلفتين "لرؤية" الأشعة تحت الحمراء، إحداهما تستجيب مباشرةً للفوتونات، بينما تستجيب الأخرى من خلال تأثير كهربائي مرتبط بدرجة الحرارة.
ابتكار تأثير يُفترض استحالته
تطلّب تحقيق الآلية الثانية التغلب على قيد فيزيائي غير مألوف.
يحدث التأثير الكهروحراري التقليدي في المواد التي لا تمتلك مركز تناظر، مثل تيتانات الباريوم وتانتالات الليثيوم، فعند تغير درجة حرارتها، تظهر شحنة كهربائية على سطحها، ويمكن استخدامها للكشف عن الأشعة تحت الحمراء.
يختلف تيلوريد الرصاص، فهو يمتلك مركز تناظر، وبالتالي لا يُفترض أن يُظهر تأثيرًا كهروحراريًا في الظروف العادية. غيّر الباحثون سلوكه بإدخال شوائب من الإنديوم وتكوين وصلة ثنائية (p-n)، مما أدى إلى توليد مجال كهربائي داخلي داخل البلورة، والذي أخلّ بالتناظر موضعيًا عن طريق إزاحة الشبكات الأيونية الفرعية للمادة بالنسبة لبعضها البعض.
بحسب فاديم كوفاليوك، الحاصل على الدكتوراه في الفيزياء والرياضيات ورئيس مختبر مستشعرات الغاز الضوئية في جامعة العلوم والتكنولوجيا الوطنية (NUST MISIS)، فإن اعتماد سماحية العزل الكهربائي لتيلوريد الرصاص على درجة الحرارة بشكل كبير ينتج عنه إشارة كهربائية قوية يمكن استخدامها لتسجيل الإشعاع ذي الطاقة الأقل من فجوة النطاق للمادة.
والأهم من ذلك، أن هذا التعديل لم يُلغِ الخصائص الكهروضوئية الطبيعية لتيلوريد الرصاص، مما يسمح لآليتي الكشف عن الأشعة تحت الحمراء بالعمل معًا في الجهاز نفسه.
تم الاختبار في درجات حرارة منخفضة تصل إلى -233 درجة مئوية
قام الباحثون بتصميم نماذج تجريبية واختبروها في درجات حرارة تتراوح بين -233 درجة مئوية و-83 درجة مئوية، وهي ظروف نموذجية لأجهزة الكشف بالأشعة تحت الحمراء عالية الدقة.
أظهرت الأجهزة حساسية عالية في الوضع الكهروضوئي، واستجابة حرارية مستقرة، وخصائص ثابتة أثناء التشغيل لفترات طويلة، مما يؤكد أن مبدأ الوضع المزدوج يعمل عمليًا وليس مجرد مفهوم نظري. نُشرت تفاصيل البحث في مجلة الفيزياء التطبيقية.
من التصوير الحراري إلى التشخيص الصناعي
قد تكون القدرة على الحصول على نوعين من معلومات الأشعة تحت الحمراء من بنية أشباه موصلات واحدة مفيدة بشكل خاص عندما تختلف الأجسام في درجة حرارتها أو عندما لا يوفر نطاق طيفي واحد معلومات كافية للتعرف عليها بدقة.
ووفقًا لغريغوري غولتسمان، الحاصل على دكتوراه في العلوم الفيزيائية والرياضية وكبير الباحثين في مختبر الاتصالات الكمومية بجامعة العلوم والتكنولوجيا الوطنية (NUST MISIS)، يمكن أن تصبح بنية أشباه الموصلات المقترحة أساسًا لمصفوفات كاشفات عالمية وصغيرة الحجم ودقيقة.
تطبيقات محتملة
حدد الباحثون تطبيقات محتملة في أجهزة التصوير الحراري، وأنظمة المراقبة، والتشخيص الصناعي، والبحث العلمي.
لا تكمن أهمية هذا العمل في توسيع نطاق مستشعر الأشعة تحت الحمراء فحسب، بل في تمكين عنصر واحد من أشباه موصلات تيلوريد الرصاص من أداء نوعين مختلفين من الكشف: استجابة كهروضوئية في نطاق 2-5 ميكرومترات، واستجابة حرارية حاجزية كهروحرارية من 10.6 ميكرومتر، مع بقاء الآليتين مستقلتين إلى حد كبير.
يوفر هذا للمهندسين مسارًا محتملاً نحو كاشفات الأشعة تحت الحمراء التي يمكنها الحصول على معلومات أكثر ثراءً دون الحاجة إلى تقنيات استشعار منفصلة تمامًا لكل نطاق طيفي.
دُعم هذا المشروع من قِبل المؤسسة الروسية للعلوم، ووزارة العلوم والتعليم العالي في روسيا الاتحادية.



