علماء روس يطورون "فونوغرافا ليزريا" لإعادة أصوات صمتت منذ قرن

© Photo
تابعنا عبر
ابتكر باحثون في جامعة الأبحاث النووية الوطنية جهاز فونوغراف ليزري قادر على قراءة أسطوانات الشمع الهشة التي تعود إلى أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين دون لمسها فعليًا.
فبدلًا من استخدام إبرة معدنية قد تُتلف سطح الأسطوانة مع مرور الزمن، يتتبع الجهاز أخدود الصوت الأصلي باستخدام ليزر منخفض الطاقة، ويحول شكله المجهري مباشرةً إلى صوت، ما يفتح طريقًا أكثر أمانًا لرقمنة آلاف التسجيلات التاريخية المحفوظة في الأرشيفات والمتاحف.
وقد سُجلت العديد من أقدم التسجيلات الصوتية الباقية على أسطوانات شمعية، وهي من أوائل الوسائط العملية لتخزين الأصوات البشرية والموسيقى، وكانت الاهتزازات الصوتية تُنقش ميكانيكيًا على شكل اختلافات دقيقة في أخدود حلزوني على سطح الأسطوانة، ثم تُعاد إنتاجها بتمرير قلم عبر الأخدود نفسه.
بعد مرور أكثر من قرن، أصبح الشمع هشًا للغاية، ما يُشكّل تحديًا كبيرًا في حفظه: فتشغيل أسطوانة كهذه بإبرة معدنية تقليدية قد يُتلف التسجيل الذي يسعى الباحثون إلى حفظه، أو حتى يُدمره تمامًا.
حلّ فريق معهد موسكو للفيزياء هذه المشكلة باستبدال التلامس المباشر بتقنية التشخيص بالليزر، باستخدام ليزر شبه موصل يُشبه في جوهره الليزر المستخدم في مؤشرات الليزر العادية، فبدلًا من ملامسة الأخدود، يقوم شعاع الليزر بمسح سطحه، مما يسمح للنظام بقياس التغيرات المجهرية التي كانت تُمثّل الصوت في الأصل.
تحويل شكل الأخدود إلى صوت
المبدأ بديهي بشكلٍ مُدهش: عندما كان شخص ما يتحدث أو يُشغّل موسيقى على جهاز فونوغراف، كانت تلك الموجات الصوتية تُحدث حركات مُطابقة في الشمع بواسطة نظام ميكانيكي، مما يعني أن الأخدود نفسه أصبح سجلًا ماديًا للصوت.
وأوضح أندريه ميخايليوك، الباحث في معهد موسكو للفيزياء الهندسية أنالجهاز الجديد يعكس هذه العملية بصريًا، حيث يقيس تغير شكل الأخدود مع حركة الأسطوانة، ويُحوّل تلك التغيرات إلى إشارة كهربائية، يُمكن إعادة إنتاجها كصوت في الوقت الفعلي.
كان التحدي الهندسي الأكبر هو الحفاظ على محاذاة الليزر بدقة مع الأخدود، لأن الأسطوانات التي يعود عمرها إلى قرن من الزمان نادرًا ما تكون مستقيمة تمامًا أو ذات شكل منتظم، فالتشوهات الطفيفة المتراكمة أثناء التخزين قد تتسبب في انزياح الأخدود جانبيًا أو تغيير موضعه مع دوران الأسطوانة.
وللتغلب على هذه المشكلة، طور الباحثون نظام تغذية راجعة يراقب باستمرار ضوء الليزر المنعكس ويضبط موضع الشعاع تلقائيًا، بحيث عندما ينحني الأخدود أو يتحرك، يتبعه الليزر بدلًا من فقدان الإشارة المسجلة.
وتُعد آلية التغذية الراجعة هذه بالغة الأهمية، لأن الليزر نفسه لا يستطيع التمييز بين ما إذا كان التغيير ناتجًا عن الأخدود المسجل أو عن تشوه الأسطوانة، لذا يجب على نظام التحكم تتبع السطح باستمرار وتصحيح الشعاع في الوقت الفعلي.
حماية التسجيل أثناء قراءته
يُزيل استخدام الليزر الاحتكاك الميكانيكي، لكن الضوء قد يُلحق الضرر بالمواد الحساسة إذا ما وفّر طاقةً زائدة، لذا اختار الباحثون عمدًا طاقة ليزر منخفضة جدًا لتجنب تسخين الشمع.
كما وجدوا أن تركيز الشعاع بشدة غير مرغوب فيه، لأن التركيز المفرط يُدخل تشويشًا إضافيًا في الإشارة المُستعادة، ما يعني أن ظروف التشغيل الأكثر أمانًا تُسهم أيضًا في إنتاج صوت أنقى.
سُمّي الجهاز "ديفنايا فيش" أو "شيء رائع"، نسبةً إلى كلمات نُسبت إلى المُلحّن وعازف البيانو الروسي أنطون روبنشتاين عندما صادف جهاز الفونوغراف الخاص بتوماس إديسون. استُلهم المشروع جزئيًا من تسجيلٍ محفوظٍ لبيتر تشايكوفسكي وروبنشتاين، حيثُ شجّع تشايكوفسكي عازف البيانو على الحفاظ على عزفه، وردّ روبنشتاين على الفونوغراف بالعبارة التي أُطلق عليها اسم الجهاز الجديد لاحقًا.
إمكانية سماع آلاف التسجيلات التاريخية الصامتة من جديد
تتجاوز أهمية هذه التقنية مجرد تسجيلٍ شهيرٍ واحد، فبحسب منظمي المشروع، تضم الأرشيفات والمتاحف الروسية آلافًا من أسطوانات الفونوغراف الشمعية، لم يُعاد تشغيل العديد منها قط خشية تلفها.
وتشمل هذه المجموعات تسجيلاتٍ لليو تولستوي في ياسنايا بوليانا، ومواد جُمعت خلال رحلات استكشافية للفولكلور في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، بالإضافة إلى تسجيلات نادرة لشعراء وكتاب وشخصيات تاريخية أخرى. وفي كثير من الأحيان، قد تحفظ هذه الأسطوانات أصواتًا ولهجات وأغانٍ وعروضًا لا مثيل لها.
يخطط الباحثون الآن لتطوير هذه التقنية باستخدام مجموعة كبيرة من الأسطوانات الأقل ندرة قبل البدء في رقمنة التسجيلات ذات الأهمية التاريخية بشكل منهجي. يتمثل الهدف طويل الأمد في إنشاء مجموعة صوتية متاحة للجمهور، بينما يخطط مركز أنطون روبنشتاين للتراث أيضًا لإنشاء مساحة استماع تفاعلية حيث يمكن الاستماع إلى التسجيلات المُرممة باستخدام أجهزة صوتية حديثة.
لذا، يُمثل جهاز الفونوغراف الليزري أكثر من مجرد جهاز تشغيل جديد، فهو يُتيح تحويل الآثار المادية الهشة للغاية إلى صوت رقمي متين دون المساس بالأصول، مما يسمح بحفظ الأصوات المسجلة منذ أكثر من مئة عام ودراستها والاستماع إليها مجددًا.
المصدر : | بوابة روسيا العلمية |

