علماء يكشفون ما يحدث للشبكات الجينية في المخيخ لدى مرضى التوحد

© Photo / unsplash/Alexandra Gorn
تابعنا عبر
كشف علماء الأعصاب في جامعة سانت بطرسبرغ الحكومية عن تغيرات في كيفية عمل الجينات المرتبطة بالدوبامين معًا في المخيخ، وذلك في نماذج لاضطراب طيف التوحد واضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط.
المخيخ يقوم بأكثر بكثير من مجرد التحكم في الحركة
على الرغم من صغر حجمه نسبيًا، يحتوي المخيخ على ما يقرب من 80% من جميع الخلايا العصبية في الدماغ، ويتجاوز دوره بكثير التوازن والتنسيق، حيث يساعد المخيخ الدماغ على مقارنة المعلومات الحسية الواردة بالتوقعات الداخلية، مما يسمح بتعديل الحركات بسلاسة، كما يشارك في السلوك الاجتماعي، والتعرف على الوجوه والأصوات، والاستجابة للمكافأة أو الرفض، وتفسير الحالات العاطفية للآخرين.
ونظرًا لهذه الوظائف الأوسع، يتزايد اعتقاد العلماء بأن التغيرات في روابط المخيخ قد تُسهم في ظهور أعراض اضطراب طيف التوحد (ASD) واضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط (ADHD).
فعلى سبيل المثال، في اضطراب طيف التوحد، ارتبطت الحساسية المفرطة للمؤثرات الحسية بروابط أقوى مع المناطق الحركية وروابط أضعف مع المناطق الاجتماعية والعاطفية، وخاصة قشرة الفص الجبهي، بينما يرتبط كل من اضطراب طيف التوحد واضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط بتغيرات في حجم المخيخ والكيمياء العصبية للدماغ.
باحثون يركزون على الدوبامين
يُعد الدوبامين، وهو ناقل عصبي، أحد الأنظمة المهمة المشاركة في هذه الاضطرابات، حيث يساعد في تنظيم الدافعية والحركة والتعلم والانتباه والعديد من وظائف الدماغ الأخرى، ويأتي الدوبامين بشكل رئيسي إلى المخيخ من تراكيب خارجه، بما في ذلك المنطقة السقيفية البطنية والمادة السوداء في الدماغ المتوسط.
لفهم كيفية تغير نظام الإشارات هذا في اضطرابات النمو العصبي، قام علماء الأعصاب في جامعة سانت بطرسبرغ الحكومية بتحليل نشاط الجينات المشاركة في تخليق الدوبامين، وإشاراته، واستقلابه في أنسجة المخيخ النامية بشكل طبيعي، ثم قارنوا النتائج بنماذج حيوانية لاضطراب طيف التوحد واضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط.
استخدم الباحثون بيانات متاحة للعموم حول نشاط الجينات من أنسجة المخ، بالإضافة إلى عينات من مخيخ فئران تم فيها تعطيل جين ناقل الدوبامين.
الاختلاف الرئيسي لا يكمن في الجينات الفردية بل في كيفية عملها معا
وجد الباحثون أن جميع الجينات تقريبًا المشاركة في تخليق الدوبامين، وإشاراته، واستقلابه كانت نشطة في عينات المخيخ، وظهرالاختلاف اللافت في تنسيق عملها، وكان من بين أكثر الجينات تباينًا جينَي "Comt" و"Maoa"، وكلاهما يشارك في استقلاب الدوبامين وإزالته من الجسم.
ارتبطت هذه الجينات أيضًا بجينات أخرى تشارك في عمليات أيضية أساسية، بما في ذلك تلك التي تدعم الأداء الطبيعي للأنسجة العصبية وتخليق البروتين في النهايات المشبكية، وهي نقاط الاتصال التي تتواصل فيها الخلايا العصبية، ويُعدهذا الارتباط مهمًا لأن اضطراب العمليات المشبكية سمة مميزة لاضطرابات طيف التوحد.
أوضحت أناستاسيا فاجانوفا، الباحثة الرئيسية في مختبر علم الأحياء العصبية وعلم الأدوية الجزيئية بجامعة سانت بطرسبرغ الحكومية، أنه في المخيخ المتطور بشكل طبيعي، يتفاعل جين "Comt" مع مئات الجينات المشاركة في آليات أساسية مثل تخليق البروتين، ولكن في نماذج اضطراب طيف التوحد، تضعف أو تختفي العديد من هذه العلاقات الطبيعية، بينما تظهر روابط أضعف وأكثر اضطرابًا، وأشارت فاجانوفا، ألى أن شبكة تفاعل الجينات تتغير في كلتا الحالتين، ولم تعد تعمل كما في الظروف الطبيعية.
أهمية هذا البحث لفهم التوحد
تشير الدراسة إلى أن اضطرابات النمو العصبي قد لا تقتصر على تغييرات في نشاط الجينات الفردية فحسب، بل تشمل أيضًا إعادة تنظيم الشبكات التي تؤثر من خلالها الجينات على بعضها بعضا.
في النماذج الحيوانية المصابة باضطراب طيف التوحد، ازداد التنسيق بين الجينات المرتبطة بالدوبامين، بينما ضعفت روابطها مع أنظمة جينية أخرى. قد يكون هذا التمييز مهمًا لأن تأثير أي جين يعتمد بشكل كبير على الجينات الأخرى التي تعمل معه في نفس العملية البيولوجية.
تؤثر بعض الأدوية المستخدمة حاليًا في علاج اضطرابات طيف التوحد على نظام الدوبامين، لذا فإن فهم كيفية تغير شبكات الجينات المرتبطة بالدوبامين قد يساعد الباحثين في نهاية المطاف على تفسير سبب اختلاف فعالية العلاجات المختلفة بين المرضى.
نحو علاج أكثر تخصيصا
تكمن القيمة الأوسع لهذا العمل في النظر إلى التوحد واضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط كاضطرابات تشمل أنظمة جزيئية مترابطة بدلًا من كونها "جينات معطلة" معزولة، وفقا لـ بوابة روسيا العلمية.
بحسب الباحثين، فإن فهم كيفية تأثير اضطرابات طيف التوحد على استقلاب الدوبامين والتفاعلات الجينية في المخيخ قد يُسهم في توضيح آثار العلاجات الحالية، وفي المستقبل، في تطوير استراتيجيات علاجية أكثر تخصيصًا.


