الطباعة ثلاثية الأبعاد للإلكترونيات الخزفية... من النماذج إلى التصنيع السريع

© Photo / NUST (MISIS)
تابعنا عبر
يعمل الباحثون في كلية الهندسة المتقدمة في الجامعة التكنولوجية الروسية "RTU MIREA" على تطوير طريقة طباعة ثلاثية الأبعاد لجعل طباعة مركبات السيراميك المعقدة أكثر مرونة بشكل ملحوظ، فبدلاً من تصنيع قالب جديد في كل مرة يتغير فيها الشكل الهندسي، سيتمكن المهندسون في نهاية المطاف من طباعة أجزاء مركبات السيراميك المتخصصة مباشرةً وتعديل تصاميمهم بسرعة أكبر.
يعدّ السيراميك عنصرًا أساسيًا في العديد من تقنيات الميكروويف والترددات العالية لقدرتها على تحمّل درجات الحرارة العالية وترددات التشغيل المرتفعة، إلا أن هناك مشكلة هندسية تتمثل في صعوبة وتكلفة تصنيع مكونات السيراميك، خاصةً عندما يحتاج المهندسون إلى عدد قليل من النماذج الأولية أو يرغبون في اختبار شكل غير مألوف.
لماذا يعيق تصنيع السيراميك التقليدي الابتكار؟
يتطلب تصنيع السيراميك التقليدي غالبًا قوالب وأدوات متخصصة، وهذا أمر منطقي لإنتاج أعداد كبيرة من المكونات المتطابقة، ولكنه يصبح غير فعال خلال مراحل البحث والتطوير.
تخيل أن مهندسًا يصمم مكونًا للميكروويف، ويصنعه، ويختبره، ثم يكتشف أن شكله الهندسي يحتاج إلى تغيير. باستخدام عملية تقليدية، قد يتطلب حتى تعديل بسيط نسبيًا في التصميم أدوات جديدة، مما يزيد من الوقت والتكلفة.
تصبح هذه المشكلة أكثر تعقيدًا عند إنتاج دفعات صغيرة، أو نماذج أولية، أو مكونات ذات أشكال معقدة وفريدة، ووفقًا للباحثين، يوفر التصنيع الإضافي حلًا لهذه المشكلة.
كيف تتم طباعة السيراميك ثلاثي الأبعاد؟
يستخدم الباحثون طابعات "LCD" ثلاثية الأبعاد، وهي مشابهة للآلات المستخدمة عادةً لطباعة الأجسام من راتنج البوليمر الضوئي.
يكمن الاختلاف المهم في مكونات الطابعة، فبدلًا من استخدام الراتنج النقي، يُحضر الباحثون معلقًا يحتوي على راتنج بوليمر ضوئي ممزوج بمسحوق السيراميك. في عملهم، مادة السيراميك هي تيتانات الباريوم. بعد طباعة المادة، تبقى جزيئات السيراميك موزعة في جميع أنحاء المكون الناتج، مما يوفر خصائص المادة المطلوبة.
من حيث المبدأ، يبدو الأمر بسيطًا: مزج مسحوق السيراميك مع راتنج قابل للطباعة، ثم تصنيع الشكل الهندسي المطلوب طبقةً تلو الأخرى، لكن عمليًا، تُشكّل جزيئات السيراميك تحديًا معقدًا في علم المواد.
المشكلة: جزيئات السيراميك لا تبقى متجانسة
جزيئات السيراميك ثقيلة نسبيًا، وأثناء عملية الطباعة، قد تترسب تدريجيًا في قاع الراتنج السائل، كما يمكن أن تلتصق ببعضها وتُشكّل تكتلات.
كلا التأثيرين غير مرغوب فيهما، لأنّ المركب السيراميكي الفعال يجب أن تتوزع جزيئاته بشكل متجانس قدر الإمكان،فإذا احتوت منطقة ما على كمية سيراميك أكبر بكثير من منطقة أخرى، فقد تصبح الخصائص الفيزيائية والكهربائية للمكون النهائي غير متجانسة أيضًا.
لاحظ الباحثون هذه المشكلة تحديدًا عند اختبار معلق يحتوي على 10% من حشو السيراميك، كان توزيع السيراميك غير متجانس: احتوى الجزء العلوي من الجسم المطبوع على كمية قليلة جدًا من الحشو، بينما تراكمت كمية كبيرة جدًا في الجزء السفلي، ولم تُجدِ إضافة هياكل داعمة أثناء الطباعة نفعًا في حل المشكلة.
إذن، لم يعد التحدي يكمن فقط في كيفية طباعة الجسم، أصبح السؤال: كيف يمكن الحفاظ على جزيئات السيراميك الثقيلة معلقة بشكل متجانس لفترة كافية لطباعة المجسم بشكل صحيح؟
يساعد استخدام الموجات فوق الصوتية على تفتيت الجزيئات
درس الباحثون حلين متكاملين، النهج الأول هو التشتيت بالموجات فوق الصوتية، حيث يقوم جهاز التشتيت بالموجات فوق الصوتية بتطبيق طاقة عالية التردد على الخليط، مما يساعد على تفتيت جزيئات السيراميك المتجمعة وإعادة توزيعها في جميع أنحاء السائل
لكن هناك قيدًا مهمًا، وهو أن هذه العملية قد تُسخّن المعلق، وقد يؤدي التسخين المفرط إلى تلف راتنج البوليمر الضوئي، ولتجنب ذلك، قام الباحثون بتشغيل جهاز التشتيت بالموجات فوق الصوتية على شكل نبضات بدلًا من التشغيل المستمر، والنتيجة هي خليط أكثر تجانسًا وأكثر ملاءمة للطباعة.
مواد مضافة خاصة تحافظ على استقرار المعلق لفترة أطول
يعتمد النهج الثاني على المواد الفعالة بالسطح، وهي مواد تساعد على منع جزيئات السيراميك من الالتصاق ببعضها البعض وتبطئ ترسبها، وتشير مجلة "بوابة روسيا العلمية" إلى أن حمض الأوليك ومواد مضافة متخصصة تُستخدم لهذا الغرض في الممارسات الدولية.
وبالجمع بين هذه الطريقة والمعالجة المناسبة، يُمكن زيادة محتوى السيراميك في المعلق القابل للطباعة بشكل ملحوظ. ويفيد الباحثون بأن نسبة السيراميك قد تصل إلى ما يقارب 35-55%، مع الحفاظ على ملاءمة المادة للطباعة.
تُعد هذه الزيادة مهمة لأن الهدف ليس مجرد إنتاج جسم راتنجي يحتوي على كمية صغيرة من مسحوق السيراميك. يسعى الباحثون في نهاية المطاف إلى الحصول على مادة مركبة ذات خصائص كهروفيزيائية مفيدة وقابلة للتنبؤ لتطبيقات الميكروويف الحقيقية.
لماذا يعد هذا الأمر مهما لهندسة الميكروويف؟
الهدف النهائي هو التوصل إلى عملية موثوقة لطباعة المواد المركبة الخزفية ذات الخصائص المحددة مسبقًا.
توضح سفيتلانا تيورينا، رئيسة قسم هندسة المواد في كلية الهندسة المتقدمة التابعة لمعهد أبحاث الميكروويف في الجامعة، أن الهدف هو ابتكار تقنية طباعة متكاملة للمواد المركبة الخزفية ذات الخصائص الكهروفيزيائية المحددة. سيتيح ذلك لمطوري أجهزة الميكروويف تصنيع نماذج أولية معقدة بسرعة وإجراء تغييرات في التصميم بكفاءة أكبر.
لذا، لا تقتصر الميزة على مجرد "الطباعة ثلاثية الأبعاد بدلًا من التصنيع التقليدي"، بل هي سرعة أكبر في عملية التطوير الهندسي: التصميم، الطباعة، الاختبار، التعديل، ثم الطباعة مرة أخرى.
يسعى الفريق، من خلال التحكم في كيفية انتشار جزيئات السيراميك وترسبها وسلوكها داخل الراتنج القابل للطباعة، إلى تحقيق هذا التكامل، وربما التوصل إلى طريقة أسرع بكثير لتحويل تصاميم مكونات الميكروويف الجديدة إلى نماذج أولية مادية.


