تونس... خبراء ومختصون يطالبون بإعلان حالة "طوارئ مائية"
16:31 GMT 05.09.2026 (تم التحديث: 16:34 GMT 05.09.2026)

© Photo / Unsplash/ Ian Talmacs
تابعنا عبر
حصري
ارتفعت الدعوات التي أطلقها أخيرا عدد من الخبراء والمختصين في تونس من أجل إعلان حالة طوارئ مائية، في ظل تفاقم اضطرابات التزويد بمياه الشرب، بالتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة وتنامي الطلب على المياه خلال أشهر الصيف.
ورغم التحسن النسبي المسجل في مخزونات السدود مقارنة بالسنوات الماضية، فإن الأزمة المائية في تونس لم تعد مرتبطة فقط بوفرة الموارد، بل باتت تعكس اختلالات أعمق تتعلق بالشبكات والتوزيع وارتفاع الاستهلاك.
وتكتسب الدعوات المتعلقة بإعلان الطوارئ المائية زخما جديدا مع دخول البلاد ذروة صيف قاسية نتيجة ارتفاع درجات الحرارة، بعدما سجل المرصد التونسي للمياه خلال شهر يوليو/تموز الماضي 608 تبليغات مرتبطة بمشاكل التزويد بالمياه، وهي أعلى حصيلة شهرية منذ بداية العام، والأكثر دلالة أن 549 تبليغا من إجمالي الحالات تعلقت بانقطاعات غير معلنة واضطرابات في توزيع مياه الشرب.
ويربط مختصون ذلك بتداخل عدة عوامل، من بينها ندرة الموارد، والارتفاع الموسمي في الاستهلاك، والضغط السكاني والسياحي، إلى جانب تقادم جزء من شبكات التوزيع.
إعلان الطوارئ يتيح تسريع الحلول
وكان المرصد التونسي للمياه قد طالب بإعلان حالة طوارئ مائية في البلاد، باعتبار أن الأزمة تجاوزت حدود الظرفية المرتبطة بالجفاف أو ارتفاع درجات الحرارة وأصبحت، وفق تقديره، أزمة هيكلية تستوجب إجراءات استثنائية.
وفي هذا السياق، قال الخبير في الموارد المائية والتنمية، حسين الرحيلي، إن إعلان حالة الطوارئ المائية بات ضروريا لأنه سيفتح المجال أمام تسريع التدخلات وتعبئة الموارد اللازمة.
وقال الرحيلي في تصريح لـ"سبوتنيك"، إن إعلان حالة الطوارئ المائية "سيمكن من اتخاذ إجراءات استثنائية لتجاوز البيروقراطية والقوانين التقليدية، بما يسمح بتسريع إنجاز المشاريع والتدخل لمعالجة الإشكالات التي تعاني منها منظومة المياه، خصوصا أن التأخر في تنفيذ المشاريع قد يجعل البلاد أمام السيناريو ذاته خلال صيف العام المقبل"، ويرى الخبير التونسي، أن ما عاشته البلاد خلال صيف 2026 لم يكن مفاجئا بالنسبة إلى المختصين والمتابعين للملف المائي.
وأوضح أن الأزمة تفاقمت خلال أشهر الصيف بفعل الارتفاع الكبير في درجات الحرارة، الذي بدأ منذ يوليو/تموز وتواصل خلال أغسطس/آب، قبل أن ينخفض نسبيا خلال الأيام الأخيرة، مشيرا في المقابل إلى أن موجة الحر لم تكن سوى عامل ضاغط كشف هشاشة منظومة تعاني أصلا من اختلالات متراكمة.
وتابع: "الأزمة، رغم ارتفاع حدتها، ليست جديدة وليست ظرفية وإنما هي أزمة هيكلية"، موضحا أن جوهر المشكلة يرتبط أولا بندرة الموارد المائية، وأن تحسن مخزونات السدود إلى مستويات في حدود 50 أو 60% لا يعني بالضرورة تجاوز الأزمة.
ويفسر الخبير ذلك بأن السدود لا توفر سوى نحو 35% من إجمالي المياه المستهلكة على المستوى الوطني، فيما يأتي الجزء الأكبر، أي نحو 65%، من المياه الجوفية، بمختلف أنواعها العميقة والمتوسطة والسطحية. وبالتالي فإن التركيز على مؤشرات امتلاء السدود وحدها، وفق الرحيلي، لا يقدم صورة كاملة عن الوضع المائي في تونس.
إلى جانب محدودية الموارد، يبرز عامل آخر لا يقل خطورة، يتمثل في تقادم البنية التحتية المخصصة لنقل وتوزيع المياه والتي أصبحت، بحسب الرحيلي، عاجزة عن استيعابالضغط المتزايد والطلب المتنامي، فضلا عن تأثير ذلك في جودة المياه.
ويشير الرحيلي إلى أن تراكم هذه المشكلات على مدى سنوات أدى إلى تغير سلوك المستهلك التونسي، الذي أصبح جزء كبير منه يتجنب شرب مياه الحنفية، وهو ما أسهم في زيادة الضغط على سوق المياه المعلبة، ولا يفصل الرحيلي هذا الوضع عن مسألة التمويل، التي يعتبرها أحد أبرز مكامن الخلل في قطاع المياه.
ويضيف أن الارتفاع غير المسبوق في درجات الحرارة كشف هشاشة هذه المنظومة بصورة أكثر وضوحا، إلى درجة انتقال آثار الأزمة من مياه الحنفية إلى المياه المعلبة، التي شهدت بدورها نقصا في عدد من المناطق خلال ذروة الصيف.
وفي سياق متصل، يلفت الخبير إلى أن أزمة المياه لا يمكن فصلها عن أزمة الكهرباء، معتبرا أن الترابط بين القطاعين كان واضحا خلال الانقطاعات الأخيرة. ويوضح أن أجزاء واسعة من منظومة التزويد بالمياه تعتمد على الطاقة لضخ المياه ونقلها، ولذلك فإن انقطاع التيار الكهربائي ينعكس بصورة مباشرة على انتظام التزويد.
ومن هذا المنظور، لا يرى الرحيلي أن تجاوز أزمة المياه في تونس يمكن أن يتم عبر حلول ظرفية أو تدخلات موسمية، بل يتطلب قرارات استثنائية تعيد ترتيب أولويات الدولة في إدارة مورد أصبح أكثر ندرة وأكثر كلفة، ويمنح مشاريع المياه القدرة على التنفيذ بعيدا عن طول الإجراءات وتعقيدات التمويل والبيروقراطية.
التعويل على السدود لم يعد مجديا
وعلى الطرف المقابل، يرى الخبير الدولي في البيئة والتنمية المستدامة عادل الهنتاتي، أن الجدل بشأن إعلان حالة طوارئ مائية في تونس يتجاوز في الواقع مسألة التسمية الرسمية، معتبرا أن "البلاد دخلت فعليا هذه الحالة بفعل تواتر سنوات الجفاف وتراجع الموارد المائية والضغط المتزايد على مختلف الاستعمالات".
وقال الهنتاتي في تصريح لـ"سبوتنيك" إن السلطات تدرك طبيعة الوضع، وهو ما يفسره، وفق تقديره، تواتر الإجراءات المتخذة خلال السنوات الأخيرة، لا سيما تلك المتعلقة بتقسيط المياه وترشيد استعمالها في عدد من القطاعات.
ويشير الخبير إلى أن تونس تعاني منذ سنوات من "فقر مائي وإجهاد مائي كبير جدا"، مؤكدا أن الظاهرة ليست مرتبطة بالموسم الحالي، بل مرشحة للاستمرار خلال السنوات المقبلة في ظل تغير المناخ وتواتر فترات الجفاف.
ويبرز القطاع الفلاحي في قلب هذه المعادلة، باعتباره المستهلك الأكبر للمياه، إذ يستحوذ الري الفلاحي على نحو 80% من إجمالي الموارد المائية المتاحة. ولذلك، فإن أي تراجع في الموارد ينعكس بصورة مباشرة على القدرة على تأمين حاجيات القطاع الزراعي، الذي يواجه بدوره ضغوطا متزايدة بسبب ارتفاع درجات الحرارة وتراجع التساقطات.
ويرى الهنتاتي أن الإجراءات التي اتخذتها الدولة تمثل، في جانب منها، اعترافا فعليا بحجم الأزمة، غير انه وجب تدعيمها بقرارات وحلول هيكلية، داعيا إلى الانتقال من منطق التعامل مع ندرة المياه إلى إعادة التفكير في كيفية تخزينها وإدارتها.
ويقول إن "تونس تحتاج خصوصا إلى تطوير آليات جديدة لتجميع وتخزين مياه الأمطار، التي يذهب جزء منها حاليا إلى البحر والسباخ، فيما يتعرض جزء آخر للتبخر"، معتبرا أن الاعتماد المفرط على السدود لم يعد خيارا كافيا في ظل ارتفاع درجات الحرارة وتغير الأنماط المناخية.
ويضيف الهنتاتي أن تونس تضم 36 سدا، إلا أن ارتفاع درجات الحرارة يجعل كميات مهمة من المياه المخزنة عرضة للتبخر، مقدرا هذه الخسائر بنحو مليون متر مكعب يوميا. وبالنسبة إليه، فإن هذه المعطيات تفرض البحث عن بدائل أكثر نجاعة في تخزين المياه، وعدم الاقتصار على السدود باعتبارها الأداة الرئيسية لتجميع الموارد السطحية.
غير أن الانتقال إلى منظومة جديدة لتخزين المياه وتعبئتها، وفق الهنتاتي، يصطدم بعاملين أساسيين هما التمويل والطاقة، إذ تتطلب مشاريع تجميع مياه الأمطار وتخزينها ونقلها استثمارات مهمة، فضلا عن حاجتها إلى موارد طاقية لضمان تشغيل المنشآت ونقل المياه بين المناطق.
يشار الى أن المرصد الوطني للمياه سجل 423 تبليغا عن انقطاعات في الماء خلال يونيو/جوان2026 في مجال خدمات التزويد بالمياه، قبل أن يقفز العدد إلى أكثر من 600 تبليغ في الشهر الموالي، ويشير هذا التصاعد إلى أن الضغط على منظومة المياه يتزايد بصورة حادة مع ارتفاع درجات الحرارة والطلب، ولا سيما في المناطق الساحلية والسياحية التي تشهد خلال الصيف زيادة كبيرة في عدد السكان والاستهلاك.





