علماء روس يجدون طريقة أفضل لاختبار المواد المستخدمة في الإلكترونيات المرنة

© Sputnik . Alexey Suhorukov
/ تابعنا عبر
طور علماء في جامعة "إيتمو" (ITMO) الروسية طريقة جديدة لقياس الخصائص الميكانيكية لجزيئات البيروفسكايت النانوية الفردية - وهي بلورات أشباه موصلات متناهية الصغر تُدرس حاليًا لتطبيقات الإلكترونيات المرنة والأجهزة الكهروضوئية، يستبدل نهجهم الطرف الحاد المستخدم عادةً في مجهر القوة الذرية بمسبار غير حاد يعمل كضاغط مصغر.
تجمع هذه الطريقة الجديدة بين مجهر القوة الذرية المُعدَّل ونمذجة الحاسوب ثلاثية الأبعاد لقياس المتانة الميكانيكية للمواد النانوية الهشة دون إتلافها.
تعتمد الشاشات القابلة للطي، والمستشعرات المرنة، والخلايا الشمسية خفيفة الوزن على مواد تتحمل الانحناء والضغط المتكررين، ولكن قبل أن يتمكن المهندسون من بناء أجهزة موثوقة من مواد نانوية، يحتاجون إلى معرفة خاصية أساسية: ما مدى سهولة تشوه هذه المواد، ومتى ستبدأ في التلف؟
لماذا تعد جزيئات البيروفسكايت النانوية مثيرة للاهتمام؟
البيروفسكايت مواد شبه موصلة تتميز بقدرتها على امتصاص الضوء وإصداره بكفاءة عالية، مما يجعلها جذابة لتطبيقات مثل الخلايا الشمسية والشاشات المرنة وأجهزة الاستشعار، لكن نقطة ضعفها تكمن في هشاشتها الميكانيكية.
قد يؤدي الانحناء المتكرر إلى ظهور شقوق مجهرية تُؤدي تدريجيًا إلى تدهور الجهاز، وللتنبؤ بمدى تحمل المادة لهذه الضغوط، يقيس الباحثون معامل يونغ الخاص بها، وهو مقياس يصف مدى مقاومة المادة للتشوه المرن، تشير القيمة الأعلى إلى صلابة المادة، بينما تشير القيمة الأقل إلى سهولة تشوهها تحت نفس الضغط، ويُعد قياس هذه الخاصية في عينة كبيرة أمرًا بسيطًا نسبيًا، بينما يُعد قياسها في جسيم نانوي واحد أكثر صعوبة.
رأس المجهر يتحول إلى مكبس مصغر
يتضمن الاختبار الميكانيكي عادةً ضغط أداة ضغط صلبة على العينة، لكن أدوات الضغط التقليدية كبيرة جدًا مقارنةً بحجم البلورة النانوية. يُتيح المجهر ذو القوة الذرية تحكمًا أدق بكثير، إلا أن مسباره المعتاد يُعاني من مشكلة أخرى: طرفه حاد للغاية، ما قد يُلحق الضرر بالجسيمات النانوية الهشة قبل أن يتمكن الباحثون من الحصول على قياس مفيد.
لذا، قام فريق "ITMO" بتعديل طرف المسبار، مُبتكرًا مكبسًا صغيرًا مُسطح الطرف قادرًا على ضغط المكعب النانوي بشكل أكثر تجانسًا وبأقل خطر لتلفه، لكن لم يُحل هذا التعديل سوى جزء من المشكلة.
وجد الباحثون أن الجسيمات النانوية الحقيقية ليست مُسطحة تمامًا، وأن المسبار نفسه لا يزال مُنحنيًا قليلًا ومائلًا. ونتيجةً لذلك، لا يتوزع الضغط بالتساوي تمامًا على سطح البلورة، إذا تم تجاهل هذه التأثيرات الهندسية، فقد تُنتج القياسات نتائج مُضللة، على سبيل المثال، تُوحي ظاهريًا بأن الجسيمات الأصغر حجمًا أكثر صلابة لمجرد صغر حجمها.
الحل: إعادة إنشاء التجربة ثلاثية الأبعاد
لفصل خصائص المادة الحقيقية عن أخطاء القياس، أنشأ الباحثون نموذجًا ثلاثي الأبعاد مُفصلًا لكل جسيم نانوي ومسبار المجهر باستخدام برنامج "COMSOL Multiphysics".
تضمنت المحاكاة الشكل الفعلي للجسيم وميل المجس بزاوية 20 درجة تقريبًا. ثم قام الباحثون بضغط الجسيم افتراضيًا وضبطوا خصائصه الميكانيكية حتى تطابق منحنى الضغط المُحاكى مع المنحنى المقاس تجريبيًا. سمح لهم ذلك بمراعاة عدم انتظام الشكل الهندسي واستخلاص قيمة أكثر دقة لمعامل يونغ، ويجمعهذا النهج بفعالية بين القياس الفيزيائي وإعادة بناء التجربة رقميًا.
ماذا وجد الباحثون؟
اختبر الفريق مركبين من البيروفسكايت قائمين على السيزيوم:" CsPbBr₃" و"CsPbCl₃"، وبعد تصحيح التأثيرات الهندسية، بلغ معامل يونغ المقاس نحو 16 جيجا باسكال لـ "CsPbBr₃" و24 جيجا باسكال لـ "CsPbCl₃"، بغض النظر عن حجم الجسيم.
تشير هذه القيم إلى مواد تتمتع بصلابة عالية مع السماح في الوقت نفسه بتشوه مفيد، وهو مزيج بالغ الأهمية عند تصميم مكونات مصممة للانحناء أو التعرض لضغط ميكانيكي.
مع ذلك، لا يكفي قياس معامل يونغ وحده لإثبات قدرة المادة على تحمل آلاف دورات الانحناء، ويشير الباحثون إلى ضرورة إجراء المزيد من الاختبارات لتحديد سلوك هذه المواد تحت تأثير التشوه المتكرر، وما إذا كان التلف المجهري يتراكم بمرور الوقت.
الانحناء يمكن أن يغير من خصائص الماد
تكتسب هذه الدراسة أهميةً لسبب آخر: إذ أن ضغط جسيمات البيروفسكايت النانوية لا يُغير شكلها فحسب، بل يُغير خصائصها الإلكترونية أيضًا.
وفقًا للباحثين، يؤثر التشوه أيضًا على خصائصها الإلكترونية. فعند الضغط، تتغير الطاقة اللازمة لحركة الإلكترونات عبر البلورة، مما يؤثر على البنية الإلكترونية للمادة وقدرتها على إصدار الضوء.قد يكون هذا الارتباط بين التشوه الميكانيكي والسلوك البصري أو الإلكتروني مفيدًا في الأجهزة الحساسة للضغط مستقبلًا.
على سبيل المثال، يمكن لمادة يتغير انبعاثها الضوئي عند الضغط أن تُشكل أساسًا لمستشعر ضغط بصري يُشير إلى الإجهاد الميكانيكي الشديد من خلال تغير اللون،كما أن فهم هذه التأثيرات قد يُساعد المهندسين على تصميم مستشعرات مرنة أكثر حساسية.
ما وراء البيروفسكايت
لا تقتصر هذه الطريقة على المادتين اللتين تم اختبارهما في الدراسة،فبحسب الباحثين، يُمكن تطبيقها على مواد نانوية مكعبة أو مستطيلة أخرى، بما في ذلك الجسيمات النانوية المعدنية وأشباه الموصلات.
يخطط الفريق الآن لتطوير هذه التقنية بحيث يتمكن مجهر القوة الذرية نفسه من قياس الخصائص الميكانيكية والكهربائية على حد سواء. سيتيح ذلك للباحثين دراسة كيفية استجابة الجسيمات النانوية ميكانيكيًا وكهربائيًا دون الحاجة إلى نقل العينة بين أجهزة مختلفة.
قد تُفيد هذه الطريقة مستقبلًا في دراسة المكونات الحساسة ميكانيكيًا، مثل الميمريستورات، بالإضافة إلى مواد الرقائق المرنة، وأجهزة الاستشعار، وتقنيات تخزين البيانات.



