"المقاهي الشعبية في مصر"... هنا يجلس الجميع وتدور الحكايات.. فيديو وصور
11:00 GMT 12.09.2026 (تم التحديث: 14:18 GMT 12.09.2026)

© Sputnik . أحمد عبد الوهاب
تابعنا عبر
حصري
تعد المقاهي الشعبية واحدة من أبرز ملامح الحياة الاجتماعية في مصر، فهي ليست مجرد أماكن لتناول الشاي والقهوة، وإنما مساحة يلتقي فيها المصريون بمختلف فئاتهم وأعمارهم، ويتبادلون الأحاديث والآراء، ويتابعون تفاصيل الحياة اليومية.
وترتبط المقاهي بتاريخ طويل في المدن والقرى المصرية، خصوصا في المناطق القديمة والأحياء الشعبية، حيث تحولت بعض المقاهي إلى علامات مميزة ارتبطت بذاكرة المكان وسكانه، واستضافت على مدار عقود المثقفين والفنانين والعمال وأصحاب المهن المختلفة.
ويجد المصريون في المقهى مساحة للراحة والتواصل الاجتماعي، فبعد ساعات العمل والدراسة، يحرص كثيرون على الجلوس مع الأصدقاء والأقارب، ومتابعة المباريات والأحداث اليومية، أو مجرد الاستمتاع بكوب من الشاي أو القهوة وسط أجواء تجمع بين البساطة والألفة.

"المقاهي الشعبية في مصر" .. هنا يجلس الجميع وتدور الحكايات
© Sputnik . أحمد عبد الوهاب
ولا تقتصر ثقافة المقاهي على فئة اجتماعية بعينها، إذ يمكن أن تجد على المقهى العامل والموظف وصاحب المهنة والمثقف والشاب وكبار السن، لكل منهم طقوسه الخاصة في الجلوس والحديث، وهو ما جعل المقهى انعكاسا للتنوع الاجتماعي الذي يميز المجتمع المصري.
كما لعبت المقاهي دورا مهما في الحياة الثقافية المصرية، خصوصا في القاهرة القديمة، إذ ارتبطت ببعض الأدباء والمفكرين والفنانين، وتحولت جلساتها إلى مساحة للنقاش وتبادل الأفكار، فضلا عن ارتباط بعضها بذكريات شخصيات أدبية وفنية بارزة.
ورغم التطور الكبير في أنماط الحياة وانتشار المقاهي الحديثة والكافيهات، لا تزال المقاهي الشعبية تحتفظ بمكانتها لدى المصريين، بفضل أجوائها الخاصة التي تجمع بين البساطة والحميمية والتواصل الإنساني.

"المقاهي الشعبية في مصر" .. هنا يجلس الجميع وتدور الحكايات
© Sputnik . أحمد عبد الوهاب
وحول دور المقهى في حياة المصريين، أجرت "سبوتنيك" الاستطلاع التالي:
مجتمع متنوع
بداية، يقول المعلم "محروس" القهوجي، وهو من أقدم العاملين في المقهى: أعمل قهوجيا منذ أكثر من عقدين من الزمان، وأعتبر المقهى ملتقى لكل الفئات المجتمعية، وخاصة المقاهي الشعبية، التي هي السمة الغالبة في مصر، وتجمع منذ سنوات طويلة مختلف الجنسيات العربية والأفريقية، وغالبا كل من يزور مصر، حيث تجد المصري إلى جوار السوداني والسوري واليمني والعراقي والتشادي والخليجي.
وأضاف في حديثه لـ"سبوتنيك": في المقهى يتنوع الرواد، فمنهم الجيد والمثقف والمحترم، وأيضا تجد السيئ، فالمقهى هو الصورة المصغرة للواقع الذي يحمل الخير والشر، ومن خلال عملي بالمقهى صادفت الكثير من الصحفيين والكتاب والإعلاميين والأطباء والمهندسين وحتى رجال الأعمال، وفي الوقت ذاته سائق التوك توك وحارس العقار وغيرهم.

"المقاهي الشعبية في مصر" .. هنا يجلس الجميع وتدور الحكايات
© Sputnik . أحمد عبد الوهاب
لقاء الأصحاب
أما المهندس فريد عبد الرحيم، صاحب شركة مقاولات للطرق والكباري وأحد رواد المقهى، فيرى أن المقهى ليس مكانا لشرب القهوة والشاي والشيشة وتضييع الوقت كما يتصوره البعض، بل أنا عن نفسي أنجز الكثير من الأعمال على المقهى، من اتفاقات أو لقاءات وتسيير العمل، وربما الحصول على العمالة، سواء كانوا سائقين أو عمالا أو فنيين، نظرا لأن المقاهي الشعبية تجمع كل الأطياف المجتمعية.
ويكمل عبد الرحيم في حديثه لـ"سبوتنيك": المقهى هو المكان الذي نستريح فيه بعيدا عن عناء العمل، ونلتقي فيه بالأصدقاء والأصحاب بعيدا عن مقر السكن أو العمل. هذا المكان في العادات المصرية الشعبية يستحوذ على جزء من المخطط اليومي، فالإنسان في كثير من الأحيان يحتاج إلى مكان بعيد عن مقر العمل اليومي، وأيضا بعيدا عن المنزل، حتى يكون هناك نوع من التغيير.

"المقاهي الشعبية في مصر" .. هنا يجلس الجميع وتدور الحكايات
© Sputnik . أحمد عبد الوهاب
روتين العمل اليومي
ويقول أبو بكر الصديق فتحي، "شيف" بأحد الفنادق المصرية: بحكم عملي اليومي بأحد الفنادق الكبرى، ونظرا للعمل اليومي الشاق، ليس هناك مكان للتغيير من الروتين اليومي للعمل الشاق سوى القهوة، للجلوس مع الأصدقاء والأصحاب وتناول القهوة، وأيضا مشاهدة مباريات الكرة.
ويضيف في حديثه لـ"سبوتنيك": خلال فترة كأس العالم الماضية، والتي شاركت فيها مصر، رغم أن المباريات كانت تذاع على بعض القنوات المشفرة، إلا أنني كنت أفضل مشاهدتها على المقهى، رغم أنها كانت تقام في أوقات متأخرة أو مبكرة جدا، لأن الجلوس للمشاهدة في المقهى له جاذبية خاصة.
ارتباط وثيق
أما الكاتب الصحفي ورئيس صحيفة الدار السودانية، مبارك البلال، فيرى أن المقهى له علامة مميزة في التاريخ المصري والسوداني، وكان ولا يزال المقهى ملهما للكاتب والمثقف. هناك الكثير من المقاهي الشعبية المصرية ارتبط اسمها بأسماء كتاب وأدباء عالميين، وبعضها كان عبارة عن ملتقى ثقافي وفكري وفني وسياسي، وكل ما يخطر على بالك من ملفات الحياة.
وأضاف في حديثه لـ"سبوتنيك": "هناك ارتباط وثيق يربط الإعلاميين بالمقاهي، فالمقهى بالنسبة للإعلامي والكاتب ليس مكانا لشرب المشروبات الساخنة أو التدخين، لكنه يمثل السلوى والمصدر والإلهام، ويستقي منه الأخبار وما يدور في المجتمع والحياة اليومية، نظرا لأن رواد المقاهي ليسوا فئة واحدة أو طبقة مجتمعية واحدة، إنما هم طبقات مختلفة، ما بين الغنى والفقر والثقافة والجهل وغيرها من المتناقضات".
ويكمل البلال: بالنسبة لي، وقبل ثلاث سنوات، عندما حضرت إلى مصر، بحثت أول شيء عن أقرب مقهى للجلوس عليه وتنفيذ أعمالي وكتابة مقالاتي وموضوعاتي، فأنا يوميا أعمل لصحيفتين من خلال هذا المقهى، رغم الضوضاء والزحام، لكن تجد نفسك تعيش مع هذا الواقع وتتكيف معه، وكأنك تجلس وحيدا في المكان.

"المقاهي الشعبية في مصر" .. هنا يجلس الجميع وتدور الحكايات
© Sputnik . أحمد عبد الوهاب
أول مقهى سوداني
واستطرد: في السودان كان أول مقهى للإعلاميين، منذ عقود طويلة بالعاصمة الخرطوم، قد أنشأه أحد الخواجات ويدعى "جورج مشرقي"، ولا تزال باقية بهذا الاسم حتى اليوم.
ويتذكر البلال سنوات مضت، أيام المعارضة السودانية قبل سقوط البشير، قائلا إن المعارضة السودانية كانت تجتمع في أحد المقاهي المعروفة بوسط القاهرة، وتجمع الكثير من الصحفيين والإعلاميين الكبار، وعلى رأسهم الصحفي السوداني الراحل إبراهيم عبد القيوم، وأصبح هذا المقهى هو منتدى المعارضة ومصدر الأخبار حول التحركات القادمة لإسقاط حكومة البشير.
وأضاف أن البشير علق على الأمر قائلا إن المعارضين الذين يريدون إسقاط النظام يجتمعون على "مقهى جي جي" بالقاهرة، مشيرا إلى أن تلك المعارضة ساهمت في إسقاط البشير بعدها.
وفي النهاية، يمكن القول إن المقهى الشعبي في مصر ليس مجرد مكان للجلوس، بل جزء من الذاكرة والتراث الاجتماعي المصري، ومساحة يلتقي فيها الناس على اختلافهم حول طاولة واحدة، في مشهد يعكس طبيعة المجتمع المصري وعلاقاته الإنسانية.


