من المحاكم إلى الحياة اليومية... كيف يعيش "أطفال الطلاق" في ليبيا تبعات الانفصال؟
07:38 GMT 27.09.2026 (تم التحديث: 07:49 GMT 27.09.2026)

© Photo / Unsplash/ Bethany Beck
تابعنا عبر
حصري
لا ينتهي أثر الطلاق بانفصال الزوجين؛ إذ قد تبدأ بعده مرحلة جديدة يعيش خلالها الأطفال بين والدين لم يعودا تحت سقف واحد، فيجدون أنفسهم أمام واقع عائلي مختلف قد يفرض عليهم تحديات تتجاوز مجرد غياب أحد الوالدين عن المنزل.
وبين تغيّر نمط الحياة والعلاقة بين الأب والأم، تبرز تساؤلات حول انعكاسات الانفصال على الأطفال، وما قد يترتب عليه من تداعيات اجتماعية ونفسية، ومدى اختلاف هذه الآثار باختلاف طريقة تعامل الوالدين والأسرة مع مرحلة ما بعد الطلاق.
حكاية مريم
تزوجت، مريم مصطفى، في سن الـ18 عام 2006، بعد أن تم تزويجها بإذن قضائي، على خلفية خلافات بين والديها المنفصلين، وعاشت مع والدتها بعد انفصال والديها، وكانت تدرك منذ طفولتها معنى أن يكبر الإنسان بعيدا عن أحد والديه، لكنها لم تكن تتوقع أن تمتد آثار ذلك الانفصال إلى ابنتها، التي أصبحت لاحقا شاهدة على تجربة طلاق تركت آثارا عميقة في حياتها.
تقول مريم في حديثها لـ"سبوتنيك"، إن الطلاق لم يكن أكثر ما أثّر فيها نفسيا، بقدر ما كان أثره على ابنتها هو الجرح الأكبر: "كان في داخلها شعور بالوحدة وفقدان الأب والسند، وكنت دائما أحاول أن أعوّضها، لكن هناك أشياء لا يستطيع الإنسان تعويضها مهما فعل".
كانت تلاحظ مريم في عيني ابنتها شعورا بالنقص كلما سمعت أحدا يتحدث عن والده، وترى في نظراتها أسئلة كثيرة لا تستطيع البوح بها، وكان من أصعب الأسئلة التي كانت تكررها عليها: "لماذا اخترتِ لي أبا هكذا؟".
كانت مريم تحاول أن تشرح لابنتها أن بعض الأمور تحدث لأسباب تتجاوز إرادة الإنسان، وأن انفصالها عن والدها لم يكن قرارا اتخذته حتى تحرمها منه، لكنها كانت تدرك أن طفلة لا تستطيع فهم تعقيدات قرارات الكبار.
ومع مرور السنوات، بدأت مريم تلاحظ أن ابنتها تتجنّب التجمعات، خاصة المناسبات العائلية، خوفا من الأسئلة المتكررة: هل والدك يتصل بك؟ هل يسأل عنك؟ هل يخرجك؟ هل ينفق عليك؟ وكأن الطفلة مطالبة بتفسير غياب والدها، أو تحمل مسؤولية أمر لم يكن لها أي دخل فيه.
وتقول مريم إن المجتمع أحيانا يجعل الطفل يشعر بأنه مختلف أو ناقص، ويفتح جرحا يحاول بصعوبة التعايش معه، وأوضحت: "الطلاق بالنسبة لي لم يكن مجرد انفصال بيني وبين والدها، لكنه امتد إلى طفلة لم تكن طرفا في القصة".
ومن أكثر المواقف التي لا تزال تؤلم مريم أن ابنتها أصبحت تقول إنها لا تريد الزواج ولا الإنجاب، وعندما تسألها عن السبب تجيب: "لا أريد أن أعيش مثلك، أتزوج وأنجب أطفالا، وبعد ذلك أجد نفسي وحدي وفي معاناة تربية الأطفال".
وترى مريم أن هذه الكلمات جعلتها تعيش سنوات من تأنيب الضمير، وتتساءل أحيانا عما إذا كانت تجربتها قد جعلت ابنتها تخاف من المستقبل وتخشى تكرار التجربة نفسها.
وتوضح أن الانفصال جاء بعد خلافات ومشكلات وعدم توافق استمر لفترة، لكن حصولها على حق الحضانة لم يكن نهاية المعاناة، إذ تحول التواصل مع والد ابنتها في كثير من الأحيان إلى وسيلة للصراع والضغط، وكانت الطفلة تجد نفسها في منتصف الخلاف.
وتروي أن الخلاف وصل في إحدى المرات إلى أن والد ابنتها أخذها ورفض إعادتها، ثم تقدّم ببلاغ ضدها، بينما كانت قد سلمته ابنته دون وجود شهود، واضطرت لاحقا، بحسب روايتها، إلى التنازل عن مستحقات نفقة لم تكن قد تسلمتها فعليا مقابل عودة ابنتها إليها.
ومع مرور السنوات، تزوج الأب وأنجب أطفالا آخرين، وتراجع اهتمامه بابنته، حتى انقطع التواصل معها، وتوقف عن الالتزام بنفقتها. وتقول مريم إن ابنتها "انتقلت من الشعور بأنها جزء من صراع بين والديها إلى الإحساس بأنها أصبحت منسية من والدها".
أما النفقة، فتحولت بالنسبة لمريم إلى معركة قانونية طويلة، فمنذ عام 2014، توقفت عن دفع النفقة، وبدأت رحلة طويلة بين المحاكم والجهات المختصة لإثبات المستحقات واتخاذ إجراءات الإنذار، وتقول في هذا الصدد إن الإجراءات كانت بطيئة ومرهقة، وفي بعض الأحيان كانت تضطر إلى دفع تكاليف من مالها الخاص من أجل تبليغ والد ابنتها، خاصة مع عدم معرفتها بمكان إقامته أو عمله، وعدم وجود وسيلة فعالة للوصول إليه.
وتضيف: "أنا مطالبة من الدولة بأن أعرف مكانه وأبلغه وأتابع إجراءات المحكمة حتى أحصل على حق مقرر أصلا بحكم قضائي".
وترى مريم أن "النفقة ليست حقا للأم ولا وسيلة للانتقام من الأب، وإنما حق للطفلة ومسؤولية على والدها"، مؤكدة أن "مرور السنوات أو تغير ظروف الأب لا يلغي هذا الحق".
وبعيدا عن المحاكم، تقول مريم إنها واجهت بعد الانفصال ظروفا اقتصادية واجتماعية صعبة، إذ بدأت حياتها من الصفر، دون دخل أو عمل أو مهارة مهنية، وهي مسؤولة عن طفلة لم يتجاوز عمرها 3 سنوات.
وتتمنى مريم وجود دعم حقيقي للمطلقات، من خلال برامج للتأهيل النفسي، وفرص عمل، ومساعدتهن على الاستقلال الاقتصادي وتأمين السكن، إلى جانب توعية المجتمع بأن الأطفال ليسوا طرفا في الطلاق، ولا يجوز إحراجهم أو تحميلهم مسؤولية غياب أحد الوالدين.
وتقول مريم إن أكثر ما كانت تحتاج إليه هو أن ينظر المجتمع إلى المرأة المطلقة باعتبارها إنسانة مرت بظروف صعبة، لا باعتبارها أقل قيمة أو كرامة، وتؤكد أن أصعب ما واجهته كان الاختيار بين الاستسلام للصورة التي رسمها المجتمع عنها، أو مقاومة تلك الصورة وإثبات قدرتها على بناء حياة مستقلة ومحترمة لها ولابنتها.
وأكدت مريم على أنها لم تدخل في صراع مع والد ابنتها بحثا عن مشكلة، وإنما خاضت كل تلك السنوات من أجل حق ابنتها، متمنية أن تكون هناك آليات قانونية واضحة وسريعة تضمن وصول النفقة إلى مستحقيها، دون أن تتحول إلى سنوات من المراجعات والمحاضر والإنذارات والمصاريف والمعاناة.
تحديات نفسية واجتماعية
أكدت الأكاديمية الاجتماعية، عائشة بن يحمد، أن "انفصال الزوجين يضع الأبناء أمام تحديات نفسية واجتماعية وسلوكية متعددة، تختلف حدتها من طفل إلى آخر بحسب العمر والبيئة الأسرية والاجتماعية التي يعيش فيها بعد الانفصال"، مشيرة إلى أن "الأطفال قد يصبحون الضحية الأكبر عندما تستمر الخلافات بين الوالدين بعد الطلاق".
وأضاف في تصريحات لـ"سبوتنيك"، أن "الآثار النفسية تأتي في مقدمة التداعيات، إذ قد يعيش الأطفال مشاعر القلق والحزن والتوتر والخوف وانعدام الأمان، إضافة إلى الشعور بالذنب، خاصة عندما يسمعون خلافات الوالدين أو يرون استمرار النزاع بينهما حول الأبناء ومتطلباتهم، وقد يعتقد الطفل أحيانا أنه كان سببا في انفصال والديه، وهو ما يترك آثارا عميقة على ثقته بنفسه وشعوره بالأمان".
وتابعت أن "هذه المشاعر تكون أكثر تأثيرا خلال مرحلة الطفولة المبكرة، خاصة في السنوات الأولى من العمر، وقد تظهر لاحقا في صورة انطواء أو تمرد أو فقدان للثقة بالنفس، فضلا عن الشعور بالدونية والخوف من نظرة المجتمع والوصم، خاصة لدى المراهقين".
وأشارت إلى أن "التداعيات لا تقتصر على الجانب النفسي، بل تمتد إلى السلوك والعلاقات الاجتماعية والتحصيل الدراسي، إذ قد يجد بعض الأطفال أنفسهم في حالة انقسام عاطفي بين الأب والأم، فيناصر أحدهم الأب بينما يميل الآخر إلى الأم، وقد يرفض الطفل أحد الوالدين ويتعلق بالآخر نتيجة الصورة السلبية التي قد ينقلها أحد الطرفين عن الآخر".
"كما قد يؤدي الطلاق والصراع المصاحب له إلى صعوبة في تكوين الصداقات والعلاقات الاجتماعية، نتيجة الخوف وانعدام الثقة بالآخرين، فضلا عن تراجع التركيز والتحصيل الدراسي"، بحسب عائشة بن يحمد، موضحة أن "بعض الأطفال الذين كانوا يتمتعون بمستويات دراسية جيدة قبل الانفصال قد يظهر عليهم تراجع واضح بعده نتيجة الضغوط النفسية التي يعيشونها".
وحذرت بن يحمد من أن "استمرار الصراع بين الوالدين بعد الطلاق قد يكون أكثر ضررا على الأطفال من الانفصال نفسه"، مشيرة إلى أن "الطفل قد يتحول إلى وسيلة لنقل الكلام أو الضغط على أحد الوالدين أو تشويه صورته أمام الطرف الآخر، وقد يتعرض للتهديد بالحرمان من أحد والديه، وهو ما يترك لديه شعورا بالهشاشة وعدم الاستقرار".
وشددت على "ضرورة أن يتفق الوالدان بعد الانفصال على إنهاء خلافاتهما، والنظر إلى مصلحة الأبناء باعتبارها الأولوية، مع احترام كل طرف للآخر، والتأكيد للأطفال بصورة مستمرة أنهم ليسوا مسؤولين عن الطلاق، وأن انفصال الوالدين لا يعني انتهاء دورهما أو حبهما لهم".
وأكدت الأكاديمية الاجتماعية أن "الأسرة الممتدة، بما فيها الأجداد والأعمام والأخوال، يمكن أن تؤدي دورا مهما في توفير الحنان والأمان للأطفال، بعيدا عن الانحياز إلى أي من الوالدين، إلى جانب تشجيع الطفل على التواصل وعدم الانعزال، ومتابعة دراسته وأنشطته اليومية".
كما دعت إلى "تعزيز دور المدرسة والأخصائيين الاجتماعيين، وإنشاء مراكز متخصصة للإرشاد الأسري تساعد المطلقين على إدارة مرحلة ما بعد الطلاق بصورة مسؤولة"، معتبرة أن "المجتمع بحاجة إلى نشر ثقافة تساعد الأسرة على تجاوز الانفصال بأقل قدر ممكن من الأضرار".
وخلصت عائشة بن يحمد إلى أن "الطفل الذي يعيش بين والدين منفصلين لكن متعاونين ومتفاهمين يمكن أن يكون أكثر استقرارا من طفل يعيش مع والدين تحت سقف واحد وسط الصراخ والغضب وتبادل الاتهامات"، مؤكدة أن "مسؤولية الوالدين لا تنتهي بالطلاق، وأن حماية الأبناء تظل أولوية مشتركة مهما كانت طبيعة العلاقة بينهما".
حقوق الاطفال
من جانبها، قالت رئيس منظمة "الرونق" للمرأة والطفل، رفيعة البرناوي، إن "مصلحة الطفل وحقوقه الأساسية يجب أن تظل محور التنظيم القانوني بعد الطلاق"، موضحة أن ذلك "يشمل الحضانة، والرؤية والتواصل مع الوالد غير الحاضن، والنفقة، إلى جانب حقوقه في الرعاية الصحية والتعليمية".
وأشارت البرناوي في تصريحات لـ"سبوتنيك"، إلى أن "أبرز الإشكالات التي تنشأ بين الوالدين تتمثل في النزاع حول الحضانة والرؤية والنفقة، وعدم تنفيذ الأحكام القضائية، إضافة إلى الخلافات المتعلقة بالتعليم والعلاج والسفر"، محذرة من "استخدام الطفل وسيلة للضغط أو الانتقام بين الوالدين، وما قد يترتب على ذلك من آثار نفسية واجتماعية".
وأكدت " أهمية تطوير الإجراءات القانونية بما يضمن سرعة الفصل في قضايا الحضانة والنفقة والرؤية، وتوفير آليات مرنة لتنظيم التواصل مع كلا الوالدين، إلى جانب دعم الوساطة والإصلاح الأسري والاستعانة بالأخصائيين الاجتماعيين والنفسيين في النزاعات الحادة".
وشددت على "ضرورة مراعاة رأي الطفل وفق عمره ودرجة نضجه، وتعزيز مفهوم المسؤولية الأبوية المشتركة"، مؤكدة أن "الطلاق ينهي العلاقة الزوجية، لكنه لا ينهي علاقة الطفل بأي من والديه ولا يسقط مسؤولية أي منهما تجاهه، فالطفل ليس طرفا في الخلاف ولا ينبغي أن يتحمل نتائجه".


