علماء روس يطورون برنامجا لتحديد بؤر الصرع في الدماغ خلال دقائق

© Photo / sfedu.ru
تابعنا عبر
طور علماء في جامعة لوباتشيفسكي الروسية ومؤسسات شريكة، برنامجا يمكنه تحديد موقع "البؤرة الصرعية" (المنشأ الدماغي للنوبات) من خلال تحليل تسجيلات قصيرة للنشاط الكهربائي الأساسي للدماغ.
وبدلاً من انتظار التفريغات الكهربائية النادرة المرتبطة بالنوبات ومراجعة ساعات من بيانات تخطيط كهربية الدماغ (EEG) يدوياً، يميز النظام بين الدماغ السليم والدماغ المصاب بالصرع، ويحدد ما إذا كانت البؤرة تقع في الفص الصدغي أو الجبهي أو القذالي أو الجداري.
وقد اختُبرت هذه الطريقة حتى الآن باستخدام مجموعات بيانات متاحة للعامة لتخطيط كهربية الدماغ، ويخطط الباحثون حالياً لتكييفها للاستخدام السريري تحت إشراف أطباء متخصصين في علاج الصرع.
لماذا قد يستغرق تحديد مصدر الصرع وقتا طويلا؟
يمكن أن تبدأ النوبة الصرعية عندما تصبح مجموعة صغيرة من الخلايا العصبية قابلة للاستثارة بشكل غير طبيعي.في الحالة الطبيعية، يحافظ الدماغ على توازن بين العمليات التي تزيد من النشاط العصبي وتلك التي تكبحه، وعندما يختل هذا التنظيم، قد تتشكل بؤرة صرعية شديدة القابلية للاستثارة.
ويُعد موقع هذه البؤرة أمراً بالغ الأهمية؛ فالنوبات التي تنشأ في مناطق مختلفة من الدماغ يمكن أن تؤدي إلى أعراض متفاوتة، وقد تتطلب أساليب علاجية مختلفة، لذا، لا يحتاج الأطباء السريريون إلى تأكيد الإصابة بالصرع فحسب، بل يحتاجون أيضاً -في كثير من الحالات- إلى تحديد مكان بدء النشاط غير الطبيعي.
وتاريخياً، قد يتطلب ذلك إجراء تخطيط طويل الأمد للنشاط الكهربائي للدماغ (EEG)، وهي عملية تسجل النشاط الكهربائي للدماغ عبر أقطاب كهربائية توضع على فروة الرأس.
المشكلة: الإشارات المهمة قد تكون نادرة
وفقاً لـ أنطون مالكوف، الباحث الأول في مختبر الذكاء الاصطناعي في علوم القلب والأعصاب بجامعة لوباتشيفسكي الحكومية في نيجني نوفغورود، يتم تشخيص الصرع عند رصد تفريغات كهربائية مميزة مرتبطة بالنوبات في تخطيط كهربية الدماغ.
كما يمكن للأطباء استخدام التفريغات بين النوبات (interictal discharges) -وهي أحداث كهربائية غير طبيعية تحدث في الفترات الفاصلة بين النوبات- لتقدير موقع البؤرة الصرعية، وتكمن الصعوبة في أن هذه الأحداث قد تظهر بشكل متقطع أو نادر.
ونتيجة لذلك، يحتاج المرضى أحياناً إلى مراقبة طويلة الأمد عبر تخطيط كهربية الدماغ تستمر لساعات عديدة أو حتى ليوم كامل، بينما قد يضطر الطبيب المتخصص في الصرع إلى مراجعة تسجيلات طويلة يدوياً لتحديد وتفسير تلك التفريغات غير الطبيعية النادرة.
وأوضح مالكوف: "يتطلب رصد مثل هذه التفريغات الكهربائية غالباً إجراء تسجيلات يومية مطولة لتخطيط كهربية الدماغ (EEG)، حيث يضطر المريض لارتداء أجهزة التسجيل لفترات طويلة. ولتحديد موقع البؤرة الصرعية بدقة، يقوم اختصاصي الصرع عادةً بمراجعة التسجيلات الطويلة "يدويا" لتحديد وتحليل التفريغات النادرة".
فحص الدماغ في الفترات الفاصلة بين النوبات
طور باحثون من جامعة لوباتشيفسكي، بالتعاون مع زملاء من الأكاديمية الروسية للعلوم، وجامعة بريفولجسكي الطبية البحثية، وجامعة بيروغوف، وجامعة مدريد التقنية، برنامجاً مصمماً لاستخلاص معلومات مفيدة من تسجيلات أقصر بكثير لتخطيط كهربية الدماغ.
وتكمن الميزة الرئيسية في أن الخوارزمية لا تعتمد على رصد نوبة صرعية فعلية أو انتظار حدوث تفريغات نادرة تظهر في الفترات الفاصلة بين النوبات، وبدلاً من ذلك، تقوم الخوارزمية بتحليل إيقاعات الدماغ الخلفية (الأساسية) أثناء وجود المريض في حالة راحة.
ومن خلال هذه الأنماط، يميز البرنامج أولاً بين نشاط تخطيط كهربية الدماغ المرتبط بالدماغ السليم وذلك المرتبط بالصرع، ثم يقوم بتقدير احتمالية وجود البؤرة الصرعية في واحدة من أربع مناطق رئيسية في الدماغ: الفص الصدغي، أو الجبهي، أو القذالي، أو الجداري.
من ساعات من التحليل إلى دقائق
وفقاً للباحثين، يمكن لهذا النهج أن يقلص الوقت اللازم لتحديد التشخيص من ساعات إلى دقائق، وتعودهذه الميزة بالنفع على المريض -الذي قد لا يحتاج للبقاء متصلاً بأجهزة تخطيط كهربية الدماغ لفترات طويلة- وعلى الطبيب أيضاً، الذي يمكنه توفير الوقت الذي كان يقضيه في البحث اليدوي عبر تسجيلات مطولة.
قال مالكوف: "لقد تمكنا من توقع موقع بؤرة النشاط الصرعي في الدماغ بمجرد تحليل الإيقاعات الخلفية في تسجيلات قصيرة لتخطيط كهربية الدماغ، رغم أن هذه المهمة تتطلب عادةً تحليل تفريغات النوبات التي تحدث بشكل نادر".
وهذا هو الإنجاز الجوهري لهذا العمل: إذ تبحث الخوارزمية عن معلومات دقيقة وكامنة بالفعل في نشاط الدماغ الخلفي المعتاد، بدلاً من انتظار ظهور الحدث المرضي الأكثر وضوحاً.
لماذا قد تكون إيقاعات الدماغ الخلفية (في تخطيط كهربية الدماغ) ذات قيمة كبيرة؟
إذا أثبتت هذه الطريقة موثوقيتها في الممارسة السريرية، فقد تُحدث تغييراً في كيفية استخدام الأطباء لتخطيط كهربية الدماغ (EEG) مع بعض مرضى الصرع، فبدلاً من اعتبار الفترات الفاصلة بين النوبات خاليةً إلى حد كبير من الأحداث المهمة، تشير الخوارزمية إلى أن هذه التسجيلات، التي تتسم بالهدوء النسبي، قد تحتوي على أنماط مرتبطة بموقع الشبكة العصبية غير الطبيعية.
وهذا لا يعني أن البرنامج "يرى" البؤرة الصرعية بشكل مباشر، بل يقوم البرنامج بتحديد أنماط إحصائية في إشارات تخطيط كهربية الدماغ، وحساب احتمالية وجود مصدر النشاط غير الطبيعي في منطقة محددة من الدماغ.
ويُعد هذا التمييز مهماً؛ لأن النظام مصمم لدعم عملية التشخيص، وليس ليحل محل التقدير السريري للطبيب المختص في علاج الصرع.
الخطوة التالية: الاختبارات السريرية
خضع البرنامج حالياً للتقييم باستخدام بيانات تخطيط كهربية الدماغ المستمدة من مصادر مفتوحة، ولميتم اعتماده بعد كأداة تشخيصية سريرية روتينية. لذا، يخطط الباحثون لتكييف الخوارزمية لاستخدامها مع مرضى حقيقيين، وذلك تحت إشراف أطباء مختصين في علاج الصرع يمارسون عملهم السريري.
وستكون تلك المرحلة جوهرية لتحديد مدى كفاءة أداء النظام عند التعامل مع تسجيلات جُمعت في مستشفيات مختلفة، ومن مرضى يعانون من أشكال متنوعة من الصرع، وفي ظل الظروف المتغيرة للممارسة السريرية اليومية.
وقد أُنجز هذا العمل بدعم من وزارة التنمية الاقتصادية الروسية في مركز أبحاث الذكاء الاصطناعي بجامعة "لوباتشيفسكي"، وبمشاركة "مختبر أبحاث الشباب للذكاء الاصطناعي ومعالجة البيانات الضخمة" التابع للجامعة نفسها.



