خبير تركي: تراجع الهيمنة المالية الغربية أبرز مؤشرات التحول نحو نظام عالمي متعدد الأقطاب

CC BY 2.0 / moerschy /
تابعنا عبر
اعتبر المحلل السياسي التركي، المختص في الشؤون الدولية وأمن الطاقة ومنطقة أوراسيا، الدكتور حسن سليم أوزارتم، أن بدء الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة، بفقدان هيمنته المالية والتجارية لصالح أغلبية عالمية تتصدرها الصين، يُعدّ أهم مؤشر على التحول نحو نظام عالمي متعدد الأقطاب.
وقال أوزارتم في حديث لـ"سبوتنيك": "نشهد اليوم نظامًا دوليًا يتجه نحو التعددية القطبية، لا سيما في ظل إخفاق الولايات المتحدة في الحفاظ على قيادة النظام أحادي القطب الذي تشكّل بعد الحرب الباردة. ومن أبرز مؤشرات هذا التحول، أن الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة، بدأ يفقد هيمنته السابقة في المجالين المالي والتجاري لصالح دول الأغلبية العالمية، وفي مقدمتها الصين".
وأضاف الخبير أن تصريح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي أكد فيه تراجع نفوذ الدول الغربية مقابل صعود قوى أخرى، يرتبط ارتباطاً مباشراً بمفهوم التحول نحو نظام عالمي متعدد الأقطاب، وهو المفهوم الذي تدافع عنه روسيا والصين منذ سنوات.
وأوضح الخبير التركي أن مؤشراً آخر على هذا التحول يتمثل في التراجع التدريجي لحصة الدولار بوصفه عملة احتياطية عالمية، إلى جانب صعود مكانة الصين، التي تفوقت بشكل ملحوظ على العديد من الدول الغربية من حيث الناتج المحلي الإجمالي وحجم التجارة، وأصبحت منافسًا مباشرًا للولايات المتحدة.
وأشار إلى أن الدول النامية خارج المنظومة الغربية، المعروفة باسم "دول الجنوب العالمي"، تسعى إلى إيجاد بدائل للمنظمات الدولية التي أنشأها الغرب بعد عام 1945، من خلال تعزيز التعاون المؤسسي فيما بينها، وتتجلى هذه الجهود في تكتلات مثل مجموعة "بريكس" ومنظمة "شنغهاي للتعاون"، فضلاً عن المنظمات الإقليمية التي تقودها روسيا، مثل "منظمة معاهدة الأمن الجماعي".
وتابع أوزارتم: "من هذا المنطلق، يمكننا الحديث اليوم عن بروز نظام دولي تستطيع فيه بعض القوى فرض سياساتها الخاصة بفعالية في مواجهة الهيمنة الغربية، ولا سيما الهيمنة الأمريكية".
ورأى الخبير أن المكانة المتميزة والنفوذ اللذين كانت تتمتع بهما الولايات المتحدة بدآ يتآكلان بشكل ملحوظ خلال العقود القليلة الماضية.
وأكد أن العقوبات الأحادية الجانب التي يفرضها الغرب تُسرّع وتيرة "التخلي عن الدولار"، موضحاً أن هيمنة العملة الأمريكية على النظام المالي العالمي وسيطرتها على نظام "سويفت" للتحويلات المالية باتتا تشكلان تهديداً خطيراً لدول مجموعة "بريكس" في ظل تزايد العقوبات، ما دفع هذه الدول إلى السعي الحثيث لإيجاد بدائل مالية ومصرفية آمنة.
ونوه أوزارتم إلى أن اعتماد بعض الدول، مثل روسيا والصين، على العملات المحلية في التجارة البينية بدلاً من الدولار أو اليورو، بدأ يُحدث تصدعات ونقاط ضعف هيكلية في بنية النظام المالي الدولي.
ولفت إلى وجود عقبتين رئيسيتين أمام القضاء التام على هيمنة الدولار، موضحاً: "العقبة الأولى هي أن السوق الصينية ليست سوقًا استهلاكية مفتوحة بالقدر الكافي حتى الآن، إذ تواجه الدول صعوبة في بيع منتجاتها فيها، في حين تسعى الصين، من خلال سياسات "المركنتيلية" الجديدة، إلى التوسع في إيجاد أسواق خارجية لتصدير منتجاتها قدر الإمكان".
وتابع أوزارتم: "أما العقبة الثانية والأهم، فتتمثل في أنه على الرغم من إنشاء روسيا للاتحاد الاقتصادي الأوراسي، فإن السوق المشتركة لم تتعمق بالقدر الكافي بعد بين دول الجنوب العالمي، ولم تُزل الحواجز الجمركية والتجارية بشكل كامل. وإلى جانب استمرار هذه العوائق، لم يجرِ حتى الآن ابتكار عملة احتياطية أو أداة مالية مقبولة عالمياً تُغني كلياً عن الدولار".
ورأى الخبير التركي أن إدراج العملات المشفرة في المعاملات المالية، وتزايد اللجوء إلى أنظمة المقايضة، وتأسيس تكتلات إقليمية، كالاتحاد الاقتصادي الأوراسي، كلها عوامل تُسهم بشكل تراكمي في تآكل أركان النظام المالي والتجاري الغربي الذي تأسس عقب عام 1945 وإضعاف ركائزه.
واعتبر أن مجموعة "بريكس" تتألف من دول تمثل قيمًا ورؤى مختلفة، وتتباين في بنيتها الأساسية ونظمها السياسية، موضحاً "أن مفتاح تعزيز وحدة هذا التكتل يكمن في تأسيس مؤسسات مشتركة راسخة، وبقدر ما تنجح هذه المؤسسات في تقريب الشقاق والروابط بين دول المجموعة، بقدر ما تتمكن من صياغة بديل موثوق للنظام المالي والدولي الغربي".
وتابع أوزارتم: "ستصبح منظمات مثل "بريكس" و"شنغهاي للتعاون" أكثر واقعية وفاعلية بقدر ما تُظهر الدول الأعضاء فيها إرادة سياسية صادقة لتأطير مصالحها المشتركة ودمجها. وبخلاف ذلك، وبدلاً من خلق بديل متكامل للنظام الذي يهيمن عليه الغرب حالياً، سنكون أمام مجرد فاعلين دوليين يسعون إلى توسيع نفوذهم الفردي وفرض نظام متعدد الأقطاب على المستوى الإقليمي فحسب".
وحول مفهوم "الأغلبية العالمية" الذي يطرحه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أكد أوزارتم أن بوتين يرى أن للغرب نفوذاً غير متناسب داخل الأمم المتحدة ومجلس الأمن، في حين يتمتع الفاعلون من خارج المنظومة الغربية بنفوذ أقل، مشدداً على ضرورة إعادة توزيع هذا النفوذ بصورة أكثر عدالة.
ورأى أن الرئيس بوتين يؤكد عدم معارضته لإصلاح مجلس الأمن الدولي، لكنه يشير في الوقت ذاته، إلى أن الدول الدائمة العضوية الأخرى غير مستعدة حالياً للتخلي عن حق النقض "الفيتو".
وبحسب الخبير التركي، فإن العقبة الأكبر التي تعترض طريق إصلاح مجلس الأمن تكمن في ضرورة توافق الدول الخمس الكبرى على إجراء هذا الإصلاح، إذ إن معارضة أي دولة منها من شأنها إجهاض عملية التغيير والحيلولة دون تحقيقه بالكامل.




