تحالفات جديدة وميدان مشتعل.. هل يحسم السلاح حرب اليمن أم يعمق أزمته؟

© AP Photo / Osamah Abdulrahman
تابعنا عبر
حصري
بعد سنوات من إطلاق "عاصفة الحزم"، التي بدأها التحالف العربي بهدف إعادة الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا، عقب سيطرة جماعة "أنصار الله" على العاصمة صنعاء وعدد من محافظات الشمال، لا تزال الجماعة تحتفظ بمناطق نفوذها، فيما تطورت قدراتها العسكرية بصورة لافتة.
وشهدت السنوات الماضية تهدئة مع السعودية، رغم التوترات التي شهدتها المنطقة. وخلال سنوات التهدئة، تواصلت الاتصالات والوساطات بشأن تنفيذ التفاهمات المتعلقة بتبادل الأسرى ودفع المرتبات والتوصل إلى سلام شامل. وخلال تلك الفترة، لم تطلق "أنصار الله" صواريخ أو طائرات مسيرة باتجاه الأراضي السعودية، رغم حرب غزة والتطورات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران.
لكن المشهد شهد تحولات متسارعة خلال الأسابيع الماضية، مع حشد القوات في الجبهات الداخلية اليمنية وإعلان التعبئة من جانب الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا. وتصاعد التوتر على الجبهات الداخلية، بالتزامن مع إطلاق صواريخ من صنعاء باتجاه مواقع تابعة للحكومة اليمنية، والتهديد بإغلاق مضيق باب المندب ومنع مرور السفن.
وفي المقابل، وقعت الرياض اتفاقات دفاعية عدة، كان أحدثها "تحالف مكة"، الذي يضم السعودية وتركيا وباكستان، قبل الإعلان عن عملية عسكرية جديدة لدعم الحكومة اليمنية تحت مسمى "فجر اليمن". ومع تصاعد المواجهات، اتجهت الصواريخ نحو مصالح سعودية حيوية، بينها منشآت نفطية ومطارات، فيما استمرت العمليات المتبادلة بين أطراف الصراع.
وفي ظل هذه التطورات، يبرز تساؤل بشأن المسار الذي تتجه إليه الحرب اليمنية، ومدى إمكانية حسمها عسكريا لصالح أحد الأطراف، أم أن الوساطات الإقليمية، ومن بينها الوساطة الإيرانية، قد تفتح الطريق أمام استئناف المفاوضات.
وفي المقابل، يظل سيناريو الاستنزاف الطويل من أخطر الاحتمالات، مع ما قد يترتب عليه من استنزاف الموارد وإضعاف قدرات الأطراف المتصارعة، بما يفتح المجال أمام قوى أخرى للاستفادة من تداعيات الصراع.
تغيير المعادلة
يقول الكاتب والمحلل السياسي اليمني حميد عبد القادر عنتر إن عملية "فجر اليمن"، التي أعلنتها الرياض عبر الحكومة اليمنية بقيادة رشاد العليمي، لن تستطيع حسم المعركة عسكريا، خصوصا بعد سيطرة قوات صنعاء على مواقع عسكرية كانت خاضعة للحكومة.
وأضاف عنتر، في حديثه لـ"سبوتنيك"، أن "الوضع الميداني، بحسب تقديره، يشير إلى تحقيق قوات صنعاء مكاسب عسكرية وسقوط مواقع ومعسكرات ومديريات تابعة للحكومة اليمنية في محور تعز وجبهات أخرى". وأشار إلى انتقال المعارك، وفق روايته، إلى العمق السعودي، مع استهداف مواقع حيوية واستراتيجية، بينها مطار الملك خالد في الرياض ومنشآت نفطية في أرامكو وينبع، مدعيا أن "هذه العمليات كبدت السعودية خسائر تجاوزت 100 مليار دولار".
وتابع عنتر أن "استمرار المعارك يمثل استنزافا للخزينة السعودية، معتبرا أن خروج الرياض من الأزمة يتطلب، من وجهة نظره، رفع الحصار عن اليمن ودفع التعويضات وتقديم اعتذار وعدم التدخل في الشؤون اليمنية". وحذر من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى مزيد من المواجهات والخسائر.
نافذة للتهدئة
وأشار عنتر إلى استمرار العمليات العسكرية التي تنفذها قوات صنعاء، بحسب وصفه، ضد مطارات الرياض والدمام ومناطق أخرى، لافتا إلى اتصالات هاتفية جرت بين وزارتي الخارجية السعودية والإيرانية بشأن وساطة طهران لدى صنعاء لوقف التصعيد.
وربط عنتر نجاح الوساطة بتلبية مطالب سبق أن أعلنتها صنعاء، تشمل رفع الحصار ودفع التعويضات، إلى جانب إنهاء الوضع السياسي القائم، قبل الانتقال إلى تسوية سياسية شاملة. واعتبر أن التوصل إلى تفاهمات من هذا النوع قد يفتح الباب أمام وقف التصعيد في البحر الأحمر، بحسب تعبيره.
الحسم العسكري
من جانبه، قال السياسي الجنوبي اليمني عبد العزيز قاسم إن "الواقع الإنساني والسياسي في اليمن مؤلم، وإن فرص السلام تبدو بعيدة في ظل استمرار المعارك وما تخلّفه من خسائر بشرية ومادية وآثار نفسية واجتماعية".
وأضاف قاسم، في حديثه لـ"سبوتنيك"، أن "القضية الأساسية التي ينبغي أن تنخرط فيها جميع القوى هي تحقيق السلام والحوار ووقف نزيف الدم في جنوب اليمن وشماله، بعيدا عن الحسابات الضيقة". وشدد على أن العودة إلى الحوار لا تعني الضعف أو الانتقاص من أي طرف، بل تمثل، بحسب رأيه، خطوة نحو إنقاذ البلاد وتقليل كلفة الصراع.
وفيما يتعلق بإمكانية الحسم العسكري، استبعد قاسم قدرة أي طرف على إنهاء المعركة بالقوة، مشيرا إلى أن العمليات العسكرية لا تسير وفق مسار واضح يمكن الاستناد إليه لتحديد نتائجها أو الطرف الذي سيخرج منتصرا. وأضاف أن استمرار المواجهات لن يؤدي، في تقديره، إلا إلى إراقة مزيد من الدماء واستنزاف القوى العسكرية والسياسية.
وأشار قاسم إلى أن الصراع لم يعد مجرد معركة للقضاء على طرف لمصلحة آخر، بل بات مرتبطا بمصير بلد وشعب، وبالتداعيات التي قد تستمر حتى بعد توقف العمليات العسكرية. ورأى أن الطريق الأقرب لتجاوز الأزمة يتمثل في وقف القتال والدخول في حوار غير مشروط، مع الاحتكام إلى الإرادة الشعبية، بعيدا عن استخدام القوة لفرض المشاريع السياسية.
وأوضح قاسم أن الحرب لا تكتسب مشروعية من الشعارات التي ترفعها الأطراف، ما دامت تحصد الأرواح وتدمر مقدرات البلاد وتخلف آثارا كارثية على المجتمع. وأضاف أن استمرار القتال يطرح تساؤلات بشأن قدرة القوى المتصارعة على اتخاذ قرارات مستقلة تحقق مصالح اليمنيين.
واستطرد أن الحسم العسكري مستبعد، حتى مع امتلاك أي طرف قوة كبيرة، لأن تكلفة استمرار الحرب ستكون باهظة، ولأن السيطرة العسكرية لا تعني بالضرورة القدرة على إنهاء الصراع. ودعا إلى وقف الحرب فورا، والعمل تحت إشراف أممي محايد، تمهيدا لإطلاق حوار يتيح للقوى السياسية عرض مشاريعها والاحتكام إلى الإرادة الشعبية.
وأكد قاسم ضرورة تحديد أولويات وطنية لا تخضع للتوظيف السياسي، معتبرا أن مواصلة الرهان على الحسم العسكري لن تحقق الأهداف المعلنة للأطراف المتصارعة. ودعا إلى تأسيس عقد اجتماعي جديد، وإعداد وثيقة شرف تضمن إنهاء الحرب وعدم تجددها، مشددا على أن السلام والحوار يمثلان الطريق الأنسب لتجاوز الأزمة.
تدويل الأزمة
بدوره، قال عبد القادر النايل، عضو الميثاق الوطني العراقي، إن الأزمة اليمنية تعمقت نتيجة تدخل أطراف دولية كبرى، ما أدى إلى تحول الصراع من أزمة داخلية إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الخارجية.
وأضاف النايل، في حديثه لـ"سبوتنيك"، أن "الهجمات التي تستهدف السعودية والمنشآت المدنية تستخدم، بحسب تقديره، صواريخ ذات تقنيات شرقية، إلى جانب وجود خبراء وقوات أجنبية تساند جماعة "أنصار الله". وفي المقابل، أشار إلى استفادة القوات اليمنية المدعومة من السعودية من الدعم الجوي واللوجستي، فضلا عن الدعم الأمريكي المباشر.
وتابع أن هذا التدخل المتعدد الأطراف أوصل الأزمة إلى مرحلة من التنافس الحاد على قيادة اليمن، حيث تتقدم مصالح القوى الخارجية على حساب مصالح الشعب اليمني ومستقبله. وشدد على أن الحل العسكري لم ينجح خلال السنوات الماضية في إنهاء الأزمة، بل أسهم في إطالة أمدها وتعميق المأساة الإنسانية، معتبرا أن التسوية تتطلب حوارا يمنيا يمنيا بعيدا عن الأجندات الخارجية.
مسارات مطلوبة
وأوضح النايل أن حل الأزمة اليمنية يتطلب العمل على مسارين أساسيين، يتمثل أولهما في تدويل متوازن للأزمة وتفعيل دور الشرعية الدولية.
وأشار إلى أهمية مشاركة أطراف دولية محايدة لا ترتبط مباشرة بالصراع، مثل روسيا والدول الأوروبية، إلى جانب تفعيل دور مجلس الأمن الدولي في دعم التسوية. ولفت إلى أن استمرار المواجهات يهدد أمن الممرات البحرية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، بما يستدعي تحركا دوليا للحد من المخاطر المترتبة على استمرار الصراع.
وأكد النايل ضرورة اضطلاع مصر بدور محوري في أي تسوية مقبلة، باعتبارها من الدول المتضررة من اضطراب الملاحة في البحر الأحمر وتأثيراته على حركة العبور في قناة السويس.
اللامركزية والمصالحة
واستطرد النايل أن "المسار الثاني يتمثل في تحقيق المصالحة الوطنية وإنهاء الوجود الأجنبي، من خلال إطلاق مصالحة يمنية شاملة لا تستثني أي طرف، وخروج القوات الأجنبية والخبراء من الأراضي اليمنية، إلى جانب تبني نظام سياسي جديد يقوم على اللامركزية في إدارة المحافظات، ويضمن حقوق مختلف المكونات والتوزيع العادل للثروة والسلطة".
وأكد أن استمرار الصراع بصورته الحالية لن يؤدي، بحسب تقديره، إلا إلى مزيد من الانقسام وإضعاف قدرات المنطقة واستنزاف مواردها، بما يخدم مصالح القوى الكبرى على حساب اليمنيين. وحذر من أن تداعيات التفكك والصراعات الداخلية قد تستمر عقودا، حتى بعد توقف العمليات العسكرية.
يشهد اليمن صراعا مستمرا منذ عام 2014، عندما سيطرت جماعة "أنصار الله" على العاصمة صنعاء ومناطق واسعة في شمال البلاد ووسطها. وفي 26 مارس/آذار 2015، أطلق تحالف عربي بقيادة السعودية عملية عسكرية دعما للحكومة اليمنية المعترف بها دوليا.
وشهدت البلاد فترات من التهدئة، لكنها لم تفض إلى اتفاق سياسي شامل ينهي الصراع. وفي 2 أكتوبر/تشرين الأول 2022، أعلنت الأمم المتحدة عدم توصل الحكومة اليمنية وجماعة "أنصار الله" إلى اتفاق لتمديد الهدنة وتوسيعها، بعد ستة أشهر من سريانها، لتستمر بعدها حالة من التهدئة الهشة.
وفي ظل اتساع التوترات الإقليمية، تزايدت المخاوف من انعكاسات المواجهات على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، لا سيما مع اتساع نطاق الهجمات المرتبطة بالصراع. ويمثل أمن الملاحة في هذه المنطقة أهمية استراتيجية للتجارة الدولية، كما يرتبط مباشرة بحركة السفن عبر قناة السويس.
وتسببت الحرب في تداعيات إنسانية واقتصادية واسعة. ووفقا لتقديرات أممية أوردها النص الأصلي، أودت الحرب بحياة نحو 377 ألف شخص حتى أواخر عام 2021، كما بلغت الخسائر الاقتصادية التراكمية نحو 126 مليار دولار، فيما أصبح نحو 80% من السكان بحاجة إلى مساعدات إنسانية.








